3 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

الازمة في دولة مالي  وصعود إمام الشعب محمود ديكو

الراهن التطور والمستقبل

الجزائر :الدكتور فاروق طيفور باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

تشهد دولة مالي تطورا متسارعا في الاحداث سيما بعد أن أقدم بعض ضباط الجيش المالي على تنفيذ انقلاباً عسكرياً أطاح برئيس البلاد إبراهيم أبوبكر كيتا، يوم الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2020، بعد اعتقاله من قِبل الجيش، حيث يقول “المتمردون” حسب وصف الاعلام التابع لكايتا، إن ما حدث “ليس انقلاباً عسكرياً، وإنما انتفاضة شعبية”؛ إذ تشهد البلاد منذ عدة أشهر حالة غضب واسع النطاق بسبب الفساد وسوء إدارة الاقتصاد وتدهور الوضع الأمني، مع تصاعُد العنف الجهادي المسلح والطائفي، فيما كانت قد دعت حشود ضخمة بقيادة الإمام محمود ديكو الرئيس كيتا إلى التنحي، وقادت ضده هذه الثورة العارمة.

ومع هذه الانتفاضة الشعبية في دولة مالي  برز مجدداً، اسم الإمام محمود ديكو في جمهورية مالي،كقائد مؤثر اولفي هذه الاحداث المتسارعة ،فمن هو الإمام الداعية محمود ديكو الذي يلقّبه الماليون بـ”إمام الشعب”، وما دوره في صناعة رؤساء مالي وإسقاطهم وماهو مستقبل الاحداث في دولة مالي الشقيق وهل نعيش مرحلة مابعد افريقيا الفرانكوفونية؟

نطرح هذه التساؤلات لان جرأة ديكوو تقدمه الحشود والقوى السياسية والمجتمعية في دولة مالي أمر يستدعي التوقف والتأمل والقراءة،بالرغم من أن إمام الشعب محمود ديكو ليس طارئا على ساعم التفاعل السياسي والدعوي في مالي فقد كان ضليعاً في النصوص الدينية والتشريعية، العربية والفرنسية على حد سواء، فقد برز خلال التسعينيات عندما انتقلت مالي إلى الديمقراطية، وأصبح معروفاً بقدرته على التحدث علناً عن مسائل الدين والحوكمة، وفي بعض الأحيان السياسة الدولية. ويقول محللون إن تدخلات ديكو في قضايا الأخلاق العامة حظيت بشعبية واسعة لدى الجمهور المالي، وساعدت في إعلاء صورته، فيما ذهب البعض إلى الحديث بأن الإمام يسعى لمنافسة الرئيس كيتا على السلطة، واصفينه بأنه “خميني مالي”، لكنّ مقربين منه ينفون أن تكون لديه أي رغبة في السلطة.

من هو محمود ديكو وكيف سطع نجمه؟:

هو داعية إسلامي مالي، يعد من رموز التيار الإصلاحي بدولة مالي ، وهو إمام أحد أهم مساجد العاصمة باماكو. يرأس المجلس الإسلامي الأعلى بمالي الذي يُعنى بالبت في الشؤون الدينية، وزاد صيته بعد حصوله علناً على دعم الشيخ محمد ولد حماه الله، المعروف بشريف نيورو، وهو شخصية صوفية من أصل موريتاني لها مئات آلاف الأتباع في مالي (فضلاً عن موريتانيا وساحل العاج وبوركينا فاسو).

المولد والنشأة

ولد محمود ديكو عام 1954 في قرية طنكا (محافظة تمبكتو) بجمهورية مالي، وينتمي أبواه لأسرتين من الأسر العلمية الشهيرة في المنطقة،حفظ القرآن على يد جده الذي كان يدير أحد كتاتيب القرآن، وكان عمره آنذاك 15 سنة، ثم درس عليه بعض المتون الفقهية في المذهب المالكي ومبادئ اللغة العربية.

السيرة التعليمية :

التحق ديكو 1970 بمعهد العلوم الإسلامية في مدينة أبي تلميت بموريتانيا، وحصل منه 1973 على إجازة علمية. ثم ذهب إلى المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية فتتلمذ على العلامة عمر الفلاتة مدة سنتين،عينته حكومة بلاده مدرسا للغة العربية في المرحلة الثانية بعد عودته من السعودية، وعمل في مجال التعليم إلى غاية اختياره 1981 إماما في مسجد السلام (بدلابوغوا) الذي يعد من أهم مساجد العاصمة باماكو.

التوجه الفكري والمذهبي :

يعتبر محمود ديكو أحد أتباع المدرسة السلفية العلمية، وقد تأثر بالفكر السلفي أثناء دراسته في السعودية، مما أهله لأن يؤدي دورا كبيرا في حركة الإصلاح والتجديد الفكري في بلاده.وقد كانت هذه الخلفية الفكرية سببا في علاقته بإياد آغ زعيم حركة أنصار الدين السلفية التي كانت تسيطر على أجزاء من شمال مالي قبل تدخل القوات الفرنسية والأفريقية مطلع 2013 لطرد الجماعات الإسلامية المسلحة من شمال البلاد.وعلى الرغم من تعليمه السعودي لم يعتنق الإمام ديكو أبدا التفسير الوهابي المتشدد والأصولي للمملكة،وهو في الحقيقة مدافع عن الإسلام التقليدي لغرب إفريقيا، ومحافظ في نظرته لقضايا الأسرة، لكنه مدافع قوي عن جذور مالي الثقافية قبل الإسلام والثقافة الدينية التعددية والمرجعية الصوفية. فتمبكتو، على سبيل المثال، تعرف باسم “مدينة 333 قديسا”.

الوظائف والمسؤوليات

شغل ديكو العديد من المناصب والمسؤوليات في بعض المؤسسات الدعوية والخيرية في البلاد. فقد تقلد منصب الأمين العام لـ”جمعية مالي للاتحاد وتقدم الإسلام”، وهي أول جمعية إسلامية بالبلاد أسست 1980، وتهدف إلى تعزيز وحدة المسلمين بالبلد، وتمويل بناء المساجد والمدارس القرآنية، كما تقوم بالوساطة والتهدئة أثناء الأزمات السياسية والاجتماعية.عمل بعد ذلك مديرا لبرامج الإذاعة الإسلامية في مالي التابعة للجمعية نفسها، ثم مديرا عاما لبرامج الإذاعة، واختير مطلع 2000 رئيسا لتجمع الجمعيات الإسلامية في مالي، ثم صار رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى 2008.

التجربة السياسية

يمتلك ديكو تأثيرا قويا في توجيه بوصلة الشأن العام، فقد تزعم الحراك الاحتجاجي الذي قاده الأئمة والدعاة في البلاد 2009 لإسقاط مدونة الأحوال الشخصية التي اعتبروها مخالفة في الكثير من موادها لأحكام الشريعة الإسلامية.

يتحدث منتقدوه عن دوره الكبير في وصول الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا إلى السلطة، وذلك بتعبئة الفعاليات المسلمة في البلاد للتصويت لكيتا خلال الانتخابات الرئاسية المنظمة في يوليو/تموز 2013.

وقد كانت  لفعاليات وضغوط المجلس الإسلامي -الذي يرأسه منذ 2008- وراء اعتماد الحكومة المالية لوزارة مكلفة بالشؤون الدينية، وتُعنى هذه الوزارة بتنظيم الحقل الديني، وتوفير بيئة حاضنة لمئات الطلاب من حملة الشهادات العليا في مجال التعليم العربي.

تحمس ديكو في البداية للحوار مع الجماعات الإسلامية المسلحة التي سيطرت على شمالي البلاد، وكلفته الحكومة المالية بالقيام بوساطة بينها وبين هذه الجماعات، قبل أن يتحول إلى داعم للتدخل العسكري الأجنبي، معتبرا أن “فرنسا تدخلت لمساعدة الشعب المالي بعد أن تخلت عنه دول مسلمة”.

لكن بالنسبة للإمام ديكو، لم يكن الترحيب بالتدخل الفرنسي الذي أنقذ باماكو من الجهاديين يعني أيضا تبني بعض جدول أعمال الحداثة الليبرالية،فقد دافع دائما عن التوجه المحافظ من الناحية الاجتماعية،وقال إن المسلحين المسؤولين عن هجوم عام 2015 على فندق راديسون بلو في باماكو أرسلهم الله لمعاقبة الماليين على المثلية الجنسية التي يتم استيرادها من الغرب.

وتظهر مشاعره القومية عندما اتهم فرنسا بأن لها طموحات لإعادة استعمار بلاده. فهو مثل العديد من مواطنيه، أسعدته عملية الإنقاذ الفرنسية في عام 2013 ولكنه متعب الآن من العملية العسكرية الفرنسية التي لم تتمكن حتى الآن من القضاء على الجماعات الجهادية المسلحة.

ومن جهة أخرى فقد أدى الفساد والمحسوبية، وضعف الخدمات العامة والقيادة الوطنية، وسوء الممارسات في الانتخابات، وعجز الحكومة عن وضع حد للعنف الطائفي والجهادي إلى حالة من الإحباط الشعبي.ونظرا لهذه التغيرات تخلى الإمام ديكو  عن الرئيس كيتا عام 2017 واستقال في العام الماضي من المجلس الإسلامي الأعلى ليشكل حركته السياسية الإسلامية الخاصة به، وهي تنسيق الحركات والجمعيات والمتعاطفين (CMAS)..

لكن الخلاف السياسي بين الإمام ديكو والرئيس مازال عميقا. لان محمود ديكو الملقب بـــ

“إمام الشعب” اصبح  يصنع الملوك ويهدمهم.. فقد أسقط الرئيس المالي و صار يثير قلق فرنسا لانها حليفة كايتا بامتياز.وفي نفس الوقت، يعد حلفاؤه المعارضون علمانيون، كما يغذي الاحتجاجات الحالية الغضب على كل الأشياء الخاطئة، ولكن لا يعني ذلك أن هناك شهية شعبية واسعة لتحويل مالي إلى جمهورية إسلامية.وقد وحدت أحزاب المعارضة السياسية صفوفها لتنظيم المظاهرات، ولكنها لم تكن صاحبة الصوت الحاسم الذي أدى بشكل متكرر إلى خروج عشرات الآلاف إلى الشوارع في مظاهرات لم يسبق لها مثيل منذ عقود، وهو ما أجبر كيتا وحكومته على التفاوض.ويعد الإمام محمود ديكو هو قوة الحشد الحقيقية وراء تلك المظاهرات.

فهو اللاعب الأساسي في هذا التحدي لرئيس يفتقد للطاقة والأفكار اللازمة لمواجهة المشاكل الضخمة التي لا تزال تتراكم في مالي، على الرغم من وجود ما يقرب من 15 ألف جندي دولي والتدفق المستمر للمساعدات الخارجية.

فالإمام ديكولا يعد شخصا مبتدئا يخرج من حياة سرية ليتولى القيادة الروحية في هذه الأمة ذات الأغلبية المسلمة.فقد كان لاعبا رئيسيا في الحياة العامة منذ عقد على الأقل، ولكن يظهر نفوذه اليوم أكثر من أي وقت مضى. ففي أبريل/نيسان عام 2019 نظم احتجاجات أدت إلى إقالة رئيس الوزراء آنذاك سوميلوبوبييمايغا.وتعد قوة الحشد لدى الإمام ديكو هي التي أعطت قوة التفاوض لحلفائه السياسيين التقليديين.ويوم الثلاثاء الماضي جلس زعماء معسكر الرئيس كيتا للتفاوض مع تحالف المعارضة المعروف باسم M5.ولكن قبلها بيومين التقوا بالإمام لأول مرة، مدركين أنه يتمتع بنطاق من الشعبية قد يكون حاسما.

ومع أنه كان دوماً قريباً من الرئيس الحالي إبراهيم أبوبكر كيتا، وأيد ترشحه للرئاسة عام 2002، وكان له دور فاعل في نجاحه في انتخابات 2013، إلا أنه بدأ يبتعد عنه تدريجيا منذ 2018، معتبراً أنه بدأ يحوّل العلمانية المالية إلى نظام مُعادٍ للدين والمؤسسة الدينية، رغم أنه لا يطالب بتطبيق الشريعة ولا تغيير النظام الدستوري العلماني.

ومع أن الإمام ديكو لم يكن في السابق يطمح للزعامة السياسية، وكان يقول إنه يكتفي بوظيفة الإمامة والتوجيه الديني، إلا أنه شكَّل في سبتمبر 2019 تجمعاً كبيراً باسم “تنسيق الحركات والروابط والمتعاطفين”، وهو شبكة واسعة تَدين له بالولاء، وأصبحت بالفعل تنظيمَ المعارضة الأساسي. وأول نشاط قام به الإمام ديكو بعد إنشائه الشبكة الجديدة هو تنظيم مهرجان حاشد في قصر الثقافة بالعاصمة باماكو في 29 فبراير 2020، دعا فيه أنصاره إلى استلام مصيرهم بأيديهم، كما دعا إلى تظاهرة كبرى يوم 6 مارس. وقد استدعت النيابة العامة الإمام ديكو إلى المحكمة، إلا أن أنصاره أحاطوا بها، فتم إلغاء الاستدعاء، واعتذرت الحكومة له رسمياً.

فشل جهود التسوية يؤدي الى الانقلاب العسكري :

حظي كيتا بإجماع واسع في انتخابات 2013، حيث انعقد الأمل عليه في تحقيق هدف إعادة بناء الدولة وتوحيدها، إلا أن الأزمة السياسية تفاقمت منذ وصوله إلى السلطة؛ فمن ناحية لم ينجح في عقد المصالحة المنشودة مع حركات الشمال من العرب والطوارق رغم الاتفاق الموقَّع معها في يونيو 2015، ومن ناحية ثانية فشل في إعادة فرض إدارة الدولة ونشر الجيش في مدن الشمال الثلاث الكبرى (تمبكتو وغاو وكيدال).

ومنذ نهاية 2015 انتقلت الأزمة السياسية إلى وسط مالي، وتركزت في الصراع الدموي بين قبائل الدوغون والفولاني، ولم ينجح الجيش المالي الضعيف والمفكك في التدخل لحفظ الأمن، بل وُجهت اتهامات إلى حكومة كيتا بتسليح المليشيات القومية الموالية لها، ودخلت بعض التنظيمات الفلانية في تحالف قوي مع الجماعات الإرهابية العنيفة.

ووصلت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية مستوىً قياسياً من التدهور بحسب تقارير المنظمات الدولية، والمتمثل بشيوع الفساد والرشوة وسوء الإدارة، إلى حد الانفجار الاجتماعي الذي بدت نذره القوية بعد انتخابات 2018، التي فاز فيها كيتا للمرة الثانية لكنه خرج من الحملة الانتخابية منهكاً وعاجزاً عن احتواء الازمات الاحتجاجية المتواصلة خلال السنتين الأخيرتين.

ومع أن الوجه السياسي الرسمي للمعارضة هو الوزير السابق “سومايلا سيسي”، الذي نافس كيتا منذ 2002 على تركة الرئيس كوناري، إلا أن المعارضة الحقيقية للنظام تمحورت حول تحالف غير مسبوق من المجتمع التقليدي الذي لا يزال يتحكم فيه إلى حد بعيد رجال الدين من مشايخ التصوف والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. وبرزت فاعلية حلف المعارضة الجديد في مقاطعة الانتخابات التشريعية المنظمة في نهاية مارس 2020، والمؤجلة لمدة سنتين كاملتين، حيث كان الإقبال ضعيفاً، والنتائج مرفوضة من قطاع واسع من الطيف السياسي ومن المؤسسة القضائية. وزاد الوضع تردياً اختطاف الجماعات الإرهابية لزعيم المعارضة سومايلا سيسي الذي لا يزال في يدها. وهكذا اندلعت الموجة الاحتجاجية الحالية في 5 يونيو 2020، بعد انهيار محاولات التهدئة التي لجأ إليها الرئيس كيتا، وبعد التضحية برئيس حكومته عثمان مايغا الذي أقاله في أبريل 2020.

يقود الإمام محمود ديكو تحالفَ المعارضة المعروف باسم “تجمع القوى الوطنية”، والذي يُختصر اسمه بـ “M5″، أي حركة 5 يونيو، ويضم شبكةً واسعة من النشطاء السياسيين وممثلي المجتمع المدني والحركات الشبابية والنسوية. وأهم مطالب التجمع هي: إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، وحل المحكمة الدستورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على حوار سياسي جامع وإدارة مرحلة انتقالية تُفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية شفافة ونزيهة، ووصلت الاحتجاجات في الأخير الى المطالبة بالاستقالة الفورية للرئيس كيتا.

تفاقمت الانتفاضةُ الاحتجاجية ضد نظام إبراهيم أبوبكر كيتا رئيس جمهورية مالي، التي تعيش أزمة سياسية عميقة ومتعددة الأوجه، في الوقت الذي تمحورت فيه حركة المعارضة الجديدة حول قيادة الإمام محمود ديكو، الذي يُعد من الشخصيات الدينية البارزة،

سيناريو الانقلاب  كان أسرع من  سيناريو التوافق :

ولتقريب وجهات النظر والوصول الى سيناريو التوافق، فقد سعت  المنظمات الإقليمية والدولية التي دخلت في وساطة متواصلة لتسوية الأزمة السياسية من خلال الحوار والتنازل المتبادل. وأبرز هذه المؤسسات هي المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وقد أصدرت إعلاناً رسمياً يُدين العنف، ويدعو إلى إطلاق حوار سياسي بين الحكومة والمعارضة. ورغم فشل الوساطة التي قادها خمسة من رؤساء دول غرب أفريقيا، وهي النيجر والسنغال ونيجيريا وساحل العاج وغانا، في تقريب وجهات نظر الفرقاء في مالي ما استدعى إعلان “الإيكواس” عقد جلسة طارئة لبحث تطورات هذه الأزمة في 27 يوليو الجاري، إلا أن سيناريو التوافق ما يزال ممكناً، وبخاصة في ظل خطوات التهدئة المتخذة من قبل الطرفين، إذ أصدر الرئيس كيتا قراراً بتجميد المحكمة الدستورية، وإطلاق سراح زعماء المعارضة، وقبول مبدأ الحوار السياسي الجامع، وفي المقابل دعا زعيم المعارضة الإمام ديكو دعا إلى التهدئة، ورفَض تنحية الرئيس كيتا، مكتفياً بالمطالب الأخرى المتعلقة بالإصلاح السياسي، وإعادة تنظيم المسار الانتخابي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.ولكن سيناريو الانفجار، الذي كان مستبعداً في حال تعثُّر الحوار السياسي وخروج الأوضاع الأمنية عن التحكم، فتح الباب لانقلاب عسكري جديد يناقش هذه الايام اطرافه  الاتفاق على مرحلة انتقالية تتلوها انتخابات رئاسية تشريعية، على غرار تجارب سابقة عرفتها مالي في 1992 و2012.

وحيال ذلك تحركت القوة المعنية بالازمة في مالي حيث تقول صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، إنّ باريس كانت تشعر بحالة من القلق حيال الحركة الاحتجاجية التي يقودها الإمام ديكو، إذ اندلعت هذه الاحتجاجات في الوقت الذي بدأت فيه باريس بتحقيق “انتصارات نوعية” ضد الجماعات الجهادية، بالإضافة إلى فشل كل الوساطات على يد أطراف متعددة منها الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، التي التقت الرئيس كيتا، وقادةُ حراك “5 يونيو” لإنهاء هذه الاحتجاجات، لكن دون جدوى.

وحاولت باريس مؤخراً إيصال رسائل وتحذيرات مبطّنة إلى ديكو وقادة الحراك ضد الرئيس كيتا، خلاصتها أن “أي تغيير في مالي يجب أن يكون تحت عين باريس”، وهو أمر يرفضه الحراك وزعيمه ديكو، المناهض بقوة للوجود الفرنسي في بلاده.

وبعد الانقلاب على كيتا، قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إن “فرنسا أبلغت بقلق بأمر التمرد الذي حصل في مالي، وتدين بشدة هذا الحدث الخطير”، مؤكداً أن باريس “تشاطر المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الموقف الذي عبّرت عنه، ودعت فيه إلى حماية النظام الدستوري.

فيما اعلن الاتحاد الافريقي عن تجميد عضوية مالي الى ان تعود الى الوضع الدستوري وهو نفس الموقف الذي اتخذته الجزائر.

الخاتمة :

ورغم تشابك المصالح في دولة مالي كمنطقة استراتيجية في دول الساحل  والانقلاب العسكري الذي عبر قادته على انه ليس انقلابا ولكن هو مرافقة للثورة الشعبية،ولا شك في أن الإمام ديكو قد تحوّل إلى ورقة قوية في المشهد السياسي المالي و أصبح في موقع قوي يسمح له بالقيادة والتاثير في المفاوضات الجارية الان والاستحقاقات السياسية القادمة سيما انه شخصية مرنة معتدلة وله من التدبير السياسي مايتيح لحركته موقعا مهما في مستقبل دولة مالي رغم حالة القلق والشك التي تبديها فرنسا والدول التي تحذو حذوها  لكن قوة حضور ديكو  التي أظهرت قدرةً جلية على تحريك الشارع بصفة مستمرة،وايضا فعالية في تثمين تقاطع المصالح،ولاسيما مع نخبة الجيش التي ماتزال لم تعلن عن هويتها ومشروعها لكنها التزمت بمرافقة الثورة الشعبية الى تحقيق أهدافها وأعلنت عن تشكيل “اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب” بقيادة الكولونيل أسيمي غويتا البالغ 37 عاما، وتعهدوا بتشكيل مجلس انتقالي وإجراء انتخابات “خلال مهلة معقولة”.واذا صدقت النوايا وتوفرت الرؤية السليمة وتمكنت النخب السياسية المالية المتحالفة من تجاوز التدخلات الخارجية يمكن ان تكون دولة مالي مستقلة وسيدة في قرارها عن النفوذ الفرنسي الذي اصبح يفقد الكثير من مراكز قواه في البلدان الافريقية التي تمثل بالنسبة للرسمية الفرنسية مستعمرات ملحقة به ،وتنخرط مالي في تكتل الدول الافرقيية التي استطاعت التخلص من الإعاقة الفرنسية

حيث حذر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي من تداعيات فشل السياسة الفرنسية في المنطقة وتحديدا في ليبيا  وبعض الدول الافريقية بسبب عشوائيتها وعجز ماكرون عن تغيير موازين القوى في حوض المتوسط حيث يرى المركز أنه رغم الضجيج الفرنسي إلا أن ماكرون فشل سياساته الموجهة الي افريقيا وغيرها ،ويشير المركز إلى أن فشل سياسة فرنسا يتمثل في الهزائم التي لحقت بحليفها خليفة حفتر، التي راهنت على دوره في ضرب الإسلاميين، في حين أن وقوفها إلى جانب اليونان وقبرص لم يردع تركيا عن مواصلة حضورها القوي في المنطقة.

ويرى أن خيبة أمل إسرائيل من فشل  السياسة الفرنسية في ليبيا يعود إلى حقيقة أن دعم حفتر هو قاسم مشترك لباريس والدول العربية المتحالفة مع إسرائيل.

فالنخب السياسية والمجتمعية والأمنية والعسكرية في دولة مالي مطالبة بالاستثمار في هذا الوضع المتأزم الذي يميز السياسة الخارجية الفرنسية ولها في  بعض الدول الافريقية القريبة والمماثلة نموذجا لهذا التوجه الجديد والذي قادها الى الانعتاق والتطور خارج الاعاقة الفرنسية المستدامة وعلى دور الجوار ان تساعد دولة مالي على هذا التوجه سيما تلك التي تعتبر دولة مالي جزءا أساسيا من أمنها القومي (مع الجزائر 1376 كلم)( مع موريتانيا  2237كلم ) تنضاف اليهما النيجر وبوركينافاسو ،فهل نعيش مرحلة مابعد أفريقيا الفرانكوفونية  أم أنه مجرد حلم جميل؟ أم أن ماحدث في مالي هو بداية لربيع افريقي جديد ولاسيما في النيجر وكوت ديفوار وبوركينافاسو،المؤكد ان قوى المعارضة في دولة مالي في امتحان سياسي وطني واقليمي كبير سيما في قدرتها على خلق ميزان قوى بينها وبين قوى الجيش التي تسير الازمة في مالي .

متابعة الدكتور فاروق طيفور

مقالات متشابهة