25 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
وطني

مشاكل ركن السيارات بالعاصمة تثير الفتنة في الأحياء

 

تنشب يوميا صراعات بين الجيران وأهل الحي الواحد في العاصمة، قد تصل إلى حد المشادّات والشّجارات في بعض الأحيان، والسبب “الباركينغ” الذي لا يتسع لسيارات كل ساكنيه، مما يدفع بعضهم إلى استعمال الحيل والبعض الآخر إلى اللجوء للعنف واستخدام الذراع لينتهي الأمر بنشوب حرب الأحياء بسبب أماكن ركن السّيارات، كثيرا ما تصل إلى القطيعة بين الجيران وتنتهي بقاعات المحاكم، أو الوقوع تحت سطوة عصابات الأحياء التي تنصب نفسها حامية الحمى دون تكليف من أحد.

 

 

تضاعفت أعداد السيارات بالعاصمة في وقت وجيز، حتى ضاقت الأحياء على رحابتها بسيارات ساكنيها، وبعد أن كانت لكل عائلة جزائرية سيارة عائلية صار لكل فرد في العائلة تقريبا سيارته، مما حول الأحياء السكنية بالعاصمة إلى حظائر مكتظة ليلا يحلم المواطنون كل مساء قبل عودتهم بمكان مريح فيها، لكن هيهات فالحلم إذا تحقق لبعضهم استحال أمام البعض الآخر، إلى درجة أن بعض المواطنين إذا ما تأخر ليلا اضطر إلى ركن سيارته بأحد حظائر السيارات البعيدة عن البيت والعودة إلى بيته مشيا على الأقدام كيلومترين أو أكثر، فيما يفضل البعض الشجار يوميا على مكان يسميه باسمه أو يحتكره بدعوى القرب من بيته أو حتى من نافذته.

 

وما زاد الطين بلة في مشاكل ركن السيارات هو المجموعات الشبانية التي تنصب نفسها حارسة “لباركينغ الحي” دون استشارة أحد وتلزم أصحاب السيارات بدفع المستحقات شهريا بشكل نظامي دون أن تقوم بدورها في الحراسة، بل على العكس كثيرا ما يكون هؤلاء الشباب هم أساس المشاكل في أغلب الأحياء العاصمية، لكن ورغم علم المواطنين بذلك، إلا أن لا أحد يتجرأ على مجاهرتهم بالعداء خوفا على مستقبل سيارته من الانتقام و”الزكارة” التي يدفع ثمنها كل من يقف في وجه المد الذي أغرق أحياء العاصمة في جو من “البلطجة” منذ سنوات وما زال يتفنن في أساليب التحايل والاحتيال على حساب مخاوف المواطنين وحرصهم على سلامة مركباتهم..

 

  • “مواطنون تحت رحمة عصابات الأحياء”

 

ما يحدث في حي” لاكونكورد” بالعاصمة هو نموذج للكثير من الأحياء العاصمية، لكنه ليس أسوأها على الإطلاق، ورغم ذلك يظهر المواطنون بهذا الحي المكتظ بالسيارات معاناة كبيرة من الاحتيال الذي يمارسه البعض لحجز مكان تبيت فيه سيارته دون مشاكل.

 

يقول سيد احمد، أحد سكان الحي: “من الغريب في هذا الحي أن أماكن السيارات محجوزة من الصباح إلى المساء، وهو أمر أثار استغرابي في أول الأمر، باعتبار أن كل السكان من العمال والموظفين ويخرجون في الصباح الباكر، لكن ما يحدث أنهم يتفقون مع أناس آخرين يعملون بالجوار يمنحونهم أماكنهم لركن سياراتهم طيلة اليوم شرط ألا يغادروا حتى يسلموا الأماكن إلى أصحابها ليركنوا سياراتهم مرتاحين، وهكذا تظل الأماكن محجوزة ليلا نهارا. ”

بينما يروي محمد أحد سكان حي بلوزداد، والذي تعرضت سيارته للكسر العمدي للزجاج الخلفي، مأساة أهل حيه مع العصابات التي تنصب حالها حارسة على السيارات دون تكليف من أحد، والمشكل أن أغلب من يفعلون ذلك هم من المدمنين والمنحرفين ممن لا شغل لهم ولا عمل سوى النوم نهارا والسهر ليلا، لذا قرر محمد عدم التعامل معهم بأي شكل من الأشكال، وواجههم بأنه لن يدفع لهم التسعيرة التي فرضوها على أصحاب السيارات دون أن يكلفهم أحد بذلك ودون وثيقة تثبت على الأقل أهليتهم لذلك، لكنه لم يلبث أن دفع الثمن غاليا، فقد استيقظ ذات صباح ليجد زجاج السيارة الخلفي “الباربريز” مكسورا عمدا بأداة حادة تم رميها من مرتفع”.

 

ومثل هذه الحالات تتكرر للأسف في كل حظائر السيارات بالأحياء العاصمية، لأن أغلب من يمتلكون المونوبول فيها هم من أصحاب السوابق العدلية والمدمنين الذين لا يجرأ أحد على الوقوف في وجههم، وإذا حدث العكس تنشب الشجارات العنيفة التي تروع الأحياء بالأسلحة البيضاء والعصي وغير ذلك.

 

 

  • قانون الغاب يحكم الحظائر العشوائية

 

 

“إنه قانون الغاب” قالت فضيلة، صاحبة سيارة، وفي كثير من الأحياء أضطر لدفع تسعيرة “الباركينغ” الوهمي للحي لأناس لا أعرفهم، طبعا لأنهم يتغيرون في كل مرة دون أسباب معروفة، والطريف في الأمر أنني لا أراهم إلا عند موعد الدفع، ولم يحدث مرة أن صادفتهم في أي ساعة يقومون بواجبهم، وهو رأي كل السكان الذين يفضلون عدم وجودهم لأنهم الأصل في كل المشاكل..”.

 

ويؤكد سليم بدوره أن لجان الأحياء، وهو عضو فيها، كثيرا ما تتدخل لتضع حدا لهؤلاء الطفيليين الذين يتصرفون في الأحياء السكنية وكأنهم مالكوها، بينما هم ليسوا حتى من ساكنيها ولا أحد رشحهم لذلك، وكلما تصدت اللجنة لمجموعة إلا وظهرت أخرى بعد فترة من الزمن تحاول إقناع سكان الأحياء بعملها وسهرها على راحة السكان، لكن وبعد مدة يتحول عملها لمصالحها الشخصية مجددا.

 

 

ويشتكي أغلب سكان الأحياء السكنية بالعاصمة من الحيل التي يستعملها هؤلاء الشباب لفرض سيطرتهم على السكان بنشر الخوف بينهم على مستقبل سياراتهم، فقبل أن يعرضوا خدماتهم غالبا ما يقومون بعمل تخريبي يطال عددا من السيارات ليصاب باقي المواطنين بالرعب، ويسهل إقناعهم وترويضهم. ومن أغرب ما سمعت أن بعض هؤلاء وبعد بسط هيمنته على المكان يقومون بتأجير أماكن الركن لأناس من خارج الأحياء التي يحرسونها مقابل مبالغ مالية يومية إضافة على ما يتقاضونه من تسعيرة ثابتة من السكان.

 

 

  • شجارات تطرق مصالح الطب الشرعي وأبواب العدالة

 

 تمثل القضايا المتعلقة بالسب والشتم والضرب، نسبة 60 بالمائة من الجنح المطروحة على العدالة، ومعظمها يتعلق بشجارات واعتداءات نشبت بين الجيران، وهي خلافات متعلقة غالبا بأماكن ركن السيارات ببعض الأحياء الشعبية الضيقة بالعاصمة والتي تنتشر فيها الجريمة، وهذا النوع من الجنح أكثر من غيرها.

 

للإشارة، أدانت محكمة الجنايات بمجلس قضاء الجزائر منذ فترة ثمانية أشخاص من عائلتين متجاورتين بالحبس ثلاث سنوات نافذة لارتكابهم جناية الضرب والجرح العمدي المفضي إلى فقدان بصر الضحية جارهم، حيث قاموا بضربه بلوحة خشبية على مستوى العين اليمنى ما تسبب في فقدانه إحدى عينيه، وكان السبب الرئيسي لذلك الشجار قيام بنت شقيقة الجناة بركن سيارتها قرب منزل عائلة الضحية، حيث طلب أحد أفراد العائلة من أخ البنت تنحية السيارة من المكان، الشيء الذي رفضه المتهم الأول رغم أنّ السيارة عرقلت خروج الشاحنة التي كانت مركونة بالقرب منها، واحتدم الموقف إلى أن انتهى بجريمة فقئ عين الجار ببرودة دم وأعصاب.

 

وقصة أخرى لجيران يقطنون بحي باب الوادي بالعاصمة مثلوا أمام محكمة الجنح سيدي امحمد بالعاصمة في نفس الفترة، بتهمة السب والشتم المتبادل، حيث كشفت المحاكمة بأن صراع هؤلاء الجيران مستمر لأكثر من ثلاث سنوات في العدالة، ولديهم مشاكل مختلفة وكثيرة، أهمها موقف السيارات “باركينغ” حيث أقدم ابن الجار في الطابق العلوي على ركن سيارته بالقرب من نافذة جاره في الشقة الأرضية، وما زاد الطين بله تدخل النسوة من الفريقين لينقل الخلاف لقسم الشرطة ومن ثم للمحاكمة، حيث تبين بأن كل واحد من المتهمين تورط في السب المتبادل، وأنهم متعودون على ولوج المحكمة بسبب كثرة المشاكل التي تقع بينهم.

 

وترجع الأخصائية بديعة بن محمد سوء العلاقة وهشاشتها بين الجيران إلى عدة عوامل منها غياب مفهوم الملكية، بسبب اختلاف القيم والعادات التي لا مكان فيها للقانون والنظام، بقدر اللجوء إلى استعمال العنف والعضلات لفرض منطق القوة والاستبداد.

 

وما زاد الطين بلة هو غياب أماكن الترفيه في الأحياء الشعبية التي تتسم بضيق سكناتها وكثرة عدد أفرادها، وهي أسباب كلها تساهم في تنامي العنف بين سكانها، ناهيك عن ضغوطات الحياة اليومية والازدحام المروري الذي يسهم في ضيق خلق السائقين الذين يقعون تحت طائل التوتر والقلق.

سامية/ح

 

مقالات متشابهة