14 نوفمبر، 2019
الحوار الجزائرية
أراء

النّقد الثّقافي والتّصريحات السيّاسيّة

يرى النّـقّادُ الثّـقافيّون أن وظيفة النقد ليس مـجرد تـمرينات لاستخراج الـمحسّنات البديعية ووجوه البيان من النص، وتقسيمه إلى مستويات نـحوية وصرفية وصوتية وتركيبية ومعجمية، بـحثا عن انسجام  النص واتّساقه، وجرياً وراء جـماليةٍ بلاغيّةٍ متعاليةٍ عن السيّاقات الإنسانية، بشكل بارد ومـحايد لا يتجاوز نسيجَ النص ومعمارَه… بقدر ماهي قِـراءةٌ حَفْرِيَّـةٌ ذكيّة، تـهتمُّ بنقد الأنساق الـمُضْمَرَة الـمشكِّلة للنّصوص والبحث عن الثّقافة الـمؤسِّسة لـها، كما أنّ النّقد الثّقافي يستكشف -من خلال تـحليل الـخطابات- الأعطابَ الثقافيةَ والنّفسيّةَ والاجتماعيّةَ، التي تُـخلّفها الـمصادرُ الـمختلفة للأعلاف الثقافيّة التي تَسْـتَهْلِكُهَا الشعوبُ، إضافةً إلى أنّه لا يهتـمُّ بالنّصوص الـمدرسيّة الرَّاقـيَّةِ فقط، بل يهتـمّ بالـخطابات اليوميّة وحتّى الـهامشيّة أيضا، ويبحث في خلفيّاتـها،ومـخبوءاتـها الفكريّة، ودلالاتـها الاجتـماعيّة والنّفسيّة، وسيّاقاتـها الـمختلفة، ولذلك فهو يستفيد إجرائيّاً من كل منجزات العلوم الإنسانية والاجتماعيّة إلى جانب علم الـجمال.. وأنا أتابع هذه الأيّام تصريـحات بعض الـمترشِّحين للرّئاسة، تـمنّيت أن يستـخدم نقّادُنا النّقدَ الثَّـقافي، لترشيد الـخطاب السيّاسي، حتّى لا تتكرَّرَ عندنا مثل التصريـحات (السيّاسيّة؟!..) التّالية: تصريـح رئيس حكومة أسبق، عندما ضَرَبَ مِثَالاً عن الشعر ب: “قل أعوذ برب الفلق”!…وتصريح أمين عام سابقٍ لـحزبٍ كبيرٍ من أحزاب الـموالاة، عندما قال: “نـحن أفضل من السويد في التـنميّة!..” ومثلها تصريحُ وزيرٍ سابقٍ للصحة قائلاً: “الـمستشفيات عندنا أفضل من الـمستشفيات في أمريكا” وتصريـح وزيرٍ سابقٍ للتّعليم العالي قائلاً: “لا حاجة لنا بـجائزة نوبل!..” أو تصريـح وزيرٍ سابقٍ آخر للصحة، عقب وفاة أستاذة من جامعة ورقلة بلسعة عقرب قائلاً: “العقرب مُسالِـمٌ وهو لا يظلم الإنسان!..” وهو ما يوحي ضمنيّا أن الأستاذة هي التي ظَلَـمَتْ العقرب!.. وكذلك تصريـح أحد الوزراء السّابقين، قائلاً: “ربـي أرسل مـحمداً رحـمةً للعالـمين، وأرسل بوتفليقة رحـمةً للجزائريين!..” وتصريـح أحد الولاة إلى الأئمّة، ناصحا إيّاهم: “تـحدثوا عن أبو نظافة دَعْكُمْ من أبي هريرة!..” وتصريـح أحد نوّاب رئيس البرلـمان سابقاً: “مَا وَلْـدَاتُوشْ أُمُّو لي ينافس بوتفليقة!..” وتصريـح الأمين العام للاتـحاد العام للعـمّال الـجزائريين السّابق: “اللي يـخرج يـحتج يوم الـجمعة ماهوش راجل!..” وقوله أيضا: “ماشي راجل لي ما يفوطيش على بوتفليقة!..” وتصريـح وزير سابق للتّجارة ورئيس حزب من أحزاب الـموالاة: “يلعن بوه اللي ما يـحبناش!..” و كذلك تصريـح رئيسٍ سابقٍ للـحكومة قائلاً: “الشّعب ما لازمش ياكل اليايورت!..” كـما صرَّح أيضا: “جَوِّعْ كَلْـبَك يَـتْـبَعْك!..” ويقصد الشعب طبعا!..

أتـمنّى أن يضطلع النّقّادُ الثَّقافيّون بـمسؤولياتـهم، حتّى يساهـموا في رفع مستوى الـخطاب السيّاسي، لـعـلَّنا نَـتـَجَـنَّبُ انتاجَ نفس الظّواهر والـخطابات السَّابقة.

 

 

 

مقالات متشابهة