26 يناير، 2020
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

طبيعة الإصلاح الدستوري المرتقب في الجزائر بين “جدلية الدستور الجديد والتعديل الدستوري العميق”

 

 

طبيعة الإصلاح الدستوري المرتقب في الجزائر بين جدلية الدستور الجديد والتعديل الدستوري العميق

 

 بقلم: د/ يعيش تمام شوقي

أستاذ محاضر، تخصص قانون دستوري

جامعة بسكرة

 

باشر رئيس الجمهورية في الآونة الأخيرة، فتح ورشة الإصلاحات الدستورية المسطرة في برنامجه الانتخابي، والمتمثلة  في مراجعة وإعادة النظر في نصوص الدستور الحالي، ومع كشف النقاب على اللجنة المكلفة بصياغة مشروع مراجعة فصول من الدستور وفق المحاور المسطرة من لدن رئيس الجمهورية نشأ سجال حول تكييف طبيعة هذا الإصلاح الدستوري المزمع طرحه للاستفتاء الشعبي خلال السنة الجارية، وذلك فيما لو كان دستورا جديدا يؤسس لجمهورية جديدة وفقا للمفاهيم الدستورية المتفق عليها، والتجارب الدستورية العالمية التي تؤكدها، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تعديلا دستوريا يضاف إلى حزمة التعديلات الدستورية في تاريخ الدولة الجزائرية.

إن التدرج في الإجابة على النقاش المطروح تبدأ من استحضار المؤشرات التي تتوافق مع التسليم بفكرة التعديل الدستوري من جهة، والدستور من جهة أخرى، فالتعديل الدستوري بمعناه الفني ينبني على مراجعة نصوص الدستور زيادة ونقصانا، مع ما قد يترتب على ذلك من إعادة ترتيبها ولا يهم إن كان جزئيا أو جذريا يمس محاور أساسية ومفصلية في مكونات النظام الدستوري للدولة.

الشاهد أنه وباستقراء موقف المؤسس الدستوري الجزائري وفق آخر تعديل دستوري نافذ لسنة 2016 نجده ضبط الكيفيات التي يتم بموجبها التعديل الدستوري إلى غاية إنفاذه، وذلك في المواد من 208 إلى 212، لكنه في المقابل لم يحدد الطرق التي ينتهي بها الدستور حتى يمكن إحلال دستور جديد بدله، وفي هذا الإطار وجب التمييز بين حالتين لإجراء تعديل دستوري بسيط أو جوهري:

الحالة الأولى: تتعلق باقتراح التعديل الدستوري من طرف 4/3 أرباع أعضاء غرفتي البرلمان مجتمعتين على رئيس الجمهورية الذي يكون بمقدوره عرضه على الاستفتاء الشعبي، وإذا حظي بالموافقة على إثر هذا الاستفتاء يتولى رئيس الجمهورية إصداره، وهذه الحالة نصت عليها المادة 211.

الحالة الثانية: وهي الحالة المذكورة في منطوق المادة 208، وبمقتضاها يقوم رئيس الجمهورية بالمبادرة باقتراح مشروع التعديل الدستوري على البرلمان للمصادقة عليه، على أن يتم عرضه خلال الخمسين يوما الموالية للاستفتاء الشعبي، وإذا حصلت الموافقة عليه بناء على نتيجة الاستفتاء يصدره رئيس الجمهورية وينفذ كقانون أساسي للجمهورية، وفي الحالة العكسية يعتبر لاغيا، غير أن اللافت هو أن المؤسس الدستوري الجزائري قطع الطريق أمام اللجوء للاستفتاء الشعبي في الحالتين من خلال نص المادة 210، وذلك متى تم عرض مشروع التعديل الدستوري على المجلس الدستوري، وعندما يتبين لهذا الأخير أن مشروع التعديل الدستوري لا يمس بالمبادئ التي تحكم المجتمع الجزائري وحقوق وحريات الإنسان والمواطن، أو يؤثر على التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية، وعلل رأيه في هذا الصدد، يمكن تقديم مشروع التعديل الدستوري على البرلمان، وإذا حصلت الموافقة عليه بـ 4/3 من أعضائه يمكن لرئيس الجمهورية إصداره.

إن قراءة متأنية في محتوى ما ذكرته المادة 210 يكشف بجلاء أن المجلس الدستوري يصبح في هذه الحالة شريكا للبرلمان في عملية التعديل الدستوري، وهذه الشراكة يتعين أن ننظر إليها من زاوية أن المجلس الدستوري هو المؤسسة الدستورية العليا الوحيدة في الدولة المؤهلة لحماية الدستور وضمان عدم مخالفته، بل ورصد أي مخالفة شكلية أو موضوعية للدستور من خلال صلاحية المجلس في الرقابة وتفسير النصوص الدستورية.

كما يمكن أن نلاحظ في السياق ذاته، أن تدخل المجلس الدستوري في عملية التعديل الدستوري يمثل الأسلوب الذي انتهجه النظام السابق، والذي أسفر على ثلاث تعديلات متتالية (سنة 2002، سنة 2008، سنة 2016) رغم ما يؤخذ عليها من انفلاتها من الرقابة الشعبية by الاستفتاء الدستوري. وبالتركيز على بعض ما جاء به التعديل الدستوري لسنة 2008، نجده أعاد تنظيم السلطة التنفيذية باستحداثه لأول مرة منصب الوزير الأول الذي حل محل رئيس الحكومة والانتقال بها من منطق الثنائية إلى الأحادية، والحال ذاته بالنسبة للتعديل الدستوري لسنة 2016 الذي استحدث مؤسسات دستورية استشارية جديدة وغير أخرى وهكذا، وما من شك أن هذا ينال من طبيعة التوازنات الأساسية للسلطات وفق منطق المؤسس الدستوري الجزائري.

ومهما يكن من أمر يبقى تدخل المجلس الدستوري الجزائري إزاء التعديل الدستوري مقيد بقيدين موضوعيين، الأول يتعلق بالتأكد من عدم النيل من المبادئ التي تحكم المجتمع الجزائري والمتمثلة حصرا في (الإسلام، اللغة العربية، العلم والنشيد الوطنيين، شعار الدولة، وحدة تراب الدولة، عاصمة الدولة). وبإضافة مسألة حقوق وحريات الإنسان والمواطن الجزائري ومسألة إعادة انتخاب رئيس الدولة مرة واحدة إلى المبادئ المذكورة، يمكن القول إنها تمثل جميعها مادة أولية لقاعدة الحضر الموضوعي المعروفة في أدبيات القانون الدستوري، والتي بموجبها لا يجب أن تمتد إليه مضامين التعديل الدستوري، وهذا حسب ما أوردته المادة 212 من التعديل الدستوري لسنة 2016، غير أنه تجب الإشارة بالنسبة لمسألة الحقوق والحريات أنه لا ينبغي أن يفهم من وراء اعتبارها قيدا على التعديل الدستوري أنه لا يجب أن يشمل أو يمس التعديل منظومة حقوق الإنسان وحرياته، بل إن المقصد من ذلك هو ضمان أن لا يؤدي تعديل الدستور إلى النيل منها أو الانتقاص من ممارستها، في المقابل يجب أن يتجه نحو تعزيزها وتدعيمها، وهو المسعى الذي يصبو إلية التعديل الدستوري الجزائري المرتقب.

أما القيد الثاني والمتعلق بفكرة التوازنات الأساسية للسلطات العامة أو المؤسسات الدستورية، فيراد به حالة التغييرات العميقة والنوعية التي يحدثها مشروع تعديل الدستور في تنظيم مكونات السلطة التشريعية وتوسيع أو تقليص صلاحياتها ومسؤوليتها، وهكذا الحال بالنسبة للسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وفي باب الرقابة والمؤسسات الاستشارية باستحداث مؤسسات أخرى أو تغيير دور المؤسسات القائمة، مما ينبأ عن وجود مراجعة في قواعد ومفاعيل العملية الدستورية والعلاقة بين السلطات العامة.

وعليه، فإذا مس التعديل الدستوري بقاعدة التوازنات الأساسية للسلطات العامة أو المؤسسات الدستورية يحسن في هذه الحالة نعته بالتعديل الجوهري، والذي يتعين معه إعفاء المجلس الدستوري من رقابته، والاحتكام للاستفتاء الدستوري، بل يصبح اللجوء للاستفتاء الدستوري في هذه الحالة أمر لا مفر منه.

إن ما سبق ذكره يؤكد بما لا يدع مجالا للشك والتأويل أن الإصلاح الدستوري الجاري سوف يتخذ صيغة التعديل الدستوري الجوهري وفقا للمقتضيات الدستورية وليس دستورا جديدا، نتمسك بهذا الموقف لأنه وبالعودة إلى الأصول العامة المتبعة في صياغة الدساتير الجديدة، وباستقراء التجارب الدستورية المقارنة يتبين بجلاء أننا نكون أمام دستور جديد في ثلاث وضعيات:

الوضعية الأولى: وهي حالة ما إذا أفصحت إرادة السلطة القائمة على إلغاء العمل بالدستور القائم وتعويضه بدستور جديد، حيث ينص الدستور الجديد على الإلغاء الصريح للدستور السابق، وقد لا ينص عليها ويدخل حيز التنفيذ، مع ما قد يترتب عليه من نقل نظام الدولة من وضع إلى آخر في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما حصل في الجزائر بالنسبة لدستوري 1976 و1989، حيث تم إلغاء العمل بدستور 1976 الذي حصل الإجماع بشأنه على وصفه بدستور البرنامج وتعويضه بدستور 1989 الذي يوصف بدستور القانون.

الوضعية الثانية: وهي الأسلوب غير العادي في إنهاء الدساتير الذي يتحقق عادة بعد الثورات والانقلابات في نظام الحكم، مما يترتب عليه إلغاء العمل بالدستور تلقائيا وتعويضه بدستور جديد، ويتبع لهذا الغرض تنصيب مجلس تأسيسي يكون عادة منتخب تكون مهمته وضع دستور جديد على أن تنتهي بدخول الدستور حيز النفاذ، وخير مثال لذلك ما حصل في تونس بعد الإطاحة بالنظام سنة 2011 وانتخاب المجلس الوطني التأسيس الذي تكفل بوضع دستور 2014.

الوضعية الثالثة: وهي في حالة استقلال الدولة أو انفصالها عن دولة أخرى، حيث يكون من أولويات الدولة حديثة العهد بالاستقلال وضع دستور جديد.

هذه الوضعيات الثلاث لا تنطبق أي واحدة منها على الوضع الحالي في الجزائر، ثم إن ما يدعم موقفنا في كون أن الإصلاح الجاري يعتبر تعديلا لا دستورا جديدا يجد أساسه في أولى الخطوات التي باشرها رئيس الجمهورية والمتمثلة في المبادرة باقتراح التعديل الدستوري، مستندا في ذلك على ما تقضي به أحكام المادة 208 من التعديل الدستوري لسنة 2016 الذي لا يزال ساري المفعول إلى حد كتابة هاته الأسطر.

المحاور السبع الكبرى التي حددها الرئيس عبد المجيد تبون لتعديل الدستوري، أولا حقوق وحريات المواطن، ثم أخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد، وتعزيز فصل السلطات وتوازنها، وكذلك تعزيز سلطة الرقابة البرلمانية، زد على ذلك تعزيز استقلالية الس

لطة القضائية، إضافة إلى تعزيز المساواة بين المواطنين أمام القانون، وصولا إلى التكريس الدستوري لآليات تنظيم الانتخابات.

إن مرحلة المبادرة بالتعديل الدستوري من جانب رئيس الجمهورية تتضمن مسألتين: الأولى تتمثل في المحاور الكبرى موضوع ورشة تعديل الدستور المقدر عددها بسبعة وفق ما جاء في رسالة رئيس الجمهورية، حيث أن المتمعن في تلك المحاور يمكنه أن يلحظ حيويتها وأهميتها في التـأسيس لنظام ديناميكي يأخذ بعين الاعتبار التوازن بين المفهوم السياسي والاجتماعي للوثيقة الدستورية بما يسمح بتجاوز مثالب الممارسات السابقة ويتفق في الوقت ذاته مع أهداف وتطلعات مطالب الحراك في رسم معالم الدور الحديث للدولة لتحقيق التنمية في أبعادها المختلفة وتعزيز الشعور بالدور الإيجابي للمواطن في تسيير دفة الشؤون الاجتماعية والرقابة على أعمال السلطات العامة، أما المسألة الثانية فهي تتضمن تكليف لجنة تقنية مشكلة من أساتذة مختصين بمهمة صياغة واقتراح مسودة لتعديل الدستور على أن تعرض نتائج أعمالها على رئيس الجمهورية في شكل تقرير ومشروع قانون دستوري، مع إمكانية إثرائه بناء على مشاورات، ليتسنى عرضه على البرلمان في خطوة ثانية، وعلى أن يتوج في آخر محطة بالاستفتاء الدستوري لإقراره وإنفاذه.

 

من نافلة القول في الأخير أن الاستفتاء الدستوري يعتبر أنجع وأفضل طريق تتجسد من خلاله الإرادة الشعبية في الاعتراف بمصداقية ما ورد في متن التعديل الدستوري، ولو أن التسليم بأهمية الاستفتاء الدستوري على هذا النحو يتجسد في صورته الفعلية وليس الشكلية متى روعيت مجموعة من الشروط منها: إعطاء مدة كافية للاطلاع على مسودة التعديل الدستوري والتعريف بمضامينه وأهدافه، وتسهيل فهمه واستيعابه على نحو يكون معه تنظيم الاستشارة الاستفتائية وإعلان نتائجها تعبيرا سليما عن إرادة شعبية صادقة وواعية.

 

 

مقالات متشابهة