27 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات وطني

استغلال الرموز الدينية المقدسة لتحقيق غايات غير مقدسة !!

بقلم الأستاذ/ قسول جلول، إمام مسجد القدس حيدرة

لم تكن جرائم الاحتيال وليدة العصر، أو العصور المتأخرة، فقد ظهرت قبل الإسلام ولم تتوقف بعد ظهوره، ففي عهد الخليفة، الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، استودع رجلان أموالا عند امرأة، وقالا لها: لا تدفعيها إلى واحد منا حتى نجتمع عندك سويا، ثم انطلقا فغابا مدة، فجاء أحدهما إليها، وقال: أعطيني وديعتي؛ فإن صاحبي قد مات، فرفضت المرأة حتى كثر تردد الرجل عليها، فأعطته المال، لكن بعد مدة، جاءها الرجل الآخر وطلب المال، فقالت: أخذه صاحبك وذكر أنك قد مت، فذهب الرجل ورفع القضية والقصة معروفة ….!! انتهت بتجسيد فكرة الاحتيال باسم الدين…!!

 

كلكم تتذكرون قضية الخليفة وما جرى فيها، قيل عنها آنذاك بأنها فضيحة العصر واحتيال القرن !!، راح ضحيتها الكثير … لماذا اختير هذا اللقب واستعمل للاحتيال؟، لأنه له مدلول ديني ورمز مقدس…!!، نعم، وكذا محبة الجزائريين لدينهم وطيبة نفوسهم، فكل من يأتي باسم الدَين يفتحون له قلوبهم ويأتمنونه على أموالهم …إلخ، ولسان حالهم يقول، من خدعنا بالدين خدعه الله!!.

الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وهم الْحُكَّام الَّذِينَ جَاءوا بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنْهُمْ، ومعنى استخلفه، جعله مكانه، نقول استخلف أخاه في الإشراف على تربية أولاده، قال تعالى (( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ))، وبهذا المعنى ورد في القرآن الكريم:” ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض”، سورة “ص” الآية 26، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وآله : “( اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، قيل له يا رسول الله “صلى الله عليه وآله”، من خلفاؤك؟، قال: ” الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي) -رواه الترميذي.

“فضيحة احتيال العصر”، إنها قضية “مجموعة الخليفة” المنهارة أعادت نفسها إلى واجهة الأحداث لما وقع فيها، نتذكرها نتدارسها، لأنها مازالت تظهر مثيلتها وأخواتها من حين لآخر … من خدعنا بالله.. انخدعنا له!!، تذكرت هذه العبارة، وأنا أستمع إلى ما قاله وزير الشؤون الدينية والأوقاف في معرض حديثه عن المكمل الغذائي وتسميته (رحمة ربي)، تتذكرون أيضا الاحتيال بالمقدس، وبالعنوان الذي كان وصفا للنبي صلى الله عليه وسلم …الوعد الصادق!!. لا إله إلا الله الملك الحق المبين*محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين!، فضيحة سوق الوعد الصادق لتبييض الأموال جريمة في حق الإقتصاد !!، الوعد الصادق ينتهي بوهمٍ كاذب !!، وسقط عدد كبير ممن غرر بهم، أو ممن أطماعهم طغت عليهم، وقادوا أنفسهم إلى التهلكة ووقعوا فريسة سهلة للمحتالين باسم الدين !! …من خدعنا بالدين خدعه الله!!.

وما يشبه هذه الحلات الكثير  في الشكل والمضمون، ولكن تختلف الأسماء والمعنى واحد …. فإطلاق أسماء لها صلة بالدين أوبالقيم الدينية على منتوجات تجارية لها خطرها على ثوابت الأمة ومقدساتها، كإطلاق تسمية “رحمة ربي” على مكمل غذائي المعروف باسم RHB دواء موجه لعلاج داء السكري “إطلاق مثل هذه التسميات لا يعني وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بحد ذاتها، بل يعني قيم وأخلاق المجتمع الإسلامي”، كما بين ذلك معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف، داعيا المواطنين إلى عدم المغامرة وإطلاق أسماء الله أو عبارات تمس القيم الدينية على المعاملات  التجارية، لأن مثل هذه التسميات فيها ضرر كبير لصورة الإسلام والمسلمين، وبشر بأن هناك قوانين ستسن في القريب العاجل لردع هؤلاء …

“رحمة ربي”  RHB دواء موجه لعلاج داء السكري، أنا لا أتكلم عنه بأنه يحمل مواصفات الدواء أو مواصفات مكمل غذائي، ولكن لماذا سمي “رحمة ربي”، وما السر في ذلك؟ “قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا

لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا”- سورة الإسراء الآية 100.

“رحمة ربي” تبعث في نفس صاحبها مدى لطف الله بنا وعطفه علينا قال تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم

بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ …)، الآية 156 سورة الأعراف، (قل يا عبادي الذين أسرفوا لا تقنطوا من رحمة الله))، فالرحمة اتصف بها رب العالمين، وهي اسم من أسمائه تعالى .. والرحمة أيضا وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصفة من صفاته، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، الآية 107 سورة الأنبياء، أي ما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة !، وقس ماقيل على ما لم يقل!!، وسمي هذا الدواء برحمة ربي لما تحققه هذه التسمية وليس ما يحققه الدواء!!، وأفزعني مشهد مثل هذه المشاهد، سيارة أجرة، كتب على بابها، “طاكسي الموحدون”!، وأسماء مقدسة استعملت للنصب والاحتيال باسم الدين..والدولة الموحدية، هي دولة إسلامية أسسها الموحدون، وهم من سلالة أمازيغية حكمت بلاد المغرب (المغرب، الجزائر، تونس وليبيا) وتأسست على يد قبيلتي مصمودة من المغرب و زناتة من الجزائر الأمازيغيتين، وأطلق عليهم تسمية “الموحدين، أهذا اسم يطلق على سيارة أجرة الموحدون؟!!، أو مايعرف بجمعية البشائر …وما تخفي وراءها بهذا الاسم الديني،

والرقية الشرعية وأخذت اسمها من مصطلحات وأسماء دينية فيكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

.. يختار القرآن الكريم من الألفاظ ماهو أوقع في القلوب، وأدل على المطلوب؛ إذ اللفظ هو صلة الوصل بين المتكلم والمخاطب، وبقدر ما يكون هذا اللفظ واضحاً ومشرقاً، بقدر ما يحدث أثراً في النفس، فتسرع لقبوله، والأخذ بمضمونه ومدلوله، فكذلك اختار مهندس الاحتيال اسم جمعية البشائر، مهمتها الرقية الشرعية…في علمي البسيط والمتواضع أن الترخيص لأي جمعية يكون من المؤسسة التي يتبع لها النشاط؟، فالجمعية الرياضية يرخص لها من الجهة  الوصية التي هي وزارة الرياضة، والجمعية الخيرية من وزارة التضامن، والعيادات الطبية من وزارة الصحة، فالجمعية المتخصصة في الرقية الشرعية وغير الشرعية …ما هي الجهة التي

تقوم بالترخيص لها ؟!!!، من خدعنا بالله.. انخدعنا له!!.

 

وهناك أعمال  كثيرة ومشبوهة تفننت في صناعتها أياد ماكرة فاجرة.. أومتاجرة جاهلة.. تتخذ من الإسلام ستارًا..تدس السم في الدسم.. وتقدم نفسها على أنها ملاذ آمن للمرضى.. تتلاعب بآيات القرآن وتتاجر بها حتى يتم استدراج الفريسة لتجد نفسها ضحية مؤامرة احتيال، ويتم النصب عليها والحصول علي أموالها..!، وهذه الأعمال انتشرت في مجتمعنا، وأصبح استعمال الدين لأعراض سياسية ومختلفة بشكلٍ كبير يعكس مستوی عمق غيبوبة الأمة، حيث تمارس أبرز أشكال النصب والاحتيال باسم الدين من خلال ما يسمی (بالبيع الإسلامي، المعاملات الإسلامية، الزواج الإسلامي، حتى وصلنا إلى السيارة الإسلامية، البنوكالإسلامية.. إلخ!!!)..

 

هذه التسمية وهذه الظاهرة التي يتم فيها استغلال القرآن الكريم والقيم الدينية المقدسة في دجل الدجالين وشعوذة المشعوذين بكل فجور وتعد علی كتاب الله؛ لأن عبارة (الوعد الصادق والرقية الشرعية)، تستلزم وجود (رقية غير شرعية)!.ووعد غير صادق، وهو ما حصل فعلا؟؟؟، هذا المنطق السليم نفسه يتساءل بداهة، لماذا إذن تصرف ملايير الدينارات في البحث العلمي لإيجاد أدوية الأمراض المستعصية،كمرض السكر مثلا؟، لماذا يدرس الطب في الجامعات؟، ولماذا لا تستعمل الرقية عوض المستشفيات فيكل أنحاء العالم؟، حتى ولو في مستشفى الأمراض العقلية عندنا؟.

الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء.. و الصبر أول خطوات الشفاء!!. المتحايلون وتجار الدين لا يعجبهم طبعاً هذا الفهم، لأنه لا يناسب مصالح “البزنسة” الخاصة بهم، لهذا تجدهم يعارضون علی كل من ينكر فضل هذا الطبيب المكتشف، وهذا الراقي الأحمر المتعجرف،  لأنها مصدر وفير للأموال التي يجمعونها من متاجرتهم بأرواح الناس وبكتاب الله عز وجل..

 

يمارس هؤلاء الدجالون أعمال النصب والاحتيال تحت غطاء الدين، حيث يوهمون الناس أنهم من أهل الدين ويستغلون سذاجة الناس الذين يستبعدون تماما إمكانية وجود أشخاص يقومون بعمليات النصب باستخدام القرآن الكريم..

ما يحز في النفس هو أن الناس الذين يتعرضون للنصب و الاحتيال من قبل الدجالين، لا يعترفون بذل !، بل يبررون فشلهم ووقوعهم ضحية احتيال وينسبون ذلك إلى عجز الدولة في حمايتهم!، وهم بطريقة غير مباشرة يساهمون في استمرار استغفال المشعوذين للمجتمع ككل..سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ..!.

لقد استغل النصابون روحانية الإيمان ليستنزفوا الأموال من رحم المعاناة وألم المرض، في واحدة من أبشع صور النصب والاحتيال التي تتاجر بقدسيةكتاب الله وبأرواح الناس، والتي لا تقيم لها وزنا!!، إن عجز الطب عن علاج بعض الأمراض المزمنة التي لا زالت قيد البحث المخبري لا يعني أن نبتعد عن المنهج العلمي الموضوعي العقلاني الواقعي وننصرف إلی طريق الدجل والشعودة في كل شيء الذي سلكه من لا يخشون الله عز وجل!، وإلى الله المشتكى …

 

مقالات متشابهة