14 ديسمبر، 2019
الحوار الجزائرية
أراء

غَرِيبٌ في مَقْهَى”العرش”

روى لِـي أَحَد أعيانِ عَرْشٍ كبيرٍ في الشرق الـجزائري نُكْـتَةً، هي عبارةٌ عن قصّةٍ واقعيّة، قال:في مرحلةٍ سابقةٍ من التّاريخ، عندما كانتْ العقليَّةُ “العروشيَّةُ” “القبليّة” مُسْتـحْكَمَةً،كان أفراد عرشِنا يُشكِّلون كُـتْلَةً مُوَحَّدةً لا يُـمكن لِـأَيِّ غريبٍ على العرش أن يـخترقَها، أو تكون له الـمكانةُ الـمعنويّة التي يـحظى بـها أبناء العرش فيـما بينهم.. قال الرّاوي: حدَثَ مرّةً أن تزوَّجَ أحدُ الأغراب على العرش امرأةً من العرش، وجاءتْ به الظروفُ ليسكُنَ عندَ أصهارِهِ.. كان ذلك الرجلُ الغريبُ عندما يـخرجُ مساءً للـجلوس في الـمقهى، يلاحظ أنّ القوم يعامِلُونَهُ معاملةً سطحيّة، توحي أنّه يبقى دائماً غريباً، مـهما حاولَ أن يبذل من مـجهودات للاندماج، فقد كان يُــبدي كثيرا من القابليّة للتّعايش، لكن دون جدوى، فلا أحد يستطيع اختراق البنيةِ العميقةِ للعرش..مع مرور الوقت، أخذ الأمر يُـؤثِّر على معنوياته، وبدأَ الشعورُ اليوميّ بالتّهـميش والدّونيّة يتفاقَمُ بداخِلِه، فيُشكِّل لديه أعطاباً نفسيّة.. انتبهَتْ زوجتُه بـحسّها الانسانـيّ القويّ إلى مُعاناته، حاوَلتْ كثيراً أن تقفَ إلى جانبِه، وأن تُسلِّيَ عنهُ وتُعَـوِّضَهُ على الشّعور بالتّهميشِ خارج البيت بالـحنان والدِّفءِ العائليِّ، ولكن دون جدوى، لأنّ مبالغةَ الزّوجة في التّعاطف معه كان يُشْعِرُهُ بـمزيدٍ من الدّونيّة!.. فقد كان الرّجلُ يريدُ أن يكون له تقديرٌ خارج البيت،وأن تكون له مكانةٌ في الشّأنِ العام لكي يَشعُرَ بـمكانته عند زوجتِه في البيت، فـهذه من تلك..بعدَ مُدّةٍ، لاحظتْ الزّوجةُ بـحكمتها، أن لا جدوى من الـحلول الدّاخليّةِ النّاعـمةِ للـمشكلة، فأرادتْ أن تنقُل القضيّةَ إلى الرّأي العام، وأن تنتقل إلى منطق الـهـجوم للـمعالـجة الـحاسـمة للـمعضلة، فقالتْ لزوجها: غداً، اخرُجْ إلى الـمقهى، اترُكْ الـمقهى حتى يكون مـمتلئاً عن آخره، وادْعُ النّادل من بعيد، بصوت مرتفع فيه شيءٌ من الاحتقار له، قل له: احضر لي قهوةً، حتّى اذا جاءك بـها، تَــذَوَّقْ منها قليلاً، ثمّ افتعِلْ غضباً شديداً،وأَفْرِغْ الفنجانَ على وجه النّادل، وقُلْ له بعنف: أهذه قهوةٌ تُـحضِرها لي؟ ماذا تـحسبُ نفسك؟ ألا تعرف بأنّني صِهْر عرش “بني…”؟ فأنا من أعيان عرش “بني…” من جِهَة “مَرْتـِي!.. قال الرّاوي: من ذلك اليوم أصبح ذلك الرجلُ يُطيلُ الـجلوسَ في الـمقهى!..وأضاف: وأصبح موضوعاً للتّـندّر والنُّكتة!..لسْتُ أدري لـماذا أتذكّر هذه القِصَّةَ دائماً، عندما أرى بعض الـمترشّحين للانتخابات يُـزايِدون على بعضهم في ذكر الأسباب التي تـَجعلُـهم أكثر تـمثيلاً للشّعب الـجزائري، أو أقرأ لبعض الـمُثَقَّفين وهم يقتطعون بعض النّصوص من سياقاتـها السّابقة للدّلالة على بطولاتـهم التّاريـخيّة في النّضال..ولله درُّ القائل:

إذا اشْتَـبَكَتْ دُمُوعٌ في عُـيُونٍ.. تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِـمَّنْ تَـــبَـــاكَى

مقالات متشابهة