18 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات وطني

السودان … التجربة المظلومة والجهود المحاصرة

وقبل أن نفرد لاختيار الانقلاب العسكري كوسيلة للوصول إلى السلطة والنجاح في ذلك، رغم أن طريقة الإخوان المسلمين لا تحبذ هذا الخيار، فإننا سنتحدث عن المقاربة المتجددة التي راهنت عليها الحركة الإسلامية في السودان، وتمثل إضافة نوعية في ممارسات الحركة الإسلامية في غير السودان، على اعتبار عتبة النجاح التي تحققت في النموذج السوداني.

وقد أبدع مختار الشنقيطي في كتابه “الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الإستراتيجي والتنظيمي” في وصف فهم القيادة السودانية لمعيار الزمان والمكان بالقول: إن كتابات قادة الحركة الإسلامية في السودان تدل على وعي عميق بالزمان والمكان، وقد قدم الدكتور الترابي مقولات منهجية أساسية في هذا المضمار، من خلال حديثه عن الدين والتدين، والمثال والواقع، وسنة المدافعة، وتجدد الابتلاءات، وركوب متن حركة التاريخ، واستثارة فطرة الخير، وتناسخ المبادئ، والانتقال من المبادئ إلى البرامج.. وغير ذلك من مقولات ومفاهيم لا تخطئ عين الناظر الواعي أهميتها وحيويتها، وحاجة الفكر الإسلامي والعمل الإسلامي إلى استيعابها.

وقد عد الترابي الوعي بالزمان والمكان من أهم العوامل في نجاح الحركة السودانية فقال: “الذي يسر للحركة الإسلامية في السودان أن تنمو باطراد، هو أنها أسست وتطورت على وعي بتاريخها، وإذا تمكن الوعي بالتاريخ، يصبح التجديد نتيجة تلقائية”، ثم عطف على ذلك مبينا الآثار المنهجية السلبية لفقدان الإحساس بالزمان والمكان لدى المسلمين المعاصرين، فقال: “إن الذي أصاب المسلمين – بالرغم من أن الدين يشدهم إلى حركة اليوم والليلة والشهر والسنة بالعبادات وبنظام المسؤولية الدينية عن كل لحظة – هو الغفلة عن التاريخ، فأصبحوا لا يتجددون، لأنهم لا يدركون حركة التاريخ المتقلبة بصروفها وظروفها، وأصبحوا يحسبون الفكر البشري – أقصد الكسب الاجتهادي للمسلمين – ممتدا في الزمان والمكان، ونزعوا الشرع – وهو تنزل القيم والأحكام على واقع حركي في العهد السني – جردوه من هذه الواقعية، ونصبوه صورا خارج الزمان والمكان، ولذلك فهم لا يستشعرون المفارقة بين كسبهم التاريخي وبين حوَلان الظروف وتغيرها، ومن ثم فهم لا يستجيبون للأزمة بأي محاولة للتجدد في التدين والعمل والفكر والحركة”. ومع هذا الوعي بالزمان، كان الوعي بالمكان لدى قادة الحركة السودانية واضحا، وقد عبر عنه الترابي بقوله: “كنا دائما نحاول قراءة الواقع، واستكشاف سياقاته ومصائره … وكذلك نركب متن حركة التاريخ، ونوجهها وجهة دينية”، “من فضل الله على حركتنا في السودان، أننا نبذل جهدا كبيرا في استقراء واقعنا، لتحديد متطلباته، وتقدير مساراته المحتملة، للاستعداد لها، وسبْق منافسينا الذين تربكهم التطورات الظرفية، ويثقل عليهم التفاعل معها بسرعة”، “كان عندنا وعي بما حولنا، بوضعنا في التاريخ”.

وفي تشخيص الدكتور الترابي لأدواء الحركات الإسلامية المعاصرة، وأسباب التعثر في مسيرتها لخص السبب في أن ” فقه المبدإ لديها أنضج من فقه المنهج والتنظيم”، وهي خلاصة دقيقة، تضع اليد على عمق الداء في جملة واحدة، فالحركات الإسلامية تعرف “ماذا” لكنها لا تعرف “كيف”، تعرف الغاية، لكنها تهمل الوسيلة تعرف ما لا تريد أكثر مما تعرف ما تريد “ينصب اهتمامها على إبطال الباطل، لا على إحقاق الحق”، كما يقول الترابي نفسه.

  • أهمية القوى النوعية في المقاربة السودانية:

ويشير غراهام فولر: أن الحركة الإسلامية في السودان كانت أُولى الحركات الإسلامية انتباها إلى أهمية القوى النوعية المتحكمة في المجتمع، والتي تحول بين الشعوب وبين الحياة الإسلامية، وتئد كل جهد في هذا السبيل، والمراد بالقوة النوعية هنا الجيش والمال والإعلام، فلم يعد خافيا اليوم أن الشعوب الإسلامية حسمت خيارها دون لبس لصالح النظام الإسلامي والحركات الإسلامية، لكن النخب التي سلمها الاستعمار مقاليد السلطة لا تزال تقف عائقا دون وضع هذا الخيار موضع التنفيذ، لكن الحركة الإسلامية في السودان لم تقبل تلك البلادة الفكرية والبلاهة السياسية، فأخذت العبرة من غيرها، وقررت الأخذ بقوة، وبنت قوة نوعية دون إهمال للحشد الكمي، واستطاعت الوصول إلى السلطة ” من خلال التأثير على مراكز القوة في مجتمعها”.

فقد انطلقت الحركة من تقييم موضوعي للقوى الاجتماعية السائدة، فأدركت أن قوى التدين التقليدي تمثل مددا إستراتيجيا لها، رغم ما في تدينها من دخن، باعتبار أن الزمن كفيل بإزالة تلك الشوائب، كما أدركت سطحية الفكرة العلمانية في نفوس الشباب المسلم الذي اعتنقها، وسهولة تخليصه منها بشيء من الترفق والتدرج والتفاعل، وهو ما يشرحه الترابي في وثيقة “الحركة الإسلامية القومية” بقوله: “لعل العناصر العلمانية عن إديولوجية والتزام [عقائدي] قلة في صفوف الأحزاب التقليدية، وإنما هو الجهل بشمول الدين، والغفلة عن مقتضاه السياسي، في مجتمع انفصل فيه الدين عن السياسة تاريخا، وشاعت فيه الثقافة الغربية التي تكرس ذلك الفصل، أما ظاهرة الميل لليسار عند بعض المثقفين، فإنما طرأت في سياق معارضة الإمبريالية الغربية، وفي حال الانقطاع الثقافي عن الأصول الإسلامية التي كانت حَرِيَّة بأن تزودهم فكريا للمعارضة، ولكنهم بعد الاستقلال بدأوا يستعيدون أصالتهم ويستغنون بها، حتى أصبح الاتجاه السائد في معاهد العلم هو الاتجاه الإسلامي، وثاب كثير من منحرفة المثقفين فكرا وعملا إلى معاني التدين والاستقامة، وسيثوب جلهم ويلتزم متى توثقت معرفتهم بالإسلام”، ثم يبين فلسفة الحركة في هذا الشأن، وهي فلسلفة تطبعها الإيجابية والتفاؤل، فيقول: “رفضنا أن نكون حركة إلى جانب المجتمع، نعتزله ونتعامل معه بالجدل والمناظرات، وإنما أردنا أن نكون نحن حركة المجتمع ذاته، ندخل في سياقه، ونقاوم ما فيه من شر، ونبني على ما فيه من خير”.

يقول الترابي: “أخذت الحركة أيضا شيئا من منهج التنظيم والحركة من مصدر قد يكون غريبا، وهو الحركة الشيوعية – التي كانت غالبة في الأوساط الطلابية، وصاعدة في الوسط الحديث عامة – لا سيما أن بعض العناصر التي أسست الحركة الإسلامية مرت قبلها بالحركة الشيوعية، فاستفادت شيئا من تجاربها التنظيمية في بناء الخلايا السرية وتربية العناصر الحركية”، ولذلك استعارت الحركة الإسلامية من الحركة الشيوعية – إضافة إلى بناء الخلايا وتربية العناصر – أفكارا تنظيمية واستراتيجية أساسية، منها فكرة “التنظيم الموازي”، وهي فكرة طبقها الشيوعيون السودانيون من خلال تعبئة جماهير عريضة وقوى سياسية متباينة وراء مطالبهم في شكل “جبهة وطنية”، مع احتفاظهم بتنظيمهم السري موازيا لها ومسيطرا عليها، وهو ما فعلته الحركة الإسلامية حين اضطرها النضال السياسي إلى العمل ضمن جبهات، مثل “جبهة الميثاق الإسلامي” – وهي تحالف عريض شكلته الحركة مع شركاء آخرين بهدف استصدار دستور إسلامي في الستينات – و”الجبهة الإسلامية القومية” آخر الأحزاب السياسية التي عملت الحركة من خلالها في الثمانينات، ومما أخذته الحركة عن الشيوعيين فكرة “تعدد الواجهات” التي برع فيها الشيوعيون السودانيون، ونجحوا من خلالها في التعبير عن أنفسهم بحجم سياسي أكبر من واقعهم الفعلي، ومنها الحضور النقابات المهنية، وتوظيف ذلك الحضور في بعض المواقف السياسية، وقد تجلت هذه التكتيكات في طريقة تعامل الشيوعيين مع الثورة الشعبية التي أطاحت بسلطة الجنرال عبود، حيث ” احتوى الشيوعيون الثورة، وملأوا الفراغ السياسي عبر تكوين اتحادات نقابات [متعددة] بصورة ذكية هنا وهناك، سيطروا بها على “جبهة الهيئات” التي كان للشيوعيين في لجنتها التنفيذية 11 عضوا من أصل 15، كما أصبح لليسار عامة 8 وزراء في حكومة سر الختم الخليفة [المدنية المؤقتة التي خلفت الجنرال عبود] بينما كان حظ الإسلاميين وزيرا واحدا هو محمد صالح عمر، توج على وزارة الثروة الحيوانية، أقل الوزارات أهمية في ظروف الثورة”، ولكن سرعان ما أخذت الحركة هذه المناورات عن الحزب الشيوعي السوداني، واستعملتها ضده، حتى قوضته بوسائله، وقضت عليه بسلاحه، حيث ” كان للإخوان دور بارز في تصفية “جبهة الهيئات” بذات الأسلوب الذكي الذي كون به الشيوعيون عددا من الهيئات سيطروا بها على “جبهة الهيئات”. استطاع الإخوان بالتعاون مع الإسلاميين [المستقلين] – باكر كرار وميرغني النصري – تكوين العديد من الهيئات والمنظمات، قوضوا بها الجبهة من الداخل بعد أن خرجت من أيديهم”. ويبدو أن الإسلاميين السودانيين طبقوا فكرة “تعدد الواجهات” في تأسيسهم لجبهة الميثاق الإسلامي من قبل: فقد أورد الأستاذ مكي أسماء ست عشرة هيئة حضرت الاجتماع التأسيسي للجبهة (10- 11/12/1955 )، ثم علّق بقوله: ” ومن الواضح أن معظم هذه المسميات عبارة عن كيانات إخوانية”.

 

حل إشكالية النخبة والجماهير في سياق التربية والتكوين:

ومن جهة أخرى، فقد أدركت الحركة أن من واجبها توسيع نطاق قاعدتها الشعبية وكمها العددي، لكي تستطيع منازلة الأحزاب والحركات السياسية الأخرى، لكن إشكالا تنظيميا كان يفرض نفسه كلما تبنت الحركة هذا الخيار، وهو إشكال الازدواجية القيادية والتنظيمية، وقد استطاعت الحركة التغلب على ذلك من خلال الفصل بين القيادة السياسية والقيادة الإدارية، يشرح لنا حسن مكي ذلك من خلال مثال “جبهة الميثاق الإسلامي” في الستينات، فيقول: “لما كانت مقاييس حركة الإخوان مقاييس صفوة، وحركة “جبهة الميثاق” حركة جماهيرية واسعة توجهت لكل المتعاطفين دون تقييدهم بقيود التنظيم الخاص، أحدث ذلك ربكة من الذين لا عهد لهم بحركات الجماهير، مما حرك روح المحافظة على التنظيم من تحدي الهجمة الجماهيرية الجديدة، فكان هنا أن تمت تسوية داخلية، انتهت بأن يعالج حسن الترابي أمر الحركة الجماهيرية (السياسة)، وأن يتوفر أخ لقيادة التنظيم الداخلي، ووقع العبء على مالك بدري، ولكن ما لبث أن سافر هذا الأخير إلى بيروت، فخلفه محمد صالح عمر”، وفي مرحلة تالية – أيام “الجبهة الإسلامية القومية” – يصف لنا الدكتور عبد الوهاب الأفندي استراتيجية الفصل والوصل في شكلها الجديد، فيقول: “لقد قسم المكتب التنفيذي القديم إلى هيئتين: مكتب سياسي ومكتب إداري يقود كلا منهما قائد مسؤول أمام الأمين العام، وبينما كان المكتب السياسي يتعامل مع القضايا السياسية العامة، كان المكتب الإداري مسؤولا عن الإدارة اليومية للحركة (العضوية، التمويل، الاكتساب … إلخ . ومن أجل تحرير وجوه الحركة المشهورين من عبء إدارتها، تولى نشطاء من الشباب المغمور هذه المهمة”، وبهذا نجحت الحركة في الإبقاء على هيكلها التنظيمي السري قائما، وهي تعمل من خلال جبهة جماهيرية علنية، كما نجحت في تفريغ القيادة العليا للمهمات الإستراتيجية، وفرغت أهل كل شأن لشأنهم.

ولتجسيد هذه الخيارات أقدمت الحركة على تبني خيار الفصل بين التربية والتكوين أيضا، نظرا لما رأته من تمايز بين الأمرين، وهو تمايز يمكن إجماله في الأمور التالية:

  1. أن مهمة التربية أخلاقية مبدئية، وهي “تعزيز الصبر والاستقامة في حال الاستضعاف والتمكين”، بينما مهمة التكوين منهجية عملية، وهي “التأطير المهني للأعضاء”، فهدف التربية هو الالتزام، وهدف التكوين هو الفاعلية.
  2. أن التربية موجهة إلى عموم المجتمع، وليست مقصورة على أعضاء الحركة، بينما التكوين يتجه إلى الأعضاء الذين ثبت ولاؤهم حصرا.
  3. أن للتربية وظيفة اكتسابية – أو هكذا ينبغي أن تكون – بينما التكوين لا يهدف إلى اكتساب أعضاء جدد بشكل مباشر.
  4. أن للتربية وظيفة دعوية تهدف إلى زيادة مساحة الخير والفضيلة في نفوس أفراد المجتمع، حتى ولو لم ينضموا إلى الحركة، بينما التكوين يقتصر على تعميق خبرة الأعضاء.
  5. أن مضمون التربية يتعلق بالفضائل الإسلامية العامة، وزيادة العلم الشرعي لدى السامعين، وتعميق التزامهم بالإسلام، بينما يركز مضمون التكوين على الخبرات السياسية والإدارية والفنية التي يحتاجها العضو العامل في مسيرته.

وبناء على هذه الفروق، تبنت الحركة الإسلامية في السودان ثلاثة ضوابط في تربية أعضائها: شمولها وإيجابيتها منهجا، وانفتاحها وعمومها إطارا، وحريتها ومرونتها فلسفة”.

وباختصار فإن الحركة “خرجت بتربية أعضائها نحو مشاركة المجتمع لتنفع وتنتفع بالتفاعل”، ومن هذه المنافع لأعضاء الحركة “أن تكون ثقافتهم متفاعلة مؤثرة في تيار الثقافة العامة بالبلاد، ولتكون الشعائر في جماعات أكبر، وذلك أفضل حكما، وأدعى للتعريف بالجماعة، ولتعزيز مكانتها وإمامتها للمجتمع”. وقد أفاد هذا الفصل الوظيفتين معا: فاتسعت التربية وأدت مفعولها في المجتمع باعتماد على منهج الترفق والتدرج والاستيعاب في التعامل مع القوى الاجتماعية المختلفة، فلم تفقد الثقة بالجماهير، ولم تقف منها موقف عداء واستعلاء. وكانت عملية في صلتها بالمجتمع، فتبنَّت فلسفة تحريك كوامن الخير في المجتمع وتشجيعها مهما لابسها من غبش، والوقوف في وجه الشر وحرمانه من فراغ يتمكن فيه، وتم تأمين التدريب الفني وحصره في أهله.

مقالات متشابهة