27 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
وطني

الأزمة السعودية الإيرانية

تمثل الازمة السعودية الايرانية الراهنة نوعا من شررٍ تتطاير من موقد مشتعل منذ 1979، فما يسميه باحثو العلاقات الدولية “المسافة السياسية” التي تقيس مؤشرات التباعد بين دولتين تشير بالقياس السريع إلى أن المسافة السياسية بين الدولتين تصل إلى 25 نقطة عداء من بين 27 نقطة يتم من خلالها قياس المسافة السياسية.

ذلك يعني بداية أن التناقض بين الدولتين هو تناقض استراتيجي (في البنية الداخلية) و(الروابط الإقليمية) و(الروابط الدولية) وما يتفرع عن كل منها.

ويشكل هذا القدر من المسافة السياسية عجزا لدى كل طرف عن رؤية حدود مصالح الطرف الآخر، وهو ما يتبدى في ردود فعل ” غير متوازنة” تجاه ” عشى الألوان” لدى الطرف الآخر، ويمكن تقديم نماذج عديدة على ذلك منذ 1979 التي كان آخرها في العام الماضي ما جرى في موسم الحج من مصرع مئات الحجاج الإيرانيين ثم إعدام الشيخ النمر وتبادل الحملات الإعلامية بين الطرفين، ناهيك عن الأزمات الإقليمية بخاصة في سوريا واليمن …الخ، بل إن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ليس هو الأول بينهما منذ 1979.

وماذا بعد؟

بعض المؤشرات الدولية تشير للدعوة لانضباط الطرفين، فأوروبا تريد استمرار الانضباط لأنه يوفر عليها ما يعادل عشرة ملايين دولار يوميا لكل دولار ترتفع فيه اسعار النفط بسبب الازمات السياسية (وهو ما ينطبق على الصين التي توفر 6 ملايين دولار يوميا لكل دولار زيادة في السعر)، كما أن مسارعة روسيا لعرض الوساطة مؤشر على الرغبة في توفير جو ملائم لاحتمالات التفاوض حول الازمة السورية، وهو أمر غير ممكن في ظل تصعيد الخلاف السعودي الإيراني، كما أن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات رئاسية يصعب اتخاذ قرارات استراتيجية هامة خلالها، ناهيك عن سياسية التحفظ التي ينتهجها أوباما مع دول الخليج، ذلك يعني أن البيئة الدولية لن تكون مشجعة على الوصول لنقطة المواجهة الشاملة.

وتبدو الدولتان في وضع يخفي خلخلة في هيئات صنع القرار لكل منهما، فمثلا ما معنى ان يصدر الجيش الإيراني تحذيرا وتهديدا ضد السعودية، وهو أمر خارج نطاق صلاحياته الدستورية، بخاصة أن وسائل الاعلام الإيرانية لم تول بيان الجيش أي اهتمام؟ ثم ان يتم تنظيم هجوم منسق على السفارة السعودية وحرقها في طهران لا يمكن أن يتم دون ” غض أطراف ” امنية إيرانية البصر لغرض في نفس يعقوب؟

وبالمقابل فإن السعودية تشعر بعقم حملتها الأمنية في اليمن، وتعثر طموحاتها في سوريا، وبقلقها من توجهات أمريكية توحي بأن القيمة الاستراتيجية للمملكة بدأ يصيبها التشقق في المنظور الغربي، ولا شك أن مثل هذه الجوانب ستجعل الحوار بين دوائر صنع القرار السعودي أكثر سخونة، مما يجعل الإيرانيين يراهنون على أن مزيدا من التوتر المحسوب قد يساهم في ارتباك القرار السعودي فوق ارتباكه الحالي.

ذلك كله يعني أن احتمالات بقاء الازمة في حدود “الآليات السلمية” للصراع هو الأرجح حتى لو تخللها أحداث عنف متفرقة أو احتكاك عابر بين الدولتين، ويبدو أن الرهان بين الدولتين لا على المنازلة في الحلبة الإقليمية والدولية بل على ” شقوق البنية الداخلية” لكل منهما ….لننتظر ونرى..ربما.

د/ وليد عبد الحي

مقالات متشابهة