14 ديسمبر، 2019
الحوار الجزائرية
أراء

“غَسَّالة النّـوادر” بين الثّـّـقافة والسيّاسة.

غسّالة النّوادر، وصف شعبي يطلق في الـمجتمعات الفلاحيّة الـجزائريّة، على الأمطار التي تتساقط في شهر أوت وبداية الـخريف، لأنـها كانت تُـنظِّف “النّوادر”.. و”النّوادر” ( مفردها نادر) هي الأماكن التي تتم فيها عمليّة جمع ودرس الـمحاصيل الزّراعيّة، مثل القمح والشّعير وغيرها.. كان الفلاحون يستبشرون بـهذه الأمطار لأنّـها عندما “تغسل” النّوادر، تـُحـوِّل بقايا عـمليَّـتَـيْ الحصاد والدّرس إلى أسـمدة عضويّة تـمتزج بالتّربة، ولأنّـها تُليِّـنُ لـهم الأرض الـمتصلِّبة بفعل حرارة الصّيْف، فيشرعون بعدها مباشرة في عملية حرثِ التربة وقَلْـبِها في مرحلة أولى قبل الزرع، من أجل أن تـتغذّى التربةُ جيِّدا بالـمواد العضويّة الـمتبقيّة عن عمليات الـحصاد والدّرس.. كانت أمطار الـخريف بالأمس نافعةً، وكان الفلاّحون يستبشرون بـها، ولم تكن تـمثّل أيّ خطر بالنّسبة إليهم، رغم تواضع بناءاتـهم وهشاشة الكثير منها، ورغم أنّ غالبيتهم كانوا يتنقّلون by الـخيل والـحمير!..

أمّا اليوم وبعد أن انتقلنا من “البداوة” إلى “الحضارة”وانتقلنا من مـجتمع فلاحي ريفي، إلى مجتمع مديني “صناعي” “متحضّر”وأصبحنا نسكن العمارات والفيلات، كما أصبحنا نتنقّل في السيارات والقطارات والطّائرات.. لـم تعد  أمطار الخريف نافعةً وفألَ خير على السكّان كـما كانت من قبل، لأنّـها لـم تعد تغذِّي الطبيعة بالـمواد العضويّة وتـُهيِّءُ التربةَ للإخصاب والزّرع.. وأصبحت ضارّةً ومُـخيفة، لأنـّها أصبحت “جرّافة” مدن وأحياء بأكملها.. وذلك لأننا حين انتقلنا من البداوة إلى “التحضر” لم ننتقل برحـمة وتـخطيط ومنهجيّة، لقد رُحْـنا نتنافس ونتطاول في “العمران”، وشـمل التّـنافس وحُـمـّى التّـملّك حتى مـجاري الوديان، فاستولينا عليها بكل الطرق، وبنينا فوقها.. انتقلنا جميعا إلى الـمدينة، ولكنّنا لــم نستفد من الـمدنيّة ثقافيّا في شيء، بقينا نطلّ من نوافذ سكناتنا في الـمدينة، ونرمي الـمُهْمَلات في الشوارع، ونطلّ من نوافذ سيّاراتنا التي عوّضت الخيل والحمير، ونرمي القارورات الفارغة وعلب اليايورت وحفّاظات الأطفال..وأصبح الباعةُ الـجدد يرمون بقايا سلعهم الفاسدة في كلّ مكان، كما أصبح البنّاؤون والـمقاولون  الذين يتكاثرون يوما بعد آخر، يرمون الأنقاض والإسـمنت الـمسلّح والـحديد في مـجاري الأوديّة دون رقيب..عندها فلا لومَ على الطّبيعةِ التي يتواطأ الـجـميعُ على اغتصابـها،أن تكون لـها ردّة فعل.. يـجب أن تنتقم  وتثور على الفوضى التي تتسبّب في خنق رئَـتَـيْها -من خلال غلق الـمجاري والأوديّة التي تتنفّس منها-بأطنان القمامة والـموادّ البلاستيكيّة والإسـمنت والقطع الـحديديّة، وغيرها..  فتصبحُ أمطارها خطيرةً على الـمدن التي لا تـحترم معايير النّظافة والعـمران.. تـجرف الـمبانـي والسيّارات وتُـزهِـقُ الأرواحَ الكثيرة… أمّا عن الـمسؤولين الذين يَـغُضُّون الطَّرْفَ على فوضى الـعمران، ويُسَوُّون الوضعيّات السكنيّة للذين يبنون في الأوديّة والـمـجاري، ولا يهتـمّون لأمر التّهيئة العمرانيّة السّليمة في الـمدن التي يسيِّرونـها، ولا ينظِّفون البالوعات، ولا يـحاربون فوضى القمامات والـمفرغات، ولا يستشرفون الأحداث ويَسْتَـبِقُون الكوارث.. ثـمّ تراهم يوم الطوفان يُـجَـنِّدون الـجموع لإنقاذ الضّحايا ويـملؤون الشَّاشات بالتّصريـحات.. فهؤلاء ينطبق عليهم الـمثل الشّعبي: “كي دُووْدَتْ ناضتْ تَـنْدَبْ”،أو ” كي اتـّخَذْ شْرى مُكْحْلَـة”..والـخلاصةُ أنّنا اليومَ في حَاجَةٍ إلى سُيُولٍ جَارفَةٍ أقوى من “غسّالة النّوادر” لتنظيفِ كثيرٍ من الذّهنيّاتِ والعقولِ الـمُتَكَلِّسَةِ ثقافيّا وسيّاسيا، حتى لا تـجرفَ السيولُ مُدُنَنَا، وتزهقَ أرواحَ أبنائنا.

مقالات متشابهة