12 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

قليل في أعيننا كثير في عين غيرنا

في الزاوية القريبة من سوق “كلوزيل” بقلب الجزائر العاصمة، وقفت امرأة تجاوزت العقد السادس أمام مفرغة الحيّ، تبحث عن بقايا طعام، وخضر، وخبز بائت على أمل أن تجد ما يسدّ رمقها، غير منتبهة للمارّة، ولا لعيونهم التي رمقتها وهي تفتش بين كومة الفضلات، تفرغ إحدى الأكياس علها تجد ضالتها، في غفلة من القطط التي تحوم حول المكان.

بعد جهد جهيد، وصبر طويل، تمكّنت تلك السيدة من العثور على ما أفرح قلبها، بل وابتسمت ابتسامة عريضة وكأنها عثرت على كنز: “القليل من السلطة الورقية الخضراء وحبات طماطم وكثير من الخبز بكل أنواعه”، إنه فعلا كنز في عينها، ملأت كيسين أسودين في يديها، وهو ما تيسر لها في يومها.

بلباس رثّ بدت المرأة أنها متعودة على المكان، لقُربه من مصدر الرزق الذي تجود به عليها أيادي تجار الخضر والفواكه، وحميمية المكان الذي يقع في قلب عاصمة البلد.

مفارقة أولى

صورة تتكرّر يوميا، فمن منّا من لم تصادفه امرأة أو رجل يبحث عن شيء ما في القُمامة؟ رغم أنّها مشاهد دخيلة على المجتمع الجزائري، حيث أشاحت الأزمة الاقتصادية والفقر المستتِر عن حقيقتها، وبدأت تداعياتها تلقي ظلالها على جيوب الجزائريين، خاصة أن الأرقام الرسمية تشير إلى أكثر من 8 ملايين جزائري يعيشون في مناطق الفقر، وهنا نستحضر جملة واحدة أن “الجوع كافر” وأن لكلّ شخص ظروف تجعله يدسّ يده في القمامة ولا يطلُب من النّاس حاجته.

الملفِت للانتباه، أننا نشاهد يوميا الهبّة الشعبية في تجهيز مطاعم الرّحمة، ونشاط قويّ لجمعيات المجتمع المدني في توفير قفة رمضان، وتحفيزات كبرى على مستوى الفعل الخيري، وتعزيز التكافل الاجتماعي والتضامن مع العائلات الفقيرة، ملامحها تؤسس لصلة وتراحم المجتمع، بينما السؤال الذي ظل عالقا: كيف نجد تفسير للظاهرة أعلاه، والتي باتت توثّقها بأكثر حدّة وسائل التواصل الاجتماعي، وبدرجة ثانية عبر صور متحركة في وسائل الإعلام الثقيل؟

كيف نجد تفسيرا لحالات العائلات التي لم تر النّور بعد في عديد المناطق؟، إذ تعيش تحت خطّ الفقر، بل وتقتات على الحشيش والخبز اليابس والماء فقط وخاصة في المناطق التي وُسِمَت إعلاميا بمناطق الظِلّ”؟

مُفارقة ثانية

الأكثر ظُلما من الناحية الاجتماعية، مشاهد رمي أطنان من الخبز في القمامة، في مفارقة عجيبة، تسلّلت شيئا فشيئا إلى يومياتنا، وباتت ديكورا يحيط بحاويات القمامة، توحي بأن الجزائري لا يراهن على التحكم في مصاريفه اليومية من خلال ضبط ميزانية العيش، وتفادي التبذير الذي يعد أحد أوجه يومياتنا، في المقابل من ذلك نلاحظ أن الخبز الذي يُرمى في سلّة المهملات يعادل عدد سكان دولة كاملة بعملية حسابية بسيطة، وهي النقطة التي وجب البحث فيها، فهل التبذير كلمة غائبة عن قاموس المجتمع، أم أن ثقافة الاستهلاك سيطرت على الذهنية الجزائرية ترجمته جملة شعبية مفادها أن “الجزائري يأكل بعينيه” وفعلا قد تشبع العين قبل البطن، غير أن كل هذه المفارقات توحي أنّ القليل بالنّسبة لنا يعني الكثير لغيرنا.

 

فتيحة زماموش

مقالات متشابهة