5 يوليو، 2020
الحوار الجزائرية
وطني

هناك إعلاميون يساقون للمحاكم بتهمة تبييض الإرهاب لمجرد تطرقهم إلى حقيقة ما حدث ويحدث في تونس

 تَعتبِرُ الإعلامية التونسية مبروكة خذير أن صحافة الاستقصاء في تونس من المجالات التي انفتحت على مصراعيها عقب الثورة، مستفيدة من حرية التعبير التي أفرزتها هذه الأخيرة. وتؤكد مبروكة في حوارنا معها على أن هذا التخصص هو سلاح في وجه الفساد المستشري في البلاد بشهادة الكثيرين، كما أن صحافة الاستقصاء من وجهة نظرها مازالت تُمارس من قبل صحافيين بمبادرات خاصة ومحاولات معزولة لذا وجب على المؤسسات الإعلامية أن تخصص لها فضاءً أوسع لكي يكون تأثيرها أعمق.

  • كيف تصفين تجربة عملك مع الفضائية الألمانية دويتشه فيله (Deutsche Welle)، وما الذي أضافته هذه التجربة لرصيدك؟

قناة “دي دبليو” الألمانية أضافت لي الكثير، بل يعود لها الفضل في تكويني في مجال الكاميرا والمونتاج. ودخولي عالم الإنتاج والإخراج نابع عن المعرفة بآليات التصوير والمونتاج. تعلمت التصوير والمونتاج في ألمانيا من خلال دورات تدريبية متلاحقة نظمتها قناة “دي دبليو” التي كانت تسعى عن تكوين مراسلين لها في العالم العربي. حيث تتلمذت على يد خيرة المصورين هناك، ومن ثم طورت قدراتي بالعمل الميداني، وبالمثابرة و بذل الجهد في الاستفادة من المحيطين بي من مصورين محترفين و مختصين في مجال المونتاج.

اشتغلت لعشر سنوات متلاحقة كمراسلة للقناة ولازلت مراسلة لقناة ذاتها من تونس. في البداية اشتغلت لوحدي سنوات في إنتاج تقارير إخبارية للقناة أديت حينها دور المصور والمنتج والمركب والصحافي، وهو مفهوم الصحفي الشامل الذي يعتمد عليه في إنجاز تقارير إخبارية. فيما بعد فتحتُ مكتبا للإنتاج وتعاونت مع العديد من القنوات الأجنبية في إنتاج تقارير مطولة و أفلام طويلة منها قناة “ARTE”.

ودخلت عالم الاخراج بعد أن تبعت بالآليات التقنية والضوابط المهنية لذلك فأخرجت في السنتين الأخيرتين بالتعاون مع شقيقتي المخرجة فتحية خذير، فيلمين الأول طويل وهو فيلم تاريخي بعنوان «تراجيديا دولة الاستقلال ويتحدث عن محاولة الانقلاب علي الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في 1962، والثاني فيلم وثائقي قصير بعنوان «أحفاد العبيد» ويتحدث عن التمييز العنصري في تونس، وقد تحصل على جائزة العمل المتكامل في مهرجان “تطوان” الدولي لسينما الحب و السلام في المغرب.

ولكن أنا إعلامية بالأساس ومهنة الصحافة هي التي تستهويني، وهي في الحقيقة من يلهمني في إخراج أفلامي الوثائقية لذلك اخترت المجال الوظائفي، ففيه مزيج من السينما والإعلام والبحث عن المعلومة وتوثيق الواقع بأسلوب سينمائي وفني.

  • بالموازاة مع ذلك تشتغلين كصحفية استقصائية مع عدة منابر إعلامية معروفة على غرار جريدة “إنكيفادا” التونسية وشبكة “أريج” وموقع “مراسلون”، ما سر ميولك لهذا التخصص دون غيره؟

الصحافة الاستقصائية متعة، بل هي صحافة جودة، وهي صحافة البحث عن الحقيقة، وغايها نبيلة، وهي تغيير الواقع ومحاربة الفساد في عالمنا العربي الذي يعج بالملفات التي يمكن أن يكشف الفساد فيها تحقيقات صحافية يمكن أن تغير ولو قليلا الواقع المرير الذي نعيشه.

صحافة الاستقصاء في تونس باب جديد ومجال انفتح على مصراعية بعد الثورة ليستفيد من حرية التعبير التي اكتسبناها عقب الثورة التونسية. إنها صحافة تحتاج جهدا بحثيا وطول نفس وتضحية، وأنا عادة ما أميل إلى المجالات الصعبة ولا يُرضي طموحي مجرد نقل الأخبار اليومية الجافة. ففي عملنا اليومي نعيش تجارب مختلفة ونوثق قصصا كثيرة فيها ظلم وحيف اجتماعي وفيها استغلال نفوذ ورشوة وغيرها من مظاهر الفساد العديدة في تونس. وهذا الفساد يبعدنا عن طموحنا المتعلق بالديمقراطية، وهو فساد نخسر به نقاط نمو كثيرة، والفساد يستشري في مفاصل كل القطاعات حتى في قطاع الإعلام نفسه، لذلك فإن الاستقصاء و كشف الملفات والفاسدين سيساهم في الحد منه.

صحافة الاستقصاء تستهويني كثيرا، وقد دخلت غمارها من الباب الكبير واستفدت من دورات تدريبية عديدة في هذا المجال، كما اشتغلت مع موقع “انكفادا” الذي يعد رائدا في هذا الصنف من صحافة الجودة، وكذا موقع “مراسلون”، و كذلك أنا في تعاون مستمر مع شبكة “أريج” للصحافة الاستقصائية، فقد أنتجت لـ”أريج” تحقيقين مصورين بالتعاون مع الزميلة مريم الناصري التي أنتجَت لها فيلما عن التعذيب في السجون التونسية، والزميلة نجوي الهمامي التي أنتجت بدورها فيلما استقصائيا عن فاقدي الهوية.

صحافة الاستقصاء مجال مازال يتطور يوما بعد يوم في تونس، ويحتاج إلى أن يصبح أكثر نجاعة وفاعلية، ووجبنا كصحافيين التركيز على هذا الصنف من الإعلام الجاد والابتعاد عن تقديم الأخبار الجافة المجردة. علينا إنجاز تحقيقات جادة حتى نستطيع أن نثبت للمتلقي أن الإعلام في تونس قاطرة تغيير، وحتى تتغير النظرة الدونية للإعلام والإعلاميين في تونس. وبطبيعة الحال صحافة الاستقصاء تحتاج إلى الشجاعة والإصرار لكشف الحقيقة. أنا متأكدة أن صحافة الاستقصاء إذا ما أقدم عليها الصحافيون في تونس فستنجح في أن تجعل منا كإعلاميين قادة رأي عام قادرين علي تغيير الواقع. إنها على حد اعتباري سلاح في وجه الفساد المستشري في البلاد بشهادة الكثيرين. لكن لا ننكر أن صحافة الاستقصاء في تونس مازالت تمارس من قبل صحافيين بمبادرات خاصة وليست توجها تعتمده مؤسسات اعلامية تونسية، لذلك تظل التحقيقات منحصرة في بعض المحاولات المعزولة دون إيمان يدعمها من قبل المؤسسة الاعلامية نفسها. وهذه المحاولات المعزولة تستحق التشجيع، لكن طموحنا هو أن تكون صحافة الجودة خطا تحريريا في مؤسساتنا الإعلامية لأن تأثيرها سيكون أعمق. ويبقى الهدف من صحافة الاستقصاء هو تغيير الواقع، وهذا الواقع لن يتغير بسهولة اذا ما كانت التحقيقات تنحصر على عمل بعض من الصحافيين في تونس دون غيرهم.

  • يشهد قطاع الإعلام في تونس بعد الثورة تحوّلات عديدة وحاسمة على كل المستويات، كيف تقيمين سقف حرية التعبير في ظل الوضع الراهن؟

إن كان من مكسب لثورة الحرية والكرامة والتشغيل فهو حرية التعبير لا غير. فتونس مازالت تعاني الكثير من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لكن سقف الحريات فيها مازال عاليا حتى إن وُجدت محاولات للرجوع به إلى الوراء، و برأيي بإمكاننا الاستفادة من سقف حرية التعبير العالي نسبيا مقارنة بالعديد من الدول العربية الأخرى. وأنا كثيرا ما أقول إنه يكفي أننا قد تخلصنا من التضييق في داخلنا ولم نعد نضع لأنفسنا حدودا وخطوطا حمراء. هناك حرية تعبير ولكن مع ممارسات معزولة تريد إرجاع الاعلاميين إلى بيت الطاعة أو تجبرهم على خدمة مصالح سياسية أو اقتصادية لأرباب السياسة ورجال الاعمال.

هذه الممارسات تتجلى بشكل واضح من خلال تكالب بعض السياسيين ورجال الاعمال النافذين على شراء وسائل الاعلام لخدمة مصالح ضيقة. واذا عرفنا مثلا أن السلطة الرسمية كثيرا مع تعتمد سياسة التعيينات الفوقية للمشرفين على وسائل الاعلام العمومية دون العودة الى هياكل القطاع. هناك ملفات فساد تتعلق بأرباب مؤسسات إعلامية وهذا يمس بمصداقية الصحافي وقيمته لدى الرأي العام التونسي، وهناك إعلاميون في تونس يساقون اليوم للمحاكم بتهمة تبييض الإرهاب لمجرد تطرقهم إلى مواضيع تهتم بالإرهاب وجذوره وأسبابه وما يحيط به من أحداث.

حاورها: سمير تملولت       

الجــزء الأول:

يتبع..

 

مقالات متشابهة