25 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
وطني

المولود الحافظي.. تعقيدات الفقه وعوالم الفلك

في سنة 1932، تم الإعلان عن ميلاد جمعية جديدة سميت (جمعية علماء السنة الجزائريين)، بقيادة الشيخ المولود الحافظي، عضو مجلس المستشارين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يوم تأسيسها، وقد جاء ميلاد جمعية (علماء السنة الجزائريين) بعد الجمعية العامة الثانية لجمعية العلماء، التي نتج عنها خروج أغلب أعضاء مجلس المستشارين، وأغلب أعضاء لجنة العمل الدائمة، وهم الذين اتجهوا لتأسيس جمعية أخرى تمثلهم، اختاروا أن تكون تسميتها (جمعية علماء السنة الجزائريين).

ويعتبر الشيخ المولود الحافظي، صاحب فكرة وقيادة (جمعية علماء السنة الجزائريين) التي سرعان ما دخلت في منافسة مع جمعية العلماء المسلمين، لتأخذ الأحداث تطورا تصاعديا وتتحول إلى صراع مرير تجلى في الكثير من المظاهر العنيفة، واتخذت من الوسائل الإعلامية الأداة المهمة في هذا الصراع، وإن أثمرت إنجازات إعلامية مهمة (تحتاج إلى الكثير من البحث والدراسة، في سياق تراكم الممارسة الإعلامية الجزائرية في التاريخ)، لتصنع الكثير من المفاهيم والتصورات والسلوكات، التي لا تزال تؤطر علاقة المشهد الديني الجزائري إلى غاية اليوم.

فالشيخ المولود الحافظي، بالرغم من فقدانه للمساحة المناسبة في الذاكرة الوطنية، إلا أنه شخصية قوية، استطاع وبسرعة إنجاز مشروع منافس لجمعية العلماء، فهو العالم الذي تمكن من الحصول على مرتبة علمية رفيعة في الأزهر الشريف، بعد مكوثه فيه أكثر من عشرين عاما، ليصبح رقما من أرقام علماء الأزهر، ويتفوق في إتقان الكثير من العلوم الدينية، ويتميز عن أقرانه بتفوقه في علوم الفلك والفضاء.

وقبلها كان الشيخ المولود الحافظي، قد حفظ القرآن الكريم مبكرا وأتقن العلوم الشرعية في مسقط رأسه، بمدينة بني ورتيلان، ودخل المدرسة لتعلم اللغة الفرنسية فأتقنها، ليسافر إلى تونس، وهناك انتظم في سلك الطلبة بجامع الزيتونة، لينقل بعدها إلى مصر فانضم إلى طلبة المغرب العربي بالأزهر، وبرع في العلوم، خاصة علوم الفلك إلى درجة أنه أصبح مرجعا لأهل العلم فيما يواجههم من معضلات فيه، لينال شهادة العالمية من الأزهر.

وفي سنة 1918، عاد الشيخ المولود الحافظي إلى الجزائر، وشرع في نشر العلوم والمعرفة في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى زاوية عبد الرحمن الحملاوي بولاية ميلة، لينتقل بعدها إلى زاوية عبد الرحمن اليلولي بولاية تيزي وزو، وفي المحطتين أقام الشيخ المولود الحافظي، مشروعه المتمثل في ساعة فلكية على رخامة مربعة، تضبط الوقت by الظل، وهو المشروع الذي سارعت السلطات الاستعمارية، إلى تدميره في كل من زاوية عبد الرحمن الحملاوي بولاية ميلة، و زاوية عبد الرحمن اليلولي بولاية تيزي وزو، رافضة أن يحقق الشيخ المولود الحافظي، مشروعه الفلكي على أرض الواقع فهو الفقيه الوحيد الذي اشتغل على علوم الفلك، وبرع فيه، وانتقل إلى تجسيده في أرض الواقع.

وبعدما قضى مدة طويلة في زاوية عبد الرحمن اليلولي بولاية تيزي وزو، تخرج على يديه الكثير من الطلبة من مختلف مناطق الجزائر، انتقل إلى المعهد الكتاني بقسنطينة، حيث استطاع الشيخ المولود الحافظي، أن يعطي الحيوية للمعهد، ويحقق الكثير من الإنجازات من خلال الإصلاحات التي أدخلها على عمل المعهد.

ليظهر الشيخ المولود الحافظي، في نادي الترقي في نهاية العشرينات، وأحد الشخصيات التي كانت وراء هذا المشروع، والتي ساهمت بقدر كبير في نجاحه، واستضافة الكثير من الشخصيات والعلماء، وتقديمهم للرأي العام، من خلال استضافتهم في المحاضرات والندوات، ويكون الشيخ المولود الحافظي وراء تهيئة الظروف لتأسيس جمعية العلماء المسلمين، وينتخب عضوا في هيئة المستشارين للجمعية، في الجمعية العامة الانتخابية التأسيسية، ولكنه يفقد عضوية جمعية العلماء المسلمين، في الجمعية العامة الثانية، بعد سنة واحدة من تأسيسها، فيسارع إلى تأسيس جمعية علماء السنة الجزائريين، التي اعتبرت تقصير رجال جمعية العلماء المسلمين، في الاهتمام بالسنة الشريفة، زيادة على تشكيكهم في الإجراءات التنظيمية والقانونية للجمعية العامة الانتخابية الثانية، مبررات لميلاد جمعية علماء السنة الجزائريين، وقد صدرت العديد من الجرائد والصحف، في سياق المنافسة بينهما، كان لهما الأثر الكبير في مسارات التاريخ الثقافي الوطني.

مقالات متشابهة