2 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

كم دونكيشوتًا بيننا؟

 

كم دونكيشوتًا بيننا؟

وليد شموري

 (دون كيشوت) هو تلك الشّخصية البطلة في رواية الإسباني (ميغاييل سرفانتس) الّذي مرّ ذات يوم بالجزائر، ويحكي فيها عن شخصية (دون كيشوت)  الخمسيني النّحيف الذي أراد أن يعيد أمجاد الفرسان المتجولين، فراح يتوهّم البطولات وامتطى حماره الهزيل والتحف سيفه الخشبي وجعل من صديقه (سانشو) بئر أسرار يحاوره ويبوح له بأمجاده ورغباته. ومن شدّة إعجابه بنفسه راح يقاتل طواحين الهواء معتقدا أنها أذرع شيطان ودخل في فيلق أغنام متوهما أنهم جنود فقتل الأغنام  ليلقنه الرّعاة درسا فقد فيه أضراسه.

ترى كم دونكيشوتا فينا وبين ظهرانينا اليوم؟ في محيطنا ومؤسساتنا وشوارعنا، لا بل حتى من أقرب الأقربين لنا وفي مواقع التواصل الاجتماعي خصوصا، من الذين أعجبوا بأنفسهم فراحوا يتوهمون البطولات ويختلقون صراعات لا وجود لها إلّا في مخيّلاتهم، فيجعلون من الحبّة قبّة، وينتصرون للقطيعة على أتفه الأسباب، يقاتلون طواحين هواء ويصطنعون معارك وهمية يشعلون فتيلها يدنون من وافق هواهم، ويبعدون من خالفهم والواهم ينطلق دوما من كونه الأصحّ والأصدق والأنقى والأنبل وما دونه صغار عقول وأغرار  تنقصهم الحكمة.

(دون كيشوت) قد يكون اليوم أنا وأنت نتوهم الخصوم في كل وقت ومكان، قد يكون زوجا يتوهم أنّ زوجته تترصّد له كي تصبح الآمرة الناهية فيكيل لها كلّ أنواع التهم ويتلقف لها الهفوات، وقد تكون زوجة تظنّ أنّ أناقة زوجها أو تأخره أحيانا لا تعني سوى خيانة قد دنت ولا بد أن تثار الحرب لتنتهي غالبا بطلاق ! دون كيشوت هو مراهق تابع أفلاما أو مباريات ولما تأثر بأبطالها راح يعبث بشعره ولباسه وعقيدته، وهي فتاة رأت أن الحبّ في المسلسلات التركية أصدق وأنبل من الحبّ في الواقع فراحت تلبس شخصية البطلة وتسرق اسمها وتضع صورتها في (البروفيل)  وتتمنى فارس أحلام الذي لا يأتي على حصان أبيض بل في سيارة ألمانية ولا يحمل سيفا معاذ الله بل محفظة نقود.

قد يكون في متعالم ظنّ لقلّة حلمه أنّ الحق والخير معقودان في ناصيته، وأنّه أولى بالاتباع من غيره يمتطي صهوة العلم ويقفز على الهامات ليجزّ رقاب العالمين حتى لمن كان شيخه، ويسرع في نطق الحكم، يخرج هذا من الملّة ويدخل آخر فيها باسم الهوى، ويمنح لهذا الرحمة ويرجو له الغفران ويحرمها الآخر ويدعو له بالثبور، مع أنّ رحمة الله ليست بيده، كل هذا لتصوره أنه صار عالما.

إنّنا ما استمرينا على هذا الحال سنغرق كما غرق (دون كيشوت) وسنحلق في عالم لا نرى فيه سوى أنفسنا، نرى فيه أننا الأكثر التزاما واستقامة، والأرجح رأيا في اتباع الحقّ، والأعلى وعيا، فالحق لنا والرأي لنا، والصدق لنا وسيوف الفيسبوك وتويتر لمن قال: لا، فحرمته مهتوكة وعرضه مداس، ودمه مسفوك ووطنيته زائفة زيف قرآن مسيلمة، ومحبته وأخوة الدين في خبر كان، نتناوش لكلمة قالها فلان في صالونه الفاره، بينما لا يلقي هو لنا بالا لأن سراج البصائر فينا ــ حينذاك ــ قد انطفأ.

مقالات متشابهة