6 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

خواطر عطائية…!

خواطر عطائية..!
النفوس الزكية:ذنوب الخلوات

د/عطاء الله فشار

إن النفس البشرية صعبة المراس ويحتاج ترويضها إلى كثرة مجاهدتها ولذلك كان من أشد عيوبها كثرة الذنوب وخاصة ذنوب الخلوات .
قال صلى الله عليه وسلم: «الإِثْمُ حَوَّازُّ القُلوبِ، وما من نَظْرَةٍ إلَّا ولِلشَّيْطَانِ فيها مَطْمَعٌ» . وسواء كان المراد أن الذنوب تجرح القلوب وتؤثر فيها، أو تحوز القلوب وتسيطر عليها، فإن ضررها عظيم وفادح، وإن الوقوع في الذنوب مع عدم النزوع عنها والإقامة عليها يؤدي إلى القساوة أو الموت؛ لذا كان من بديع شعر ابن المبارك الذي رصد فيه هذا المعنى: رَأيتُ الذنوبَ تُمِيتُ القُلوبَ * ويُتْبِعُهاالذُّلَّ إدْمَانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ * وخيرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها
وواجب المسلم أن يحذر من الذنوب جميعها ويرقب نفسه من ذنوب الخلوات فالله تعالى قد ذم من يستخفي بذنبه من الناس ، ولا يستخفي من الله ، قال تعالى : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) النساء/108 .
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذنوب الخلوة والسر ، كما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا) قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) رواه ابن ماجه.
ويقول ابن القيم الجوزية:أجمع العارفون بالله أن أصل الانتكاسات ذنوب الخلوات .
وقال ابن رجب رحمه الله :وخاتمة السوء سببها خبيئة سوء للعبد لم يطلع عليها الناس .
قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله :
” الحذر الحذر من الذنوب، خصوصًا ذنوب الخلوات ، فإن المبارزة لله تعالى تُسقط العبد من عينه . وأصلح ما بينك وبينه في السر، وقد أصلح لك أحوال العلانية ” .
وليس المقصود بذنوب الخلوات : كلّ من ارتكب معصية في السر ، فإن صغائر الذنوب لا يسلم منها أحد
بل لعل المقصود بهذا الحديث ، المنافقون أو أهل الرياء ، الذين يُظهرون أمام الناس الصلاح والتقوى فإذا ابتعدوا عن أعين الناس ظهروا على حقيقتهم ، فلم يراعوا لله عز وجل حرمة .
قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله إظْهَارُ زِيِّ الصَّالِحِينَ فِي الْمَلَأِ وَانْتِهَاكُ الْمَحَارِمِ وَلَوْ صَغَائِرَ فِي الْخَلْوَةِ”
وقسوة القلب هي من يسهل ارتكاب الذنوب ولذلك كان الاستغفار ومجالسة أهل الصلاح والذكر والعلماء تكون هي دواء هاته العلل وقيل إن رجلا شكا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام قساوة القلب فقال :”أدنه من الذكر” وقال :” إني واستغفر في اليوم سبعين مرة” وقال عليه الصلاة والسلام : ” إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتةسوداء فإن تاب واستغفر ذهبت ،فإن أذنب ثانية نكت في قلبه نكتة أخرى إلى أن يصير القلب بحيث لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام :”كلا بل ران على قلوبهم ماكانوايكسبون.”
ويقول الله سبحانه وتعالى:” وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى “، ويقول سبحانه وتعالى:” وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ “، فإنّ الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعاً إذا شاء.

مقالات متشابهة