5 يوليو، 2020
الحوار الجزائرية
وطني

بين ضربات الشمس والانتهاكات السافرة للبراءة

 انطلق موسم الاصطياف هذا العام متأخرا لحلول شهر رمضان في عز الصّيف، وما أن انتهى الشهر الفضيل حتى سارعت العائلات لاستغلال ما تبقى من العطلة الصيفية، خصوصا مع الارتفاع الكبير الذي تشهده درجات الحرارة هذه الأيام، وما أن بدأت العطلة حتى بدأت معها المخاطر والانتهاكات.

  ما أن اشتدّت حرارة الصّيف، حتى أقبلت العائلات الجزائرية على شواطئ البحر، بعضهم خطط لعطلة منظمة والبعض الآخر ترك الحبل على الغارب للأطفال والمراهقين والشباب، ليشدّوا الرحال نحو شواطئ العاصمة، خاصة الشواطئ الغربية بدءا من الرميلة، قاع الصور، فرونكو، باينام والجميلة ووصولا إلى “لامادراق” وعين بنيان، بطريقة فيها الكثير من الفوضى والعشوائية التي تطبع اصطياف أطفال وشباب يافع في ظل غياب عائلاتهم وغياب أدنى مرافق الحماية التي يجب أن تتوفر في الشواطئ لسبب بسيط هو أن هؤلاء لا يختارون الشواطئ المحروسة بل يفضلون عليها الشواطئ الصخرية التي تتيح لهم نوعا من المغامرة والبهجة في الهروب من الرقابة بأنواعها رقابة الأهل والأسر ورقابة حراس الشواطئ الذين يشتكون من مثل هذه التجاوزات التي يصر عليها الشباب في كل موسم، فتخلف للأسف عدة ضحايا كلهم من هواة السباحة في الشواطئ غير المحروسة.

 

  • ضربات الشمس تهدد صحة الأطفال وتلفح وجوههم

 

 أكثر ما يتعرض له الأطفال في هذا الشريط الساحلي هو ضربات الشمس التي تلفح وجوه الشباب بكل ضراوة، فلا شيء يحول بينها وبين جلودهم الطرية التي لا تلبث أن تحترق لافتقار مثل هذه الشواطئ حتى لمضلات الشمس التي تعتبر ضرورية في مثل هذه الأماكن مما يعرض الأطفال إلى مخاطر جسيمة تتمثل في ضربات الشمس بالدرجة الأولى دون وقاية، ومن ناحية أخرى يتعرض هؤلاء إلى مخاطر التسممات الغذائية فأكثرهم يكتفي بجلب الأطعمة من البيت والمتمثلة أساسا في البطاطا المقلية بالمايونيز والتي تمكث طويلا معرضة لأشعة الشمس الحارقة قبل أن تنتقل إلى معدة هؤلاء الصغار الذين لا يملكون ثمن شيء آخر غيرها، كيف وهم يتنقلون خلسة في حافلات النقل الخاص التي صار أصحابها يتهربون منهم أو يتعاملون معهم بالحيطة والحذر، فأغلبهم يركب بالمجان ويتجنب القابض إلى أن يصل إلى الشاطئ المقصود هو وأصدقاؤه، في حين يلجأ البعض الآخر إلى إثارة عطف الأمهات والعجائز اللواتي يرثون لأحوالهم فيقدمون لهم ما تيسر من دنانير ينقذون بها ماء الوجه.

 

وحتى الأطفال الرضع يتعرضون بسبب جهل الأمهات والعائلات لأشعة الشمس الحارقة التي تتجاوز درجاتها في بعض الشواطئ 38 درجة دون حماية، والسبب هو أن بعض الأمهات للأسف لا يعين المخاطر التي تحدق بأطفالهن، فبشرة الرضيع جد حساسة ولا يجوز تعرضها لأشعة الشمس في فترة الظهيرة مثلا إلا باستعمال الكريمات الواقية من أشعة الشمس والخاصة ببشرة الرضيع والتي تباع في كل الصيدليات مع دخول فصل الصيف، وهي بالنسبة للرضع ضرورية بدرجة أكثر من الكبار رغم أن ما يحدث هو العكس، ففي شواطئ سيدي فرج و”ثالاسوثيرابي” التقينا ببعض الأمهات اللواتي فضلن استعمال الكريمات الواقية لأنفسهن دون أطفالهن لاعتقادهن بأنها تنفع في الوقاية من التجاعيد، إذن فهي صالحة للنساء فقط. سلوكيات كثيرة وخاطئة تعتمدها العائلات في الصيف ناجمة عن انعدام ثقافة الإصطياف وغياب الوعي في حماية الأسرة بكل أفرادها من مخاطر هذا الفصل الذي تتفاقم فيه الأمراض والمشاكل الصحية التي لا تترك أحدا في حاله.

 

  • تجارة “المحاجب” و”لي بينيي” تغزو شواطئ العاصمة

 غير آبهين بما تمثله هذه الشواطئ على أبنائهم من مخاطر، يتعمد بعض الأولياء اختيار هذه الشواطئ دون غيرها لإرسال أبنائهم لممارسة نشاطهم التجاري الصيفي بكل راحة ودون منافسين ولا خسارة، لأن في هذه الأماكن المعزولة عن المرافق التي نجدها اليوم في كل الشواطئ الأخرى، هكذا قال وليد طفل لا يتجاوز الـ12 من العمر، تعوّد على بيع “المحاجب” في الكثير من الشواطئ المترامية على سواحل غرب العاصمة، يجوبها في ساعات الصباح الباكر لبيع “البينيي” الحلوى المفضلة لدى المصطافين وحتى لدى هواة الصيد، لأنها تشبع نهمهم الذي يحدثه هواء البحر، ثم يعود لبيته الكائن في “لابوانت” ليأخذ ثانية كمية معتبرة من “المحاجب” للغذاء وآخر رحلة يقوم بها وليد في المساء ليأخذ “لي بينيي” مجددا.

يقول وليد أن تجارته هذه تدر عليه وعلى عائلته مالا وفيرا، وأن هذه الشواطئ هي مكانه المفضل لانعدام المنافسة فيها، ويذكر أنه في مرة جرب حظه في الشواطئ المسموحة الآهلة بالمصطافين، لكنه لم يتخلص من كل بضاعته بسبب المنافسة الشديدة ما بين التجار من مختلف الأعمار، كما أن مقر سكنه يساعده للتنقل إلى حيث يمارس تجارته، لكن وليد استثنى كل المخاطر الأخرى ولم يركز في حديثه معنا سوى على منطق الربح والخسارة كتاجر صغير، متناسيا الضريبة الغالية التي يدفعها من صحته، إذ يكفي النظر إلى وجهه الغض الذي لفحته أشعة الشمس الحارقة دون وقاية حتى تعرف أن بشرة وجهه تعرض يوميا إلى انتهاك من الشمس دون أدنى حماية وكذا رأسه، حيث لم تكلف والدته التي ترسله بقفة “المحاجب” نفسها عناء تغطية رأسه بالقبعة، كما تناسى وليد أن أي عثرة بين الصخور قد تكلفه حياته لا قدر الله، لكن على ما يبدو أن للحاجة والعوز أحكام تغطي على العقل والمنطق.

هذا ناهيك عن المخاطر الأخرى التي تعترض الأطفال في الشواطئ غير المحروسة والمتمثلة أساسا في سوء معاملة الكبار وفي الاعتداءات التي يتعرضون لها بعيدا عن الأعين، بحيث تحصي الجزائر رسميا 300 ألف طفل في سوق العمل، في حين ترجح منظمة اليونيسيف وجود أكثر من مليون طفل عامل ببلادنا ينشطون في مجالات شتى منها بيع السجائر والمخدرات، وهذا ما يقودنا حتما إلى تفشي ظاهرة أخرى تعصف بمستقبل أطفالنا ألا وهي التسرب المدرسي لأطفال اعتادوا على المال وعلى التكسب، ومثل هؤلاء الأطفال يخوضون مجالات العمل مبكرا في الأسواق الموازية وفي الشواطئ، ويتوهون في الشوارع مع رفاق السوء فيتعرضون لمختلف الانتهاكات في حق براءتهم بدءا من تعرضهم للعنف إلى الاعتداء الجنسي.

 

  • عبد الرحمن عرعار:

استغلال جنسي وانتهاكات خطيرة يتعرض لها الأطفال في الشواطئ

 

 

أكد عبد الرحمن عرعار، رئيس شبكة ندى لحماية حقوق الطفل في تصريح لـ”الحوار”، أن ظاهرة عمالة الأطفال التي ترتفع صيفا ناتجة عن سوء الظروف الاجتماعية للكثير من العائلات الجزائرية، وعليه يضطرون إلى إرسال صغارهم للعمل ما يجعلهم يتعرضون لجملة من الانتهاكات والتحرشات ويصل بهم الأمر إلى الوقوع في وضعيات يعاقب عليها القانون، حيث يقعون بين أيادي أشخاص منحرفين ومجرمين يستغلونهم جنسيا ويعلمونهم تعاطي المخدرات والشيشة وغيرها.

وأضاف المتحدث ذاته، بأن انعدام التكفل بترفيه الأطفال وتسليتهم يدفع بهم أيضا إلى العمل لقتل الفراغ، فالشواطئ مملوءة والمؤسسات مملوءة ولا توجد فضاءات ومرافق للتسلية. كما أن الفقر والحاجة أجبرا الأسر على دفع أبنائهم إلى الشارع أثناء العطل، الشيء الذي يؤثر سلبا على حياتهم ومسارهم الدراسي، حيث أن الكثير من الأطفال يغادرون مقاعد الدراسة بصفة كلية بسبب دخول عالم الشغل المبكر ومنهم يعودون إلى مزاولة دراستهم وهم في حالة عالية من الإرهاق والتعب، وفيما تعتبر العطلة فرصة للترويح عن النفس وتجديد الطاقة لاستقبال عام جديد من الدراسة والاجتهاد، تعود هذه الفئة من الأطفال إلى المدارس بعد رحلة عناء طويلة ما يؤثر على استيعابهم وأدائهم الدراسي.

كما أوضح رئيس شبكة “ندى” لحماية حقوق الطفل، أنه بالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية لعدد الأطفال العاملين في الجزائر، إلا أن الواضح هو أن الظاهرة في تزايد وانتشار، ولا يوجد حد أدنى لسن الأطفال العاملين، فمن الممكن أن تجد طفلا لا يتعدى عمره التاسعة أو حتى السابعة يزاول أعمالا كالبيع في الشواطئ أو على حواف الطرق السريعة.

ح/سامية

 

 

 

 

مقالات متشابهة