29 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

رمضانيات مهاجر : الغربة والأعراس

رمضانيات مهاجر
الغربة والأعراس

ربما مع نسائم اقتراب عيد الفطر المبارك تذكرت الكثير من الأفراح والأعراس التي فاتتني.. وهذه من أغلى الضرائب التي يدفعها المغترب أن لا يشهد عرس قريب أو صديق أو جار، فشخصيا لم أتشرف بحضور أي عرس من أعراس الأصدقاء، وهذا في حقيقة الأمر مما يحز في نفسي كثيرا، فصداقات الطفولة لا بد أن تتوج بفرحة يوم أعراسهم ومشاركتهم سعادتهم..هكذا كنا نتمنى ونأمل ونتواعد يوم كنا صغارا دون إدراك منا لقيمة ما كنا نحلم.
والغربة كما قلت، وبسبب البعد واختلاف برامج العطل السنوية التي كنت أفضلها في فصل الربيع وعادة الجزائريين إقامة أعراسهم في فصل الصيف، فوّت عليّ حضور الكثير من الأعراس، وحتى أعراس بعض أفراد العائلة.
لكن عرسا لم ولن أنساه أبدا، كان هنا في السويد، عرس ابنة أحد الأصدقاء ممن أكن له احتراما كبيرا وتقديرا خاصا، كان هناك العديد من الحضور، معزومون حضروا حتى من الجزائر وفرنسا وكندا، كانت فرصة ومناسبة لتعويض كل ما فاتني من أعراس وأفراح هكذا فكرت.
وحضور عرس صديق يزوج ابنته في دار الغربة بالنسبة لي سعادة لا توصف، لا بد أن أشارك فيها بكل مشاعري وجوارحي، وأبدي قدر الإمكان ما أقدر عليه من التبريكات والفرح والسرور والحمد والشكر، لأنه من فضل الله فقط ودعوات الصالحين أن يُكرّم الله عبده بأن يزوج ابنته من مسلم خاصة من جزائري، ويشهد هو والعائلتين وكل الأصدقاء هذا العرس.
بدأت الحفلة رتيبة كعادة حفلات الإسلاميين عموما -فالعديد منهم كان مدعوا لهذه الحفلة- يقولون الشعر، ونكتا من الزمن القديم، وكلمات مكررة أكل عليها الدهر وشرب… كنت أشعر وكأننا في مؤتمر من أجل تعيين رئيس لحركة سياسية تريد إقامة الخلافة بعد الدولة الإسلامية أو لخطة من أجل خوض غمار انتخابات تشريعية، كنت أحدث نفسي وأنا جالس أعدل كل مرة ربطة العنق التي لم أرتديها منذ زمن بعيد، هل هكذا سيمر العرس؟ لا أبدا، غير ممكن أن ينتهي بهذا الشكل!!.
ولا أدري ماذا حدث أو كيف حدث أن وضع أحد الشباب، وهو صديق العريس أغنية جميلة تتناسب مع المقام، ولا أدري كيف وجدت نفسي وسط ساحة صالة العرس أرقص وأرقص.. أتمتع بأنغام الموسيقى خاصة وأن الأغنية كانت جزائرية دون أدنى اعتبار للحضور، كنت لحظتها استرجع كل ما فاتني من أعراس وأفراح، أتجاوب مع كلمات الأغنية ومع ضربات الدف ومع كل نغمة وإيقاع، ولهم أن يقولوا عني ما يشاءون، فقد اعتدت على ذلك، وشغلت فكر العديد منهم.
وما هي إلا لحظات حتى امتلأت القاعة بالراقصين، بأولئك المدعويين من الإسلاميين، بمن كانوا يقولون الشعر ويعيدون كلاما قديما، وفي لحظة انتباه وأنا أرقص، التفت لأنظر من كان يتمايل ويرقص بجانبي، فوجدته إمام أحد المصليات في ستوكهولم، ربما كان هو كذلك يعيد ما فاته من أعراس وأفراح مثلي، فقد كان يرقص رقصا جميلا وتنازل عن كل القداسة التي كانت تسكنه.
طبعي أن أعيش اللحظة بصدق ووفاء خاصة مع الأصدقاء، أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم دون أن أذوب في شخصية أي أحد أو أن أسمح لأحد أن يختطف عقلي.. وليس أجمل ولا أفضل أن تقاسم فرحة عرس صديق زَوّج ابنته التي رباها وصانها وحافظ عليها منذ ولادتها، إنه قمة التتويج، وهو فضل من الله يؤتيه من يشاء، ومن جرب الغربة وله بنات في الغربة يدرك جيدا حقيقة ما أقول. فالرقص لم يكن للرقص في حد ذاته، ولكنه نوع من أنواع الشكر ومشاركة فرحة صديقي الذي لم تكن سعادته توصف.. كانت رقصة شكر تشبه رقصة مولانا جلال الدين الرومي وهو ينسج ذلك الوصال بين السماء والأرض، بينه وبين ربه، فيا ربي هي العشر الأواخر، فازرقنا فرحة الدنيا والآخرة.

مقالات متشابهة