29 يناير، 2020
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

البدائل الدستورية لتصويب الاداء الرقابي للمؤسسة التشريعية تحسبا للدستور المرتقب

 

البدائل الدستورية لتصويب الاداء الرقابي للمؤسسة التشريعية

تحسبا للدستور المرتقب

 

بقلم الدكتور: غانس حبيب الرحمان

 

لقد أصبح من الضروري العمل على إعادة البرلمان لموقعه الطبيعي وإحلاله دستوريا المكانة اللائقة به بدل انحساره وانكفائه وتحريره من قيود التبعية والخضوع للجهازالتنفيذي، فالمسعى لم يصبح قضية محورية فحسب وإنما أصبح مطلبا ضروريا وموضوعيا لعملية التحول الديمقراطي، ومسعى الإصلاح الدستوري للبرلمان هو من أهم مستلزمات الإصلاح الشامل كمنفذ آمن يكفل الخروج من أزمة حادة فيجسد أمة استفحل الوهن والترهل في جسدها، إذ لا يمكن اليوم الحديث عن دولة قوية ببرلمان ضعيف.

ولعل الغاية المرجوة من اعتماد الرقابة المتبادلة بين السلطات هو البحث عن إيجاد علاقات توازن بينها، الأمر الذي يسهل معه ترقية الديمقراطية التي يتسم بها نظام ما، والتعاون مطلوب خاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من أجل إرساء جسور التواصل بينهما عن طريق اعتماد جملة من الآليات الدستورية، والرقابة الدستورية الممارسة من طرف البرلمان على أعمال السلطة التنفيذية هي اختصاص أصيل تكفله الدساتير لمجالسها النيابية، وعليه تعتبر عملية الرقابة البرلمانية وظيفة قانونية وسياسية تتصل بمراجعة أعمال الحكومة ومراقبة بعض الأعمال التي يقوم بها رئيس الجمهورية حسب ما هو محدد بالدستور. أما بالنسبة لفعالية هذه الرقابة البرلمانية المسطرة على أعمال السلطة التنفيذية، فهي مرتبطة أساسا بمستوى ودرجة حكم القانون، وكذلك بالنظر إلى قوة ودقة الأحكام الدستورية الناظمة لهذا الموضوع وكذلك لجملة الضمانات الكفيلة بتفعيلها.

وفي النظام الجزائري نجد بأن هناك العديد من النقائص والمعوقات- أثبتتها الممارسة العملية- التي تقف حائلا أمام البرلمان لممارسة دوره الرقابي بشكل فعال، ولتعزيز هذا الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية وجب تدارك العديد من النقاط الأساسية تحسبا للتعديل الدستوري المرتقب، ومن أجل ذلك نورد بعض الاقتراحات والتوصيات التي يمكن أن تساهم في تصويب وترقية أداء الدور الرقابي للمؤسسة البرلمانية وتفعيله.

أولا: المؤسسة التشريعية والحكومة

*بالنسبة لنظام الأسئلة بنوعيها الشفوية والكتابية، نجد بأن الدستور لم يتضمن الجزاء المترتب على عدم التزام الحكومة بالإجابة عنها وعن عدم احترام الآجال المقررة للرد عنها، وغياب أي ضمانة للنائب للمطالبة وإرغام الوزير المعني بالإجابة، إضافة إلى انعدام الآثار الفعلية المترتبة عن الأجوبة غير المقنعة، أين اكتفى الدستور بإمكانية فتح مناقشة عامة، وهي أمور تفقد السؤال غايته وفعاليته، لذلك وجب تسطير الجزاء المناسب لهذه التجاوزات ولم لا إصدار لائحة تدين الحكومة وتقيم مسؤوليتها، إضافة إلى التوجه نحو إلغاء أسلوب النيابة في الرد على السؤال الموجه للحكومة، كما هو الحال بالنسبة لوزير العلاقات مع البرلمان الذي ينوب على أغلب أعضاء الحكومة في الرد، لأن الموجه ضده السؤال هو أدرى بالمقصود من السؤال.

* بالنسبة للاستجواب البرلماني الذي هو بمثابة سؤال متبوع بمناقشة، إلا أن الاختلاف بينهما يكمن فقط في التركيبة العددية وارتباط الاستجواب بمواضيع الساعة، فبالنظر لعدم فعالية هذا الإجراء على المستوى العملي نرى بضرورة إعادة النظر في أحكامه خاصة تلك المتعلقة بالآثار المترتبة عنه، إضافة إلى تخصيص ضمانات تساعد على تفعيله وفتح المجال أمام مجلس الأمة لممارسته.

* بالنسبة للتحقيق البرلماني، نرى بضرورة توفير ضمانات أوسع للجنة التحقيق ليشمل كل الأنشطة الحكومية بمختلف قطاعاتها دون استثناء، إضافة إلى منح لجنة التحقيق سلطة الاطلاع على كل الوثائق الضرورية ودون التمسك بحجة سرية الوثائق، ويمكن استحداث لجنة قضائية خاصة لمعاينة طلبات الاطلاع على الوثائق المصنفة بالسرية أو الاستراتيجية، هذه الأمور تبين حتمية الإسراع في إصدار قانون يتعلق بتنظيم لجان التحقيق البرلمانية في الجزائر مثل القانون الذي سنّه الدستور التونسي في هذا الخصوص.

* بالنسبة لبيان السياسة العامة، وبالرغم من النص على إلزامية تقديمه إلا أنه يبقى يواجه مشكلة التغييرات الحكومية المتكررة، لكن يطرح تساؤل يثير إشكال يتعلق بمعادلة بيان السياسة العامة للحكومة وأن الحكومة تطبق برنامج رئيس الجمهورية؟ فبما أن الحكومة ما هي إلا جهاز لتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية عن طريق مخطط عملها، فإن المجلس الشعبي الوطني يبقى متحفظ بشأن استخدام ملتمس الرقابة وإثارة المسؤولية السياسية للحكومة واسقاطها، ويتمتع رئيس الجمهورية بحق رفض الاستقالة لأن التصويت على ملتمس الرقابة يعني بطريقة غير مباشرة رفض برنامج رئيس الجمهورية، هذا الأخير الذي يمكن أن يستخدم حقه في حل المجلس الشعبي الوطني كرد فعل على إسقاط الحكومة بنية الدفاع عن برنامجه الذي انتخب من أجله، لذلك نرى بأنه يمكن اسقاط حق رئيس الجمهورية في رفض استقالة الحكومة في حالة سحب الثقة منها والعمل على عقلنة سلطة رئيس الجمهورية في ممارسة إجراء الحل، والإقرار دستوريا بالمسؤولية الفردية للوزراء إلى جانب المسؤولية التضامنية أمام البرلمان، ومن جهة أخرى نرى بضرورة التخلي عن ربط تفعيل آليتي ملتمس الرقابة وسحب الثقة من الحكومة بمناسبة تقديم بيان السياسة العامة، من خلال إمكانية تفعيلهما متى توافرت ظروف وأسباب مباشرتها، فضلا عن هذا يجب التقليص في النصاب المشترط لقبول اقتراح ملتمس الرقابة وتخفيض نصاب إقراره.

* بالنسبة للرقابة البرلمانية على ميزانية الدولة، وبالنظر لأهمية هته المهمة فنرى بضرورة توفير قاعدة بيانات ومصادر معلومات تكون مرجعا مساعدا للنواب في تقديم تدخلاتهم، وإنشاء مركز معلومات مزود بالأجهزة العلمية الحديثة وربطه بمختلف شبكات المعلومات الداخلية من أجل تمكين البرلمانيين من إدراك تفاصيل الميزانية العامة، من جهة أخرى العمل على تنظيم دورات تكوينية بالتنسيق مع برلمانات عالمية رائدة للاستفادة من تجاربها في مجال إعداد ومراقبة ميزانية الدولة.

 

 

ثانيا: المؤسسة التشريعية ورئيس الجمهورية:

* بالنسبة لسلطة رئيس الجمهورية في التشريع من خلال أسلوب الأوامر نرى بأنه من الأحسن أن يتم التضييق في ممارسة هذه التقنية من طرف رئيس الجمهورية، لتطال إمكانية منح مجلس الأمة سلطة الحلول محل المجلس الوطني الشعبي في حالة حله ولم لا منحه سلطة التشريع استثناءا نظرا لما يمتلكه من تشكيلة ذات كفاءة، إضافة إلى إمكانية تنظيم سلطة رئيس الجمهورية في التشريع خلال العطل البرلمانية، وذلك عن طريق استدعاء البرلمان في دورة غير عادية عند توافر العنصر الاستعجالي، وهي أمور من شأنها ترقية المؤسسة البرلمانية لضمان التطبيق الحسن لمبدأ الفصل بين السلطات.

* بالنسبة لسلطة البرلمان في الرقابة على عملية التعديل الدستوري التي أصبحت محتكرة من طرف رئيس الجمهورية، فإنه لابد أولا من تحديد إجراءات وأحكام الاستفتاء بدقة من أجل تجنب التجاوز التعسفي للبرلمان أثناء اللجوء إليه من طرف رئيس الجمهورية، يضاف لها مراعاة الجدية في البنود التي يراد تعديلها أو إضافتها دون مراعاة للضغوطات السياسية أو الحزبية، لأن الواقع أسفر على تضمين الدستور وحشوه بمواد في الأصل مكانها القوانين العادية، وخير دليل على ذلك ما تضمنه تعديل 2016 من حشو للمواد خاصة تلك المتعلقة بالمتابعة القضائية والأحكام المتعلقة بالحبس المؤقت والتوقيف للنظر وغيرها.

* بالنسبة لدور البرلمان في مجال المصادقة على المعاهدات، فإنه ينبغي النص صراحة في صلب أحكام الدستور على تـأكيد الدور الرقابي للبرلمان في مراقبة المعاهدات الدولية دون قيود أو شروط نظرا لقوتها القانونية داخل الدولة بعد المصادقة عليها، إضافة إلى إعادة النظر في شرط المصادقة وبيان أحكام المناقشة والتصويت عليها، والممارسة العملية أثبتت أنه لم يتم عرض أي اتفاقية أو معاهدة على البرلمان للموافقة خلال سنوات 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، والسبب في ذلك أن رئيس الجمهورية يعتمد على المعاهدات والاتفاقيات التي لا تحتاج لعرضها على موافقة البرلمان الصريحة.

* بالنسبة لممارسة رئيس الجمهورية الجزائري للتشريع خلال الحالة الاستثنائية، فإنه أصبح من الضروري التنصيص على دور البرلمان في مراقبة هذا العمل التشريعي نظرا لخطورة الوضع وحساسية العمل التشريعي الذي يمكن أن يصدر بمناسبتها، من جهة أخرى يجب على المشرع الدستوري النص على ضمانات للحد من الصلاحيات المطلقة التي يملكها رئيس الجمهورية في مثل هذه الحالة، كمنعه من ممارسة حق حل البرلمان نظرا لأهميته البالغة في تحقيق استقرار مؤسسات الدولة خلال الحالات الاستثنائية.

كانت هذه جملة من الاقتراحات التي يمكن أن تساعد في تصويب وتطوير نظام الرقابة البرلمانية في النظام الدستوري الجزائري، مع العلم مسبقا بأن العيب ليس دائما في النصوص القانونية وإنما في تطبيقها انطلاقا من إرادة حرة، من جهة أخرى ننوه إلى مسألتين في غاية كبيرة من الأهمية يفتقر إليهما الدستور الجزائري ويجب تداركهما ويتعلقان بــ:

– الأمر الأول يتعلق بدور البرلمان في الرقابة على متابعة إصدار القوانين والتنظيمات، حيث نسجل غياب شبه كلي لهذه التقنية الرقابية الهامة في النظام الجزائري، فمهمة السهر على تنفيذ القوانين والتنظيمات هي مهمة دستورية لا تحتاج إلى ترخيص أو إذن من البرلمان من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يوجد ما يقيد ممارسة هذا الاختصاص من حيث المدة، الأمر الذي من شأنه أن يمنح الوزير الأول سلطة تقديرية واسعة في ممارستها، وهو الأمر الذي يعد بمثابة عرقلة لإرادة المجلس التشريعي وخطوة نحو اعتماد المدلول الخاطئ لمبدأ التعاون المؤسساتي، ففي النظام الجزائري يمكن أن يحصل هذا الأمر بالنسبة للتشريع الصادر عن البرلمان بالنظر إلى عدم وجود وسائل أو آليات ضامنة لتنفيذ هذه القوانين، وتستبعد المراسيم الرئاسية كون رئيس الجمهورية يملك من الوسائل الدستورية ما يكفل عدم تراخي الوزير الأول في تنفيذ ما يريده الرئيس انطلاقا من المراسيم الرئاسية.

من أجل ذلك نرى بأنه يتحتم ضرورة وجود نظام رقابي قوي وشامل وفعال لضمان التزام الحكومة بإصدار التنظيمات المطبقة للقوانين، في صورة تتطابق مع مقتضيات فكرة الدولة القانونية ومبدأ الشرعية، وعليه نرى بضرورة مراجعة هذه العلاقة الدستورية الهامة المتمثلة في متابعة رقابة إصدار التنظيمات التي ينص القانون على ضرورة القيام بها، ومن الحلول التي يمكن أن تساعد في ذلك هو إسناد مهمة السهر ومراقبة إصدار التنظيمات التي تحدد المجال التطبيقي للقوانين لإحدى اللجان البرلمانية ولتكن لجنة الشؤون القانونية والإدارية، إضافة إلى محاولة النص على ميعاد محدد لنشر هذه التنظيمات الملحقة بالقوانين كضمانة لعدم استهتار الحكومة في تنفيذ إرادة البرلمان.

 

– الأمر الثاني يتعلق بدور البرلمان في بسط رقابته على بعض التعيينات التي تقوم بها السلطة التنفيذية والمتعلقة بالأجهزة المدنية أو العسكرية من إطارات ومناصب سامية كتعيين مدير سوناطراك أو تعيين محافظ بنك الجزائر، تعيين السفراء، تعيين رؤساء النواحي العسكرية، فمثلا نشير إلى أن الدستور الأمريكي قد نص في الفقرة رقم 02 من المادة الثانية منه على أنه: “تكون له السلطة- رئيس الولايات المتحدة الأمريكية- … وبمشورة مجلس الشيوخ وموافقته أن يعين سفراء ووزراء مفوضين آخرين وقناصل وقضاة للمحكمة العليا وسائر موظفي الولايات المتحدة الآخرين…”، كذلك المادة 13 من الدستور الفرنسي التي تنص في فقرتها الخامسة على أنه: “… تتحدد المناصب أو الوظائف الأخرى التي لم تذكر في الفقرة الثالثة بموجب قانون أساسي ـ والتي نظرا لأهميتها في ضمان الحقوق والحريات أو الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأمة- تمارس فيها سلطة التعيين المخولة لرئيس الجمهورية بعد إبداء الرأي العلني للجنة الدائمة المختصة في كل من مجلسي البرلمان… ويحدد القانون اللجان الدائمة المختصة بحسب المناصب أو الوظائف المعنية”، وفي تونس فالبرلمان يمارس هذا النوع من الرقابة بمناسبة تعيين محافظ البنك المركزي طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 78 من دستور 2014.

أما عن تطبيق هذا النوع من الرقابة البرلمانية في الجزائر فلا نجد له أساس بتاتا، فسلطة التعيين بكل مجالاتها ينفرد بها رئيس الجمهورية باستثناء تلك الممنوحة للوزير الأول بعد موافقة رئيس الجمهورية عليها-المواد 91، 92، 93، 99 من تعديل 2016-، وعليه يقترح إشراك البرلمان في ممارسة هذا النوع من السلطات، وذلك من خلال تشكيل لجنة خاصة ذات طابع مؤقت تباشر مهمة متابعة ومراقبة ولم لا حتى الموافقة على التعيينات الممارسة من طرف السلطة التنفيذية، أو إسناد هذا الأمر إلى لجنة الشؤون القانونية والإدارية.

 

مقالات متشابهة