26 يناير، 2020
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

الحياد … رأس مال الجزائر!

الحياد ..

رأس مال الجزائر !

بقلم الاعلامي: محمد يعقوبي

أشعر بالحزن عندما أرى البعض يقلل من جهود الجزائر في وقف إطلاق النار في ليبيا، والبعض الآخر يسخرون من هذا الدور الذي يعترف به حتى الأشقاء داخل ليبيا.
للأسف الجهد الدبلوماسي الجزائري المكثف والمركز والمحايد مؤخرا، شوّش عليه كثيرا الاستقطاب الحاصل عندنا حول الازمة السياسية ولقاءات الحوار وورشة الدستور، حتى قفزت الخلافات التي بيننا داخليا وجعلت البعض يخلط بين التحديات الخطيرة على الصعيد الخارجي، والتدافع الحاصل بين الجزائريين في حل مشاكلهم الداخلية.
لذلك يسخر البعض من التشكيلة الحكومية أو من بعض التعيينات مثلا (وهذا حقه) ثم تنسحب هذه السخرية لإنكار التأثير المباشر للزيارات الدبلوماسية لجميع أطراف الصراع الليبي للجزائر على قرار وقف إطلاق النار، هذه الزيارات التي كان أهمها وأقلها حظا في المعالجة الإعلامية، زيارة مبعوثي الجنرال المتقاعد حفتر للجزائر قبل يومين وهي الزيارة التي كانت محفوفة باجراءات أمنية وسياسية مشددة الى درجة ظن البعض ليلتها أن بوتفليقة قد وافته المنية لقوة وكثرة الاجراءات التي أحاطت بهذه الزيارة، ولأمر ما أبعدت الجزائر عن هذا اللقاء الذي تم في وزارة الخارجية عن أضواء الاعلام، لكن إتضح فيما بعد أنه كان اللقاء الأكثر أهمية على الإطلاق، خرج منه مبعوثوا حفتر بقناعة تامة بأن الجزائر (عكسر ما كان يروج له) تقف على الحياد المطلق من طرفي الصراع ويمكن أن تنجح في مساعيها السياسية وتجنب ليبيا الحرب، ويمكن القول أن هذا اللقاء بالذات هو السبب المباشر الذي دفع حفتر الى القبول بوقف إطلاق النار ولم يكن من الصدفة أبدا أن القرار جاء بعد اللقاء بساعات قليلة، وقد نجح المسعى للأسباب التالية:
1_ طلبات وقف إطلاق النار من تركيا وروسيا توالت منذ أشهر ولم يلتزم بها على أرض الميدان أحد لأن الحرب على حواشي طرابلس مرت عليها قرابة ثمانية أشهر، لكن دخول الجزائر على خط التفاوض كطرف محايد فعلا جعل مطالب وقف إطلاق النار هذه المرة تجد آذانا صاغية.
2- إقتناع جماعة حفتر أن موقف الجزائر هو الحياد فعلا وليس التمويه، بدليل التصريحات المهمة التي أدلى بها الرئيس تبون بعد إستقباله وزير الخارجية المصري سامح شكري عندما قال أن الجزائر لن تسمع لأي طرف خارجي أن يعبث بالدم الليبي من أجل مصالحه، في إشارة الى الجانب التركي، وهي الإشارة الإيجابية التي تلقاها حفتر ودفعته الى إرسال موفديه للقاء المسؤولين الجزائريين حيث سمعوا بأنفسهم جدية الجزائر في الحياد ورغبتها في الحل السياسي ورفضها الجاد للتدخل العسكري سواء المصري الإماراتي أو التركي.
3-التشدد الجزائري في موضوع رفض التدخل العسكري أحبط وكبح الاندفاع التركي نحو التدخل العسكري على الأرض وقد لمس الأتراك بأنفسهم مدى جدية الحزائر في الموضوع وفِي المقابل إعتبروا تصريح تبون بأن طرابلس خط أحمر ضمان كبير لمنع قوات حفتر من انتهاك العاصمة عسكريا ما جعلهم يتراجعون خطوة الى الخلف في موضوع التدخل العسكري في محاولة لإختبار محاولات الجزائر نحو الحل السلمي.
4- دعوة ميركل لتبون من أجل حضور مؤتمر برلين بعد أن كانت الجزائر خارج الأجندة الدولية ودعوة تبون لأردوغان لزيارة الجزائر وقبوله دعوة السيسي لزيارة مصر كلها جهود جعلت الطرفان تركيا ومصر يأجلان الحسم العسكري الى غاية ما ستسفر عنه هذه اللقاءات السياسية بعد دخول معطى الجزائر الذي لم يكن إطلاقا موجودا عندما انخرط الجميع في التحريض على الحرب.
5- حرص الجزائر على الحياد وإبتعادها عن المحاور جعل رأس مالها يرتفع بين أطراف الصراع وكلمتها مسموعة بينهم بخلاف باقي الوساطات المنحازة مثل مصر التي تدفع باليد اليمنى السلاح لحفتر وترفع شعار رفض التدخل العسكري بيدها اليسرى بينما حرصت الجزائر على تطابق ما تقوله مع ما تفعله لذلك ساهمت بشكل كبير في كبح الحرب الى أجل غير مسمى في إنتظار استضافة أطراف الصراع والوصول الى تسوية سياسية.
6- ولعل الكلمة الأبلغ في الموضوع هو أن الجزائر كبحت الحرب التي لا يزال شبحها يحوم ولم يكن لها الفضل وحدها بل إن دخولها بتلك السرعة والكثافة ساهم في خفض منسوب التحريض والدفع نحو الاقتتال، ولن يكون لوقف إطلاق النار أي قيمة اذا لم يتطور الى تسوية سياسية بين الطرفين على ميثاق للعيش المشترك تكون الجزائر ضمنته الوحيد لأن باقي الأطراف كلها ودون إستثناء متورطة مع هذا الطرف أو ذاك.

7-_بيان حكومة الوفاق تحدث عن الأطراف التي طلبت هدنة ووقف لإطلاق النار وهما تركيا وروسيا لأن الجزائر لم تطلب لا هدنة ولا وقف إطلاق النار بل طلبت حلا سياسيا جذريا ووقف الحرب بالمطلق، ثم إن الطرف الذي كان أكثر تصلبا ورفضا لوقف إطلاق النار هو حفتر بدليل أن حكومة السراج طلبت رسميا التدخل العسكري التركي، وحفتر لم يقبل بالهدنة الا بعد لقاء الجزائر بسويعات وفرق كبير بين إجراءات وقف إطلاق النار ومساعي وقف الحرب والوصول الى تسوية سياسية.

مقالات متشابهة