2 يوليو، 2020
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

  القوّة القاهرة وأثرها على التّشريع والقضــــاء:فيروس “كوفــيــد ـ 19” نـمــوذجا

  • بقلم : عبـــــــــد الرشيـــــــــد طبّــــــــــــــــي/ الرئيس الأول للمحكمة العليا

مـــــقـــــدّمــــــــة :

عرف العالم منذ أواخر شهر ديسمبر من سنة 2019، حدثا صحيّا غير مسبوق، تمثل في ظهور فيروس كورونا “كوفيد ـ19” في مدينة ووهان الصينية، لينتشر بعدها في كل بقاع العالم، مخلّفا أكثر من مليونين ونصف مليون إصابة ووفاة مئات الآلاف من الأشخاص.

والجزائر كغيرها من هذه الدول لم تنجو من هذه “الجائحة”، التي تسبّبت في إصابة الآلاف من الجزائريين، ووفاة المئات منهم.

إنّ الانتشار السّريع لهذا الفيروس وسهولة انتقاله أحدث حالة من الهلع، خاصة في ظل انعدام وجود دواء أو لقاح متاح مخصّص له في الوقت الراهن، ما عدا بعض الأدوية المخصّصة لأمراض أخرى تم الاستعانة بها كبديل للعلاج إلى غاية اكتشاف الدواء     أو اللقاح، إلى جانب هذا قامت كل الدّول باتخاذ مجموعة من التدابير الصحيّة، منها توعية الساكنة بخطر هذا الفيــــروس وطرق الوقاية منه، غلق المطـــارات والموانئ والمنافذ الحدودية وتوقيف جميع الرحلات التجارية، عزل المصابيــن وفرض حجر صحي منزلي كلّي أو جزئي، حسب ما يراه الخبراء مناسبا لكل منطقة.

إنّ حالة الطوارئ الصحيّة التي تسبّب فيها فيروس “كوفيد ـ 19″، جعل العالم شبه مشلول، فلا دراســـة ولا عمـــل ولا لقاءات ولا صلوات في المساجـــــد مع تباعد اجتماعي صارم وفرض الالتزام بعادات جديدة، اقتصاد مهـــدّد، ناهيك عن الآثار التي خلّفها هذا الفيروس على التعامــلات المدنيّـــة والتجاريـــّة ومختلف الالتزامات التعاقديّة، سواء الوطنيّة أوالدوليّة، دون أن ننسى الآثار التي مست القضاء، والتي ظهرت من خلال التوقّف المحسوس للعمل القضائي، وفرض الحجر الصحّي على المواطنين ومنع تنقلهم في بعض مناطق الوطن، وهذا ما يطرح التساؤل، هل أثر كل ذلك على مسألة المواعيد القانونية وإشكالية سقوط الحق؟

سأحاول أن أتطرق لإشكالية تطابق نظرية القوة القاهرة على آثار جائحة كورونا”كوفيد ـ 19” وأثر ذلك على التشريع والقضاء. سأستعرض قبل ذلك مختلف التدابير التنظيمية التي اتخذتها السلطات العمومية لمواجهة هذا الوباء، لأعرج على ضوء هذه التدابير، على مناقشة إشكالية “مدى اعتبار جائحة كورونا كقوة قاهرة، وآثار ذلك على العمل القضائي”.

التدابير التنظيمية لمواجهة فيروس كورونا

يعدّ قطاع العدالة من القطاعات التي تعرف استقطابا كبيرا للجمهور بسبب الخدمات المختلفة التي يقدّمها لمرتادي هذا المرفق (تسليم صحيفة السوابق القضائية أو شهادة الجنسية، استصدار مختلف الأوامر، تسجيل الدعاوى، تسجيل الطعون، سحـــب الأحكام  والقرارات القضائية …إلخ)، أو من خلال القضايا التي تفصل فيها المحاكم العادية والإدارية والمجالس القضائية والمحكمة العليا ومجلس الدولة، وبالتالي لنا أن نتصوّر العدد الكبير من المواطنين ومساعدي القضاء الذين يرتادون يوميا الجهات القضائية، لذا كان لزاما أن يواكب قطاع القضاء هذه المستجدات، ويتّخذ مجموعة من التّدابير التي ترمي للوقاية من انتشار هذا الفيروس، بحيث تمّ إصدار مذكرات وزارية ترمي لتوقيف جلسات محكمة الجنايات، كما تم توقيف جلسات الجنح بالمحاكم والمجالس القضائية، باستثناء تلك المتعلقة بالموقوفين، التي تجري دون حضور الجمهور، عن طريق تقنية المحاكمة عن بعد متى أمكن ذلك، وتوقيف عمليات استخراج المحبوسين من المؤسسات العقابية إلا في حالات الضرورة القصوى المرتبطة بالحبس المؤقت، وعقلنة اللجوء إلى إجراءات المثول الفوري من طرف وكلاء الجمهورية، والاقتصار بشأن التقديمات على الأشخاص الموضوعين تحت النظر دون غيرهم، والتأجيل المؤقت لتنفيذ الأحكام السالبة للحرية للأشخاص الموجودين في حالة الإفراج، كما تم أيضا توقيف الجلسات المدنية والإدارية، ما عدا القضايا الاستعجالية.

كما تم إقرار مجموعة من التدابير الوقائية التي تخصّ المؤسسات العقابية، كتعليق الزيارات العائلية للمحبوسين مع ضمان إعلام أهاليهم. أما بالنسبة لزيارة المحامين فهي تتمّ عن طريق فاصل باستعمال قاعة المحادثة، إلى جانب تعليق العمل مؤقتا بأنظمة الحرية النصفية وإجازة الخروج والورشات الخارجية.

وبالإضافة لكل هذا أقرّت السلطات العمومية تدابير استعجالية أخرى، ظهرت من خلال تعديل قانون العقوبات من أجل تجريم مختلف الظواهر السلبية التي انتشرت بكثرة منذ تفشي هذا الوباء ولم تكن مجرّمة من قبل، مثل تجريم تعريض حياة الآخرين     وسلامتهم الجسدية للخطر، تجريم نشر الأخبار الكاذبة التي تمسّ بالأمــــن والنظــــــام العموميين، وتشديد الغرامات الخاصة بمخالفة الأنظمة واللوائح الصادرة عن السلطات الإدارية وردعها الفوري.

إنّ كل هذه التدابير تجعلنا أمام وضع استثنائي غير مألوف، وهذا ما يجعلنا نتساءل:

هل نحن أمـــــام قـــــوة قاهــــــرة؟ وإذا كانت كذلك ما هي آثارها؟

هـــــــل يعتبر فيروس كورونا كوفيـــــــدـ 19قـــــــوّة قاهــــــــرة؟

تعـــــريف القــــــوّة القاهـــــــــرة:

لم يعرّف المشرّع الجزائري القوّة القاهرة، بل أشار إليها في صلب القانون المدني كسبب معفي من المسؤولية، مثل المواد 127،138، 851…إلخ. كما أشار إليها قانون الإجراءات المدنية والإدارية في المادة 322 منه كاستثناء لسقوط الحق أو سقوط حق الطعن بسبب عدم احترام الآجال المقررة في القانون       من أجل ممارسة حق أو من أجل حق الطعن، في حين عرّفها المشرّع المغربي في قانون الالتزامات والعقود على أنها كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية، الفيضانات والجفاف والعواصف         والحرائق والجرا، وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا. ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة، الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقدم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه.

أما المشرّع التونسي، فقد عرفها في مجلة الالتزامات والعقود، على أنها الحالة التي لا يتيسر معها الوفاء بالعقود، أي كل ما لا يستطيع الإنسان دفعه كالحوادث الطبيعية من فيضان وزوابع وحريق وجراد أوغزو أجنبي أو فعل الأمير (فعل السلطة العامة). ولا يعتبر السبب الممكن اجتنابه قوة قاهرة إلا إذا أثبت المدين أنه استعمل كل الحزم في درئه.

كما عرّفها المشرع الفرنسي على أن القوة القاهرة في المجال التعاقدي، تكون عندما يحدث سبب خارج عن إرادة المدين لم يتم توقعه عند إبرام العقد ولا يمكن درءه بوسائل ملائمة، ويمنع من تنفيذ الإلتزام من طرف المدين.

وبالتالي، فإن القوة القاهرة هي كل حادث لم يكن متوقعا ولا يد للشخــــص فيـــه ولا يمكن درءه، بحيث يجعل من تنفيذ الالتزام مستحيلا.

 الفــــرق بين القوة القاهـــرة والظروف الطارئة:

تختلف القوة القاهرة عن الظروف الطارئة التي نصّ عليها المشرع في المادة 107 من القانون المدني، رغم أن كلاهما يعتبران من صور السبب الأجنبي: من حيث التأثير على تنفيذ الالتزام ودور القاضي في ذلك:

الظرف الطارئ ينجرّ عنه إرهاق المدين في تنفيذ التزامه، مما يجعل من تدخّل القاضي مهمّا لردّ هذا الالتزام للحد المعقول، وبالتالي يتمّ في هذه الحالة توزيع عبء الظرف الطارئ بين الدائن والمدين، في حين تجعل القوة القاهرة تنفيذ الالتزام مستحيلا تماما.

الارتبـــــاط بالنظـــــام العــــــام:

أحكام الظروف الطارئة من النظام العـــام لا يجوز الاتفاق على مخالفتهـــا، وهذا مــــــــــا يستشف من المادة 107 من القانون المدني، التي نصت على اعتبار كل اتفاق على خلاف ذلك باطلا، في حين أنه بالنسبة للقوة القاهرة يجوز للأطراف الاتفاق مسبقا على تحمل المدين تبعاتها، وهذا ما يستشف من المادة 178 من القانون نفسه.

 أثـــــر القــــوّة القاهـــــرة على المواعيد الإجرائية:

لم يتدخل المشرّع الجزائري لوقف المواعيد الإجرائية المنصوص عليها في مختلف القوانين على عكس تشريعات مقارنة، مثل المشرع الفرنسي الذي أصدر قانون الطوارئ رقم 2020/290، المؤرخ في 23 /03 /2020 لمواجهة فيروس كورونا “كوفيدـ 19″، الذي تلاه صدور الأمر رقم 2020/303، المؤرخ في 25 /03 /2020 المتضمن تكييف قواعد الإجراءات الجزائية على أساس قانون الطوارئ السالف ذكره، حيث تم تكييف مختلف المواعيد بما يتناسب والوضعية الصحية التي تعيشها فرنسا، وتم مثلا توقيف آجال تقادم الدعوى العمومية وتقادم العقوبة، كما ضاعف آجـــال الطعـــــن، وسمح بإرسال مختلف المذكرات بموجب رسالة موصى عليها مع العلم بالوصول، كما سمح بإجراء استئناف أو طعن بالنقض عن طريق البريد الالكتروني المخصّص لهذا الغرض، واللجوء لتقنية المحادثة المرئية دون شرط الموافقة المسبقة.

كما اعتبر  القضاء الفرنسي في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بكولمار COLMAR، بتاريخ 12 /03 /2020، أن استحالة حضور المستأنف للجلسة لاحتمال إصابته بفيروس كورونا يعتبر قوة قاهرة يسمح بغيابه.

وبدوره، قام المشرّع المغربي بإصدار مرسوم مؤرخ في 23 /03 /2020 يتعلق بسنّ أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، الذي نصّ في مادته السادسة على وقف سريان مفعول جميع الإجراءات المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها، واستئناف حسابها من اليوم الموالي ليوم رفع حالة الطوارئ المذكورة.

أما في تونس، فقد تدخّل المجلس الأعلى للقضاء بمذكرة مؤرخة في 15 /03 /2020، اعتبر فيها أن الوضع الصحي الاستثنائي الذي تمر به البلاد بسبب فيروس كورونا يدعو إلى اعتبار هذا الوضع الصحي العام من قبيل القوة القاهرة.

وقد تدخلت محكمة التعقيب التونسية من خلال الاجتهاد القضائي للأخذ بالقوة القاهرة في المرافعات المدنية والتجارية على أساس التكامل بين الإجراءات المدنية والإجراءات الجزائية ضمانا للمحاكمة العادلة.

وفي الجزائر ولعدم وجود نصّ قانوني خاص يواكب الوضع الصحي العام ويوقف سريان المواعيد الإجرائية، فإن حل الإشكال يكون بتفعيل المادة 322 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي نصّت صراحة على أنّ كل الآجال المقررة في هذا القانون من أجل ممارسة حق، أو من أجل حق الطعن، يترتب على عدم مراعاتها سقوط الحق، أو سقوط ممارسة حق الطعن، باستثناء حالة القوة القاهرة أو وقوع أحداث من شأنها التأثير  في السير العادي لمرفق العدالة.

وقد نصت هذه المادة على كيفية تفعيل هذه الآلية عن طريق تقديم طلب رفع السقوط إلى رئيس الجهة القضائية المعروض أمامها النزاع، يفصل فيه بموجب أمر على عريضة غير قابل لأي طعن، وذلك بحضور الخصوم  أو بعد صحة تكليفهم بالحضور.

نستخلـــــص ما يلي:

– تقدير القوة القاهرة كسبب يعفي من سقوط ممارسة الحق أو من سقوط حق الطعـــن غير متروك لقاضي الموضوع، بل لرئيس الجهة القضائية المطروح أمامه النزاع.

يتم إقرار القوة القاهرة بموجب أمر على عريضة بشرط توفر الوجاهية، أي حضور الخصوم أ تكليفهم بالحضور تكليفا صحيحا، وهذا استثناء على المبدأ العام للأوامر  على العرائض التي تصدر بدون وجاهية. ومن هنا، يفهم أنه على المعني اللجوء لاستصدار هذا الأمر قبل ممارسة الحق أو ممارسة الطعن، وهذا ما أقرته المحكمة العليا في القرار الصادر عن الغرفة التجارية والبحرية بتاريخ 07 /11 /2013 (ملف رقم 0896358)، بحيث اشترطت إثبات القوة القاهرة، ثم استصدار أمر على عريضة طبقا للمادة 322 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وما دام الطاعن لم يقم بهذا الإجراء فقد قضي برفض طعنه في القرار الصادر عن مجلس قضاء تيزي وزو، المؤرخ في 20 /05 /2012 الذي قضى بعدم قبول المعارضة لورودها خارج الآجال القانونية.

تقدير القوة القاهرة غير خاضع لرقابة جهتي الاستئناف والنقض، لأن إقرارها يتم بأمر على عريضة غير قابل لأي طعن.

وبالتالي يطرح التساؤل: كيف يتم إثبات القوة القاهرة؟

       يجب على صاحب الطلب إثبات القوة القاهرة أمام رئيس الجهة القضائية المختص بمختلف الوسائل المتاحة، وفي حالة فيروس كورونا، يمكن للطالب تقديم شهادة طبية تثبت إصابته بالوباء مثلا، أو الاستناد لمراسيم الحجر المنزلي الصحي الصادرة عن الحكومة أو إرفاق القرارات الصادرة عن الإدارة الرامية لاتخاذ التدابير الوقائية بسبب                   هذا الفيـــــــروس، وإثبات أن سبب عدم ممارسة الإجراء محل السقوط كان خارجا عن إرادته بسبب استحالة تنقله للجهة القضائية بسبب الحجر الكلي الذي منعه من التنقل.

ومهما يكن من أمر، فإنه على رئيس الجهة القضائية المختص دراسة الوضعيات المعروضة عليه حالة بحالة، وتقدير مدى مطابقة القوة القاهرة على كل حالة، لإقرار عدم سقوط حق الطالب أو عدم سقوط حقه في الطعن أو رفض الطلب، إذا لم تتوفر الشروط المطلوبة كتقاعس الطالب مثلا أو كسله عن ممارسة الطعن أو ممارسة إجراء ما رغم أن ذلك كان ممكنا (في المناطق التي لم يمسّها الوباء مثلا).

في حالة قبول رئيس الجهة القضائية لطلب المعني، يتم تقديم الأمر الصادر عنه أمام قاضي الموضوع، الذي يقضي بقبول الإجـــــــراء الذي ورد خارج الآجال القانونيـــــــة.

 أثــــر فيروس كورونا كمثال للقوة القاهرة على التشــــــريع:

 إذا كان المشرع الجزائري كما سلف ذكره، لم يتدخل بوضوح تماشيا مع الوضع الصحي العام، الذي شهدته بلادنا والعالم ككل، بسبب تفشي وباء “كوفيد ـ 19” على عكس تشريعات مقارنة، فإن التجربة التي تمرّ بها بلادنا تستدعي أخذ العبرة وتكييف القوانين لتكون مناسبة للتصدي لأحداث مشابهة، كضرورة مراجعة قانون عصرنة العدالة بطريقة تجعل من اللجوء للمحاكمة عن بعد دون اشتراط موافقة المعني في حالة القوة القاهرة، التي تجعل من عملية استخراج المحبوسين غير ممكنة.

كما أن سنّ مواد قانونية واضحة من شأنها أن تنصّ صراحة على قطع المواعيد في حالة القوة القاهرة الناتجة عن تفشي وباء خطير سهل الانتشار من إعلان السلطات المختصة حالة الطوارئ الصحية أو فرض الحجر يسمح بمعالجة هذه المسألة بوضوح بعيدا عن كل تأويلات أو اجتهادات.

إن تفعيل أحكام المادة 322 من “ق إ م إ” يبقى هو السبيل الوحيد للمحافظة على حقوق المتقاضين، وإذا كان من السهل إثبات القوة القاهرة لوجود مراسيم الحجر الصحي المذكورة، فإن إجراءات ممارسة هذه الحقوق حسب أحكام هذه المادة سيطرح ـ لا محالة ـ عدة إشكاليات من الناحية العملية ينبغي على القضاء التكفل بها من خلال الاجتهادات القضائية.

مقالات متشابهة