23 فبراير، 2020
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

النظام السياسي الجزائري: بين الخصوصية والغموض …أي دستور لأي نظام

 

 

النظام السياسي الجزائري

بين الخصوصية والغموضأي دستور لأي نظام

 

الحلقة الأولى

بقلم: د. فاروق طيفور

أستاذ محاضر وباحث في العلوم السياسية

إطار الدراسة يرافق كل الحلقات في الأعلى أو على جنب:

ونحن نستشرف المستقبل القريب للجزائر وهي ترتب في أوراقها الرئيسية لتثبيت استقرارها وأمنها القومي يطرح من جديد إشكالية تغيير طبيعة النظام السياسي وضرورة مواكبته للتحولات الجديدة التي فرضها الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإقليمي في مقابل تطلعات الجزائريين إلى تجسيد مفهوم دولة الحق والقانون والتمدين الحقيقي للنظام السياسي وإطلاق المبادرات وتوفير شروط الحياة الحرة والكريمة ولاسيما بعد الحراك الشعبي السلمي العملاق الذي مايزال مستمرا لمرافقة تطلعاته وطموحاته في جزائر جديدة، كانت هذه الورقة السياسية.

المقدمة:

شهدت الجزائر تحولات وأحداث سياسية كبيرة في مسيرتها التاريخية منذ نشوء الدولة الحديثة في العشرينيات من القرن الماضي، وقد كان لهذه التحولات والأحداث الأثر البالغ على  إدارة شؤون الدولة شملت مجمل نواحي الحياة في الجزائر ومن بينها النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن نعبر عنها بدلالة الفاعلية السياسية والاستقرار السياسي والتغير الاجتماعي ودرجة الشدة الديمقراطية والنموذج الاقتصادي، وهي مؤشرات يؤدي قياسها إلى معرفة طبيعة النظام السياسي وعوامل الانسجام والتفكك فيه بل وتدقيق النظر في قدراته على ضمان نصاب البقاء وإعادة إنتاج نفسه في مراحل حساسة من حياته.

وبقراءة مسحية للتحولات السياسية التي ميزت المراحل التي مرت بها الجزائر فإنه يمكن الإشارة إلى الأنظمة السياسية المختلفة التي تولت إدارة شؤون البلاد منذ عام 1962 إلى الوقت الحاضر وبالضبط منذ الاستفتاء على دستور 1963. فمنذ ذلك العام نشأ في الجزائر نظام الحزب الواحد استمر حتى عام 1988،حيث تحولت الجزائر بموجب أحداث 05 أكتوبر 1988 إلى نظام التعددية الحزبية وانتقلت من النظام الاشتراكي الذي ساد منذ الاستقلال حتى نهاية حكم الشاذلي بن جديد، حيث بدأت الجزائر تعرف بعض ملامح الدخول إلى نظام اقتصاد السوق لتواصل الجزائر تجربتها السياسية بالدخول للأسف الشديد في مأساة وطنية لعقد من الزمن فرملت كل حراك نحو التغيير وأجلت كل المشاريع الإصلاحية، ومع عهدة بوتفليقة عرفت الجزائر مرحلة حكم الفرد بطريقة مدسترة (الأوليغاركية) Oligarchy أو حكم الأقليِّة، وهي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة. فكانت نتيجتها وخيمة على الجزائر مما أدى إلى ميلاد حراك شعبي عملاق أبهر العالم بسلميته ووحدة مطالبه وأهدافه (22 /02/ 2019) وأعاد الأمور إلى نصابها مما ألزم جزءا من النظام بضرورة مرافقته والدخول إلى مرحلة جديدة ستبدأ أيضا بمراجعة طبيعة النظام السياسي وتكييف أدواته مع المرحلة الجديدة، فقد أثبتت التجارب السياسية السابقة أن هناك علاقة وثيقة ما بين شكل النظام السياسي المتبع والفاعلية والاستقرار السياسيين للدولة.

ونحن نستشرف المستقبل القريب للجزائر وهي ترتب في أوراقها الرئيسية لتثبيت استقرارها وأمنها القومي يطرح من جديد إشكالية تغيير طبيعة النظام السياسي وضرورة مواكبته للتحولات الجديدة التي فرضها الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإقليمي في مقابل تطلعات الجزائريين إلى تجسيد مفهوم دولة الحق والقانون والتمدين الحقيقي للنظام السياسي وإطلاق المبادرات وتوفير شروط الحياة الحرة والكريمة ولاسيما بعد الحراك الشعبي السلمي العملاق الذي مايزال مستمرا لمرافقة تطلعاته وطموحاته في جزائر جديدة.

ولمعالجة هذه الإشكالية الكبيرة (تغيير طبيعة النظام السياسي) سنحاول أن نفحص أنماط الأنظمة وأشكالها عالميا وندرس حالة النظام السياسي الجزائري ونبحث في الشكل الملائم للحالة الجزائرية الجديدة من خلال عرض مختصر لمسيرة النظام السياسي الجزائري منذ تشكله إلى اليوم عبر دساتير امتدت على طول 57 سنة حيث كان لكل رئيس دستور، ونستعين بمتطلبات الأنظمة الأكثر تجسيدا في التجربة العالمية (رئاسي – برلماني – مختلط )، حيث تعرضت بحوث كثيرة إلى عرض أنواع وأنماط الأنظمة السياسية وصارت اليوم معروفة لدى الطلاب والسياسيين لايتطلب الأمر إلى التفصيل فيها بل سنركز على أهم خصائصها ومزاياها وعيوبها، ونقترح شكلا من الأشكال التي يمكنها أن تساعد الجزائر على الانتقال ثم التحول.

 

مفهوم النظام السياسي ووظائفه ومؤشرات انسجامه وانشطاره

يعد مصطلح النظام من أكثر المصطلحات استخداماً في أدبيات السياسة والعلاقات الدولية في الكتابات العربية أو الأجنبية على حد سواء، وإن كان يستخدم في الكتابات الغربية بدلالات مختلفة ولكن يترجم إلى العربية وفق كلمة نظام فكلمات Order وSystem وregime كلها تترجم إلى نظام باللغة العربية ونحن هنا لسنا بصدد فلسفة اصطلاحية ولكننا أردنا الإشارة إلى شيوع استخدام هذا المصطلح.

وفقاً للمفهوم التقليدي كان يقصد بالنظام السياسي أشكال الحكومات المختلفة التي تباشر السلطة في المجتمعات الإنسانية وكانت دراسة النظام السياسي تتركز في تحديد شكل الدولة ونوع الحكومة ولا تتعدى البحث في مجالات نشاط السلطة والجوانب الاجتماعية والاقتصادية لهذا النشاط، وبذلك يرى البعض أن النظام السياسي استخدم بدلالة القانون الدستوري تقليدياً حيث أن كل منهما تتركز الدراسة فيه على نظام الحكم من الناحية القانونية المجردة (عبد الغني بسيوني، النظم السياسية، 1985، ص 807) حيث يرد الترادف ما بين النظام السياسي والحكومة. لأن الحكومة بالمعنى الواسع إن هي إلا ممارسة السلطة في جماعة سياسية معينة وعلى هذا الأساس فإن الأخذ بهذا التعريف يؤدي إلى انحسار أو حصر موضوعات النظم السياسية أساساً في الجانب العضوي أو الشكلي للسلطة بعيداً عن الخوض في أهداف السلطة ومجالات أنشطتها، وإنما فقط دوران دراستها حول النصوص الدستورية المنظمة للسلطة (ثروت بدوي، النظم السياسية،1975، ص5).

بيد أن هذا المفهوم للنظام السياسي والنظرة القانونية الضيقة قد تراجع في فترة ما بين الحربين العالميتين، بسبب الانتقادات العنيفة التي وجهها له علماء السياسة السلوكيون حيث فضل علماء السياسة استخدام مصطلح PoIiticaI System على مصطلح  Regime  PoIiticaI حيث يأخذ المصطلح الثاني بعداً قانونياً بينما المصطلح الأول بعداً أوسع وأشمل، حيث أنه مكون من مجموعة أمور مترابطة ومن تفاعلات عناصر مختلفة ومن تخصيص للمصادر الموجودة في المجتمع بناء على قوانين، ولهذا لم تعد السياسة مقرونة فقط بالقوة والعنف والإجبار، وإنما غاية السياسيين أصبحت تنصب على تعيين أهداف المجتمع كالبحث عن الهيبة والنفوذ والأمن للبلاد والرفاه الاجتماعي وهكذا نشأ المفهوم الحديث للنظام السياسي حيث إن النظم السياسية لم تعد تنفذ نشاط السلطة في الحدود الضيقة التقليدية بل أصبحت تتدخل في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وبهذا أصبح هناك تحول بل وانقلاب في المفهوم التقليدي للنظام السياسي فأصبحت الدراسة تنصب على مجالات نشاط السلطة لا شكلها فقط وأصبح شكل الحكومة عنصرا من بين عناصر الدراسة، والسبب الأساس في تطور مفهوم النظام السياسي هو اتساع دائرة نشاط السلطة (ثروت بدوي، النظم السياسية،1975، ص6.). وعملها وامتدادها إلى أمور لم تكن تتناولها سابقاً.

ويرى ديفيد استن صاحب النموذج التحليلي الشهير لتحليل النظم السياسية المعروف باسم “نموذج المدخلات والمخرجات” أن النظام السياسي هو “جزء من نظام أشمل هو النظام الاجتماعي وأن هناك علاقة تأثير متبادلة ما بين النظامين وإن محور النظام الاجتماعي هو النظام السياسي الذي يعد أكثر الأجزاء تطوراً وأكثرها تأثيراً في حياة أية دولة، أما موريس دوفرجيه فيرى * إن النظام السياسي يمكن تعريفة بإيجاز على أنه “حكم وتنسيق” (موريس دوفرجيه، النظم السياسية،ص95).

ومن كل ما تقدم نلخص بالقول أن أي نظام سياسي هو ليس الحياة الاجتماعية للجماعة الإنسانية فقط بل هو ببساطة عبارة عن شبكة من العلاقات السياسية بين مجموعة من الأطراف تؤدي إلى تبادل فيما بينها.

ومن خلال هذا التطور الذي حدث في المفاهيم المتعلقة بالنظام السياسي أصبح هذا الأخير يتميز بمايلي:

التفاعل المستمر بين وحداته من جانب وبين هذه الوحدات وبيئة النظام من جانب آخر.

أن العلاقة بين أطراف النظام السياسي تقوم على أساس الاعتماد المتبادل بمعنى أن أفعال كل طرف من هذه الأطراف تؤثر في أفعال الأطراف الأخرى.

يسعى النظام السياسي بوسائل مختلفة للحفاظ على ذاته ونصاب بقائه.

وقد ركز كل من غبريال الموند وكولمان في كتابهما “السياسة في البلدان النامية” على وظائف النظام السياسي وقسمهما إلى مجموعتين:

وظائف المدخلات: وتمثل التنمئة السياسية والتجنيد السياسي والاتصال السياسي والتعبير عن المصالح وتجميع المصالح.

وظائف المخرجات: و تمثل صنع القاعدة وتنفيذ القاعدة والثقافة طبقا للقاعدة.
ويعني ألموند بالوظيفة “مجموعة الأنشطة الضرورية التي على النظام إنجازها ليضمن بقاءه واستمراره ككل وتتحقق أهداف النظام سياسي عندما تنجز الأبنية وظائفها المحددة لها.
وبعد الانتقادات التي وجهت إلى ألموند قام بتطوير كتابه مع “باول” وإصداره في سنة 1966 تحت عنوان “السياسة المقارنة” قسم فيه وظائف النظام السياسي على ثلاث مستويات وهي:

 

يتبع

مقالات متشابهة