13 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
أراء

مَدْرَسَةٌ بمواصفات أُخْرى أو الكارثة

عندما شاهدتُ الفيديو الـخاص بتلاميذ يدرسون في متوسطة، يعتدون على مشرفة تربوية، بشكل دنـيء ومؤسف جدّا، وشاهدْتُ في الفيديو أيضا أشخاصا كباراً، يتقنون تصوير الـمشاهد الـمُخلّة بالأخلاق، ويتقنون نشرَها من أجل التّسليّة السّوداء، ولكنّهم لا يتقنون نـُصرةَ امرأةٍ حاملٍ يُعتدى عليها بوحشيّة في شهر الصيّام، ولا يتقنون إغاثة الـمظلوم، ولا يعرفون النّهي عن الـمنكر، ولا شيء عندهم اسمه الـمروءة ومكارم الأخلاق، ولا حُرمةَ عندهم للـمرأة والضّعيف!.. فضلاً على أن يعرفوا الـقيمةَ الرّمزيّة التي تُـمثِّلها الـمُشرفةُ التّربويّة، ومن ثـمّةَ القيمة الرّمزيّة للمدرسة!.. ولا يُدركون أنّ الذي يعتدي على مُربِّيةٍ أو مُعلِّمة أشنع من الذي يعتدي على والدته.. أيْقَنْتُ أنّ شعار “نَتْرَبَّاوْ قاع” مازال بعيد الـمنال.. وعندما شاهدتُ صُوَراً أخرى لِـمَدارِس حطَّم أثاثَها ومزّقَ سِجِلّاتـها التّلاميذ، في حالة من الـخراب كأنّـها شهدتْ زلزالاً أو قصفاً جويّاً رهيباً..تذكّرتُ عندما كنتُ صغيرا،وقد سألَنا مُعلِّمُنا على الـمهنة التي نفضِّل أن نـمتهنها في الـمستقبل، فكان اختيار الأغلبيّة منّا أن يكون “مُعَلِّماً”!.. كان ذلك من أجل القيمة الرمزيّة الكبيرة التي يـمثّلها الـمُعَلِّم-ومن ورائه الـمدرسة- بالنّسبة إلينا، وبالنسبة إلى أوليائنا على حدٍّ سواء..

وعندما حاولْتُ أنْ أجيب على السّؤال: ما الذي تغيَّر اليوم حتّى تُـهانَ مُشرفةٌ تربويّةٌ بـهذه النّذالة، من قِبَلِ التّلاميذ، أمام النّاس، ولا أحد يُـحرِّك ساكناً؟ تذكّرتُ قصّةً سوداءَ رواها أحدُ الوزراء السّابقين في حصّة نقاش شاهدتُـها في الأيّام الـماضيّة، بإحدى القنوات الوطنيّة، حيث قال: في أحد اجتماعات الـحكومة التي عُرِضَتْ فيها نتائج البكالوريا، عَرَضَ وزيرُ التربية نتائج البكالوريا في الثّانويّات عبر التّراب الوطني فكانت نسبة النّجاح48 % ، بينما عرض وزير العدل نتائج البكالوريا في السجون فكانت نسبة النّجاح97%!.. أردف الوزيرُ مُعَلِّقاً على هذه الـحصيلة العلـميّة الغريبة: فَصِرَنا بعدَها نتبادل النكتة التّالية: “إما أن نأخُذَ جـميعَ التّلاميذ إلى السجون لكي يتحسّن مستواهم، أو نأخذ وزير التربيّة إلى السجن!..”  في مقابل هذه النّكتة السّوداء، التي تُـحيل على تَدَهْورٍ رهيبٍ للقيمة الرّمزيّة للـمدرسة حتّى عند الـمسؤولين، تذكّرتُ دراسةً قرأتـُها منذ سنوات مفادها أنّ الأمريكيّين يستشرفون عدد السّجون التي سيَـبْنُونَـها بإحصاء عدد الأطفال الأمريكيين الذين لا يقرأون! وهم يرفعون دائماً شعاراً مفاده أنّ بناء مدرسة هو غلق بناء سجن!..وعند ذلك وجدْتُ تبرير دراسةٍ أخرى قرأتُـها،استقاها صاحبُها من الـمحاكم الـجزائريّة، مُلـخّصها أن كثيرا من مرتكبي الـجرائم الـخطيرة، تتراوح أعمارهم بين:18و19 و20 سنة، كـما أنّ هناك أعداداً غير طبيعيّة من الأشخاص القصر الذين يرتكبون الـجرائم!.. عندها قلت: ماذا يـمكننا أن ننتظر في الواقع، إذا عرفنا أن بعض التّقارير تشير إلى أن ربع مليون تلميذ يغادرون الـمدارس من الطور الابتدائي؟!..إذا استمرّ هذا الاستهتار بالقيمة الرّمزيّة للـمدرسة، نـخشى أن يصبح عددُ مؤسّسات إعادة التّربيّة في بلادنا موازياً لعدد الـمدارس!..

مقالات متشابهة