29 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
مساهمات

أتوقع عدم لجوء المجموعة الإسبانية “ناتورجي إنرجي” إلى التحكيم أصلا

قضية “ناتورجي إنرجي” مع سوناطراك :

 

بقلم : مهماه بوزيان خبير في الشؤون الطاقوية

 

أصبح برميل خام النفط انشغالا مواطنيّا ملازماً لتفكيرنا في جائحة كورونا ضمن ثنايا يومياتنا، لكن ماذا عن أزمة الغاز؟ وتحديدا بالنسبة للجزائر، خاصة بعد الخبر الذي نشرته جريدة “سينكو ديياس” الإسبانية، الملحقة بيومية “الباييس” يوم الإثنين 18 ماي الجاري، والذي مفاده عزم مجلس إدارة المجموعة الإسبانية “ناتورجي إنرجي” التوجه نحو التحكيم الدولي لتجميد العقد طويل الأجل الذي يربطها مع سوناطراك، والذي بموجبه تتزود اسبانيا بـ 8 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري عبر الأنبوبين العابرين للمتوسط، متحججة برفض سوناطراك مراجعة السعر المحدد بـ 4 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية(BTU)  في ظل تهاوي الأسعار عالميا ؟

بداية نحن متفقون على وجود أزمة كبيرة في أسواق الغاز، بحكم الكميات المهولة من حجوم الغاز المتاحة التي تتخطى كثيرا مستويات الطلب، بما أدى إلى انخفاض أسعار المليون وحدة حرارية من الغاز إلى مستوى 1,5 دولار في بداية شهر أفريل من هذه السنة، وهو أدنى مستوى لها. كما أننا نعتبر هذه الفترة هي فترة الذروة السفلى للدالة الموجية لأسعار الغاز في الأسواق العالمية، والتي نتوقع أن تشهد صعودا متجهة إلى الذروة العليا في آفاق 2025. ونحن نعتقد بفرصة هذا الصعود لأننا ندرك بأن الغاز لديه أفضل آفاق النمو في منظومة الطاقة الأحفورية، وهو يمثل “وقود التجسير أي وقود المعبر السلس” للانتقال الطاقوي إلى منظومة منخفضة “كثافة الكربون”، وكان هذا التقدير قائما فعليا لدى شركات النفط والغاز في العالم، بما جعلها تستعد للإنفاق بشكل كبير لتطوير منظومة الغاز (تقليدي وغير تقليدي) خلال هذا العقد، وكانت توقعات انتعاش أسعار الغاز تُشير إلى سنتي 2022-2023، لكن جائحة كورونا تسببت في تحطيم أسواق الطاقة ككل، وتسببت في بطء الحركة في غضون هذا العام 2020 وما يليه، لذلك المشكلة لا تخص الجزائر بمفردها، فهي أزمة عالمية معقدة و ممتدة ومتشابكة في العديد من عناصرها.

أما بالنسبة لموضوع الغاز الجزائري المورد إلى اسبانيا، فدعونا بداية نستعرض طبيعة الظرف الحالي الذي اصطبغ بإنخفاض في أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا و أوروبا بنسبة 80 % تقريبًا في 15 شهرًا، كما انخفض “هنري هاب” إلى النصف، ولم تنجو السوق ككل من فعل “تأثير الدومينو”، لقد كانت السوق تعاني من زيادة في المعروض حتى خلال فترة شتاء هذا العام (2019-2020) الذي كان دافئا، فبقيت مرافق التخزين ممتلئة، ثم جاءت جائحة الفيروس التاجي (كوفيد-19)، لتخنق الأسعار وتهوي بها بسرعة إلى درجة انصهار أسعار خام النفط بسبب تأثيرات سلسلة عمليات الإغلاق والحجر العالمي الشامل، رغم أن الطلب على الغاز بقي مرنًا إلى حد ما، وهو ما يعكس الاستقرار الذي شهدته بعض القطاعات الكبيرة المستهلكة للغاز، مثل التدفئة السكنية وإنتاج الكهرباء، مع العلم أن البؤرة العالمية لكوفيد-19 قد بدأت في منطقة يوهان الصينية، ومن هناك بدأت حالة الإغلاق الإجتماعية وللنشاطات الإقتصادية والانتاجية  ولحركة النقل وللواردات من الخامات نفطا وغازا، و مع تراجع الطلب الصيني على الغاز، فكانت أوروبا ملاذا لتفريغ شحنات الغاز، قبل أن تبدأ موجة الحجر والإغلاقات، لكن مع تمدد أثر الدومينو وتفشي الجائحة في الفضاء الأوروبي وصولا إلى الإغلاق التام في (اسبانيا، ايطاليا، فرنسا، ..) وتراجع الطلب على الموارد الطاقوية نفطا وغازا، حيث وصلت المخزونات الى حالة التخمة الخانقة، لذلك يمكننا القول أن “الفضاء الأوروبي” تعرض إلى فعل “تهديمي للطلب” مزدوج (طوفان النفط والغاز على سواحلها هذا الأمر المتراكب مع دخولها في حالة الإغلاق)، هذا ما دفع بأسعار الغاز إلى  دخولها في دورة “اكتئاب” انعكست على اجراءات وتصرفات عديد قادة المشهد الطاقوي في العالم اليوم.

لذلك أعتقد بأن ما عبرته عنه المجموعة الإسبانية “ناتورجي إنرجي” هو صرخة ألم، لكنها بكل تأكيد ليست الجزائر أو سوناطراك المتسببة فيها، فهي صرخة تألم تجاه التداعيات الاقتصادية الوخيمة لأزمة جائحة كورونا على الإقتصاد الإسباني ككل، وعلى وضعية المجموعة الإسبانية “ناتورجي إنرجي” التي تراجعت أرباحها كثيرا خلال الربع الأول من هذه السنة، في ظل انكمش الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الإسباني، الذي يعدّ رابع أكبر اقتصادات منطقة اليورو، بأكثر من 5 % خلال الربع الأول من هذا العام. لكن على الشركاء الإسبان الإدراك جيدا كذلك بأنه تبعاً لهذه الظرفية فإن الدول المنتجة لخامات الطاقات هي المتضرر الأكبر من هذا الوضع بحكم تراجع مداخيلها بشكل مريع بما هدد خططها التنموية التي تستهدف التكفل بمطالب مواطني الدول المنتجة للنفط والغاز.

أنا في اعتقادي بأن ما يثار من نقاط خلافية بين المجموعة الإسبانية “ناتورجي إنرجي” والشركة الوطنية سوناطراك لن تدفع الطرف الإسباني للتوجه إلى التحكيم أصلا، في تقديري، على الأقل، لن يكون هناك حديث فعلي عن “اللجوء إلى التحكيم” في الوقت الحالي وقبل نهاية فصل الصيف، لإدراكي بأن الطرف الإسباني يبحث على فرقعة إعلامية يمارس من خلالها الضغط على الطرف الجزائري، ولنستحضر هنا فقط قضية توتال الفرنسية وكيف تمّت تغذيتها إعلاميا بما شكل كابوسا حقيقيا للرأي العام الوطني، ثم لنتذكر كيف انتهت كمكسب جزائري متميز وانتصاراً باهراً وغير متوقع لدى العديد من الجهات والخبراء والمحللين، كذلك أنظر لهذا المسألة المستجدة إعلامية، وهذا للإعتبارات التالية :

أولا، وجود عقد وقعته شركة “ناتورجي إنرجي” الإسبانية مع سوناطراك لمدة 10 سنوات يمتد إلى غاية سنة 2030، يتم بموجبه توريد كميات من الغاز إلى اسبانيا تقدر بـ 8 مليارات متر مكعب سنويا في إطار تجديد عقود توريد الغاز مع مختلف الشركاء الأوروبيين، وهي عقود تقوم على قاعدة موجبة للإمتثال لبند متفق عليه والمتمثل في “استلم أو أدفع” «Take or Pay».

ثانيا، هذه العقود تسمح بإجراء مراجعة اضافية، خاصة فيما يتعلق بالأسعار المرجعية المتعاقد حولها، وهي في الغالب مراجعات عادية تتم كلّ ثلاث (3) سنوات، ونحن الآن لم نتخط بعد حتى العام الأول من حياة تجديد العقد، لذلك ليس من السهل اللجوء لمراجعته بهذه السرعة، وبشكل جذري أشهرا معدودة بعد إمضائه،

ثالثا، في العشرية الأولى من شهر مارس، ومع بداية تفجر وضع جائحة كورونا وتمددها في اسبانيا، جرى التوقيع على إتفاقية بين شركة سوناطراك والشركة الإسبانية للغاز “ناتورجي”، يقضي باستثمار قدره 67 مليون أورو في الجزائر، مما سيسمح برفع صادرات الجزائر نحو إسبانيا بـ 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا بداية من سنة 2021 مع استهداف الوصول إلى 16 مليار متر مكعب سنويا سنة 2031،

رابعا، منذ أسابيع قليلة فقط، تمكنت الشركة الوطنية سوناطراك و المجموعة “ناتورجي إنرجي” الإسبانية التوصل إلى اتمام الصفقة التي جرى الإتفاق حولها في شهر اكتوبر من السنة الماضية 2020، والتي بموجبها ترتفع نسبة المساهمات لتصبح حصة سوناطراك 51 في المائة، بينما ستملك ناتورجي الحصة المتبقية البالغة 49 في المائة في خط أنبوب “ميدغاز” الذي ينقل الغاز الطبيعي من الجزائر إلى إسبانيا. وستدفع ناتورجي الإسبانية قيمة 445 مليون يورو مقابل الإستحواذ على حصة الـ 34 في المائة التي كان يحوز عليها الشريك السابق الذي خرج من العقد،

خامسا، إسبانيا كدولة، أو شركتها “ناتورجي إنرجي” كمؤسسات طاقوية، لن تجازف بمنتهى البساطة للتفريط في آمنها الطاقوي وفي استدامة الإمدادات، خاصة وأن “أمن الطاقة” بالنسبة لفضاء الإتحاد الأوروبي، اتجه في توسعة مفهومه ليقوم على تصور استراتيجي يتوخى “الحصول على موارد طاقوية كافية ومتنوعة وسهلة الوصول أو الحصول عليها لاستخدامها في حينها عند الحاجة وبأسعار معقولة ، وغير ملوثة وغير مكلفة ماديا أو صحيّا وبأكثر الطرق مرونة وأمناً واستدامة”، من هذا المنظور أدرك بأن شركائنا الإسبان هم يقدّرون جيدا الفرص الإستراتيجية لإستدامة أمنهم الطاقوي التي يوفرها لهم الأنبوبان الغازيان العابران للمتوسط، كون الإمدادات تصلهم من الجنوب الجزائري وبالكميات التي يرغبون فيها في أقل من 24 ساعة، بينما في حالة مجازفتهم لإدارة ظهرهم لهذا الخيار الآمن والمستدام، فإن أحسن فرصة متاحة لهم ستأتي من الغاز المسال النيجيري الذي يستغرق وصوله إلى السواحل الإسبانية من سبعة (7) إلى (9) أيام بالتمام . وعلى الإسبان الآن الخيار بين ضمان أمنهم الطاقوي أو توفير دراهم معدودة من فارق الأسعار الذي يقلقهم، هذا الفارق الذي هو أعلى بقليل من نصف مليار دولار سنويا بالنسبة للإمدادات الغازية الجزائرية ..!! وكذلك الأمر بالنسبة للأوروبيين ككل، أنا من خلال إدراكي لطبيعة الوضع، ولتطورات أسواق الغاز، أجزم بأن حالة الهلع ينبغي لها أن تغير معسكرها، فليس نحن الجزائريون من ينبغي لهم أن يصابوا بالهلع والتشاؤم، بل الإسبان هم من ينبغي عليهم أن يسكنهم الخوف حول مستقبل أمنهم الطاقوي، في حالة لجوئهم إلى خيارات طاقوية خاطئة تحكمها الظرفية، هذا ما يقول به المنطق السليم،

سادسا، الغاز الطبيعي يقبع في مركز المنظومة الأوروبية للإنتقال الطاقوي الآمان والسلس نحو منظومة نظيفة أكثر نقاء من الكربون، وفي كلّ البدائل الطاقوبة القائمة على إمدادات الغاز نجد الغاز الجزائري هو الأفضل لدول الجوار الأوروبية، وهذا ليس بحكم منظور الوطنية، بل هذا التقدير يستند إلى معطيات تقنية طاقوية واقتصادية يدركها جيدا مختلف شركاء الجزائر،

سابعا، لا يمكن للطرف الإسباني أن يجازف بالتوجه إلى التحكيم مرة أخرى، ليُعيد تكرار تجربة الخسارة التي مُني بها في قضية تحكيم سابقة بسبب أسعار عقود الغاز الطبيعي خلال الفترة ما بين (2007-2010)، حين أجبرت الشركة الإسبانية (غاز ناتورال فنوسا) على دفع مبلغ ما يقارب 2 مليار دولار لصالح الطرف الجزائري. الطرف الإسباني يدرك جيدا بأن خيار التوجه إلى التحكيم ليس دائمًا سهلاً، مهما كانت قوة مكاتب المحاماة التي تتولى القضية وشهرتها،

تبعاً لكل هذا، سيكون سبيل المفاوضات، حتى وإن كانت معقدة، هو الخيار الأمثل للجميع. أعتقد جازما، بناءً على استحضار روح الدبلوماسية الجزائرية في أبعادها السياسية والإقتصادية والطاقوية، فإن الجزائر سترحب بأية دعوة للتفاوض الذي يستحضر قيم الديبلوماسية الجزائرية القائمة على فضائل التفاهم المستوعب للمصالح المشتركة والتفهم لصالح ترقيتها وكذا الثقة المتبادلة والموثوقية و روح الإلتزام العميق الذي تتحلى به الجزائر دوما و المشهودا لها بذلك، بغية الوصول في نهاية المطاف إلى صيغة متوازنة تحفظ حقوق ومصالح الجميع، خاصة الطرف الجزائري المتضرر من تراجع تاريخي وقياسي في أسعار النفط، وكذلك أهمية تثمين الطرف الاسباني لشراكة استراتيجية تمتد على مدى 50 سنة كاملة، فلا يمكن بأي حال من الأحول تصور التفريط في هذه الشراكة الاستراتيجية التي عمّرت نصف قرن من التعاون المشترك.

لذلك أجد أنه لا يمكن لأي مدرك لحقيقة مسائل العلاقات الطاقوية أن يتصور، ببساطة، جرّ كلّ هذا الكيان التجاري وهذا التحالف الاستراتيجي بين الشركة الوطنية سوناطراك و المجموعة الإسبانية “ناتورجي إنرجي” إلى التحكيم، لمجرد خلاف عابر حول الأسعار ولوجود بدائل ظرفية، خلقتها ظروف استثنائيا لن تستمر طويلا، فالغاز المسال الأمريكي في رأي العارفين هو يمثل امدادات زئبقية لا يمكن ضبطها، فحاملاته العائمة ستنساب إلى حيث تريد، ممكن أن هذا الغاز الأميركي يمثل بديلا رخيصا جاهزا في الوقت الحالي بحكم سعره الذي هو أقل من دولارين لكل مليون وحدة حرارية، لكن حينما تعود آلة الطلب لـ “منطقة شرق آسيا” لشراهتها الطاقوية وللطلب بأقصى طاقتها سيعاني حينها كلّ أوروبي يراهن على هذا الغاز الأمريكي المتطاير والمنزلق.

مقالات متشابهة