18 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

بومدين كان يريد بناء مؤسسات الدولة أولا!

* وبعض من الطلبة المعارضين من هاجر الى الضفة الأخرى؟

كثير من هؤلاء كانوا خريجي جامعة ألمانية الشرقية فعادوا إلى هناك، وانقسمت الهيئة الإدارية للاتحاد التي كانت تعرف بالـ 31 إلى قسمين: القسم الأول والمتكون من حوالي 19 عضوا منهم من هاجر بسبب معارضته للانقلاب وأصبحوا ينشرون المقالات والمناشير المعارضة من المهجر، وكنا لا نعرف إن كان آخرون منهم في السجن بالجزائر غير الأخ موفق الهواري الذي سلمه المغرب، وبقينا حوالي 12 عضوا من أصل 31 عضوا من الهيئة الإدارية لاتحاد الطلبة الجزائريين، واجتمعنا بالجزائر قبيل أول نوفمبر بأيام قليلة، اتفقنا بموجب هذا الاجتماع على أننا الجهة الشرعية الممثلة لاتحاد الطلبة، وكنا أمام خيارين: إما أن نستقيل جماعيا ويذهب كل منا لجامعته، وإما أن نحفظ هذه الشرعية لنسلمها الى طلاب شرعيين، وكنا نحرص على عقد المؤتمر السابع الذي كنا ننوي أن نشرف عليه وندعو فيه جميع الفئات المشاركة في المؤتمرات السابقة بجميع اتجاهاتها.

* .. وهل كان يحمل المؤتمر تزكية لواقع الانقلاب؟

لا، نحن كنا ننوي أن نسلم قيادة الاتحاد الى قيادة شرعية، لكن مع الأسف هذا لم يكن من رأي الطقم الجديد الذي جاء لجبهة التحرير، فكانوا يريدون منا أن نصبح هيئة للخدمات تمثل الشرعية وتمتثل لأوامرهم، وهذا ما جعلنا نختلف معهم اختلافا شديدا، ثم فضلنا أن يستقيل كل منا بطريقته، على أن نعمل تحت هيمنة جماعة لم تكن تمثل الشرعية الأصلية، واندحر الاتحاد وبقيت الجامعة الجزائرية تشهد تشهد مظاهرات للطلبة، حتى أنه في ماي 1968 بينما كان الطلبة الفرنسيون يحاولون إسقاط ديغول بثورة شعبية، كنا نحن في قصر زيغود يوسف مجتمعين في أول لجنة وطنية للشباب، وكان يرأسها الصديق كريم بن محمود الذي كان وزيرا للشباب، وأنا كنت حينها أستاذا في ثانوية عمارة رشيد، ودعيت لحضور اللجنة.

* دكتور بعد التصحيح الثوري، تمكن الرئيس الراحل هواري بومدين من السيطرة على الوضع، ودخلت الجزائر مرحلة أخرى من الحكم بعد الاستقلال، ومن أهم ملامح هذه المرحلة هي دور حزب جبهة التحرير الوطني، وكنت عبرت عنها في كتابك “جبهة التحرير بعد بومدين” بقولك إنه وضعها في الثلاجة لأكثر من 13 سنة، يعني كيف كانت فلسفة الرئيس بومدين في التعامل مع جبهة التحرير الوطني؟

أولا الرئيس بومدين قام بحل كل المؤسسات، أولها البرلمان الذي كان في وقت الرئيس بن بلة، ووضع على رأس حزب جبهة التحرير الوطني في البداية ما يسمى بـ”الأمانة التنفيذية لجبهة التحرير الوطني” وكانت تضم مجموعة من القياديين والمجاهدين على غرار المجاهد يوسف الخطيب، وصالح بوبنيدر برئاسة المرحوم شريف بلقاسم، وذلك على أساس أن هذه الأمانة هي التي ستتكفل بتجديد الحزب.

*.. لكن ركنوا جانبا؟

لا.. في الأول وجدت الأمانة لغرض تجديد الحزب، لكن الرئيس بومدين لم يكن يريد حزبا في تلك الفترة.

* الواضح أنه لم يكن يؤمن بالنضال الحزبي؟

لا.. كان يؤمن، لكن كانت فلسفته أن يبدأ بمؤسسات الدولة، وقال “أنا أبني مؤسسات الدولة قبل الحزب، وليشهد علي التاريخ”.

* يعني كان في نيته أن يستكمل بناء مؤسسات الدولة، ثم يلتفت بعد ذلك لبناء هياكل الحزب؟

تماما، فبعد أن أكمل بناء المجالس الشعبية التي كانت تمثل مؤسسات الدولة عنده، قام باستقبال مديري الجرائد التي كانت قائمة في ذلك الوقت، فتجرأ أحد الحاضرين وسأله لماذا أخرت تأسيس المجلس الشعبي الوطني؟
فقال الرئيس بومدين: كيف كنت أضمن أن أمرر مشاريع الثورة الزراعية، وأن أمرر تأميم الأشياء التي أممناها لو كان عندي برلمان؟ فكان في ذهن بومدين أن هذه المشاريع كان من الممكن أن تعوق، وبعد أن استكمل إنشاء مؤسسات الاتجاه الاشتراكي أصبح يتصور أنه سيمر إلى مرحلة بناء الحزب، وفي الحقيقة كان بومدين يملك من الأخلاق ومن الجدية والواقعية في المعاملة والحضور السياسي، فمن جملة نقاط القوة لدى الرئيس الراحل هو أنه كان دائم الحضور بخطابه الذي كان يجند الشعب ويعطي مادة للمناضلين والصحفيين، فلو كان غائبا لعم الجمود، وكان بومدين كلما أراد أن يبدي رأيا أو أن يهاجم اتجاها أو يتحفظ على شيء يطلب من مسؤول حزب جبهة التحرير أن يجمع له إطارات من جبهة التحرير ويخطب بحضورهم في مدرج زيغود يوسف، رغم أن الحزب كان مجمدا في تلك الفترة.

* يعني دكتور طيلة 13 سنة كان دور الحزب ينحصر في ملء القاعات لخطاب الرئيس بومدين؟

هذه الفترة الأولى للأمانة التنفيذية في عهد الأخ جمال شريف بلقاسم، وبعدما حلت هذه الأمانة، قام مجلس الثورة بتعيين المرحوم القايد أحمد وسماه مسؤول جهاز الحزب، والمعروف في جيلنا وجيل من سبقونا أن ذلك كان نكتة الجهاز، حيث لم يكن الحزب موجودا في تلك الفترة، ولكن القايد أحمد بطريقته الديناميكية وتحركاته كان يوهم الناس بوجود حزب، وعندما أعلنت الثورة الزراعية كان القايد أحمد معارضا لبومدين فيها، بينما كانت هذه الثورة بالنسبة للرئيس بومدين شيئا مقدسا، ولا يسمح لأحد بأن يكون ضدها.

* لكن الثورة الزراعية خلقت لبومدين الكثير من الخصومات في تلك الفترة؟

فعلا، حتى أنه بدأ الوجود السياسي للرئيس بومدين يهتز تاريخيا، بعد ما بدا على الثورة الزراعية الفشل.

يتبع
تفريغ: مصطفى. ب

مقالات متشابهة