14 ديسمبر، 2019
الحوار الجزائرية
أراء

“فُولـِي طِـيَّابْ” بين الثّقافة والسيّاسة

“فُولـِي طِـيَّابْ” مَـثَلٌ شعبيٌّ جزائريٌّ سَاخِر، يُضرَبُ للدّلالة على طرق الإشهار غير الـموضوعيّة، في حالات اشتداد الـمنافسة بين الأقران، بـحيث يأخذ كلُّ واحدٍ، يُبالغ في الإشهار لنفسه دون تقديم دليلٍ على جودة منتوجه، تـماماً مثلما يفعل باعةُ الفول في الأسواق، حيث يدّعي كلُّ واحدٍ منهم أنّ فُولَهُ أفضل ذَوْقاً من فُولِ غيره!.. يبدو أنّ هذا الـمثل يُغَادِرُ مَوْرِدَه الأوّلَ الذي هو السّوق، إلى ميدان الثقافة والسيّاسة عندنا، على حدٍّ سواء:

ففي كل سنة، عندما يقترب موعدُ الـمعرض السنوي للكتاب تبدأ البروباغاندا الثّـقافية، وتبدأ عملية تضخيم الأرقام حول تعداد ما يؤلف في الـجزائر سنويا من الكتب، ويبدأ بعضهم بالانـخراط في الـجو العام للبروباغاندا، فَمِمَّا لاحظنا في السنوات الـماضية مثلا: أنّ كل واحد يـحلو له أن يعلن أن كتبه قد نَـفَدَتْ في الأيّام الأولى للمعرض، وأنّ الإقبال على كتبه كان عارما، إلى درجة الفوضى.. وقد لاحظنا أنّ بعضهم دخل موسوعة غينيس لأضخم كتاب في العالم، لأنّه كتب كتابا من 1500صفحة، ليس فيه حتى العنوان.. وليس فيه تـهميش!..في الوقت الذي تطورت فيه الـمنهجية الداعية إلى الابتعاد عن الـحشو، وأن العبرة بالـمضمون، وبالإضافات العلميّة على مستوى الأفكار والـمنهجيّة، وليس بـحجـم الصّفـحات..كما لا حظنا من كان يفتـخر بأنّه كتب أكثر من5000 قصيدة في مدّة وجيزة!.الأمر الذي يـجعلنا نتساءل: وماذا بعد؟..هل هناك فعلٌ ثقافـيٌّ حقيقيٌّ في الـمـجتمع؟.. هل هناك تغيير في الذّهنيات؟.. هل كَـتَبَ روائيّونا روايةً مثل رواية “الأمّ” لـماكسيم غوركي، التي يقال عنها أنّـها قدّمت للشّيوعيّة ما لـَمْ تُقدِّمْهُ ثلاثون سنةً من النِّضال؟!..

لقد ذكّرتنا مثل هذه البروباغندات الثقافيّة، بالبروباغندا السيّاسيّة، وبالإحصائيات التي كانت تُقدَّم حول الـمشاريع السكنية، ومشاريع أونساج، ومشاريع الدّعم الفلاحي، ومَـحَلَّات الرئيس، وعدد الـمرافق التّعليميّة، ومـخابر البحث، وكثير من الـهياكل التي ليس لـها روح..تـماماً مثلـما ذكَّرتْنا بالتّصريح الشّهير للأمين العام الأسبق للأفلان جـمال ولد عباس، عندما قال بأنه بصدد إنـجاز كتاب ضـخم يتكوّن من4000 صفحة حول انـجازات الرئيس بوتفليقة!…

حالةُ “فولـي طيّاب” هذه تشتدُّ كثيرا هذه الأيّام، في خضمّ معركة التّرشّح للرئاسيّات، حيث يبدو “فولُ”  كلِّ واحدٍ “طيّاباً” دون دليل، ودون أن يترك الزّبائن يتذوّقون “البــنّة”!.. فلا نقاشات حرّة حول البرامج، ولا تبريرات علـميّة، ولا مناظرات، ولا خبراء، ولا هم يـحزنون ..والـمُهِمّ أن “فول” كل واحد “طيّاب” وكفى!..

 

 

 

مقالات متشابهة