26 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
وطني

إرهاب من أجل الصحراء

ترتبط العمليات الإرهابية الأخيرة في باريس وباماكو وتونس وغيرها من العمليات في الساحل والصحراء بمشروع كبير قيد التنفيذ تجاه الصحراء الكبرى بدأ مع التدخل الفرنسي في ليبيا ثم المالي، يعرف عن فرنسا الاستعمارية إصرارها على إبقاء الصحراء تحت نفوذها بحكم موقعها الإستراتيجي وثرواتها الهائلة ومدها أوروبا بالطاقة، فقد وضعت عدة مشاريع استعمارية تجاه الصحراء، أهمها مشروع “التنظيم المشترك للمناطق الصحراوية” في1950 المعدل في1957، وبعد ما دفن هذا المشروع الاستعماري في 1962، أعيد إحيائه من جديد في2012، لكن بشكل آخر، ويتم تنفيذه اليوم تحت غطاء محاربة الإرهاب في المنطقة.
وما لم ينتبه له الكثير، ويقلقنا فعلا بالنسبة للصحراء الكبرى هو عودة فكرة تشبيهها بالبحر، وتسمية ما يحيط بها ب”الساحل” بدل تسمية “أفريقيا جنوب الصحراء”، وكأننا عدنا من جديد إلى الخطاب الاستعماري الفرنسي حول الصحراء، والذي تخلت عنه بتوقيعها اتفاقيات إيفيان1962، ولعل هذا ما يقصده ساركوزي بإعادة النظر في الاتفاقيات، ويتكرر تشبيه الصحراء بالبحر اليوم في الكثير من كتابات المخابرات الفرنسية وقادتها العسكريين، فمثلا دعا الأميرال جون دوفرسك صراحة في2013 بباماكو إلى”ضرورة التفكير في الاستلهام من قانون البحار لتطبيقه على الصحراء”، فهذا الخطاب له علاقة بمطلب الأمريكي بريجنسكي في نفس الوقت بالتسيير الدولي للقطب الشمالي بعد اكتشاف عدة ثروات فيه، وطالب بعدم إبقاء ذلك في يد روسيا لوحدها، ولا ننسى تصريح متيران في التسعينيات بقوله “ليس عدلا إبقاء ثروات في أيدي دول لا تعرف استغلالها، ولم تنتجها أصلا، وأنها هبة إلهية لكل البشر”.
وهو ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات حول ما يدبر في الخفاء بشأن الصحاري والأقطاب، وكأن هناك مشروعا سينفذ على المدى المتوسط هدفه التعامل مع الفضاءات الصحراوية والأقطاب بنفس منطق التعامل مع المياه الدولية والإقليمية بالنسبة للبحار حسب قانون البحار.
ويمهد لذلك بالتشبيه المشبوه للصحراء بالبحر وتنامي الأعمال الإرهابية في المنطقة، ولا نستبعد استخدام نفس أساليب القرن19عندما قرر مؤتمر فيينا في 1815 احتلال الجزائر بعد اتهامها بالقرصنة في البحر المتوسط، وروجوا لهذه الأكذوبة لدرجة تصديقها حتى من جزائريين كثر اليوم، وأصبحوا لا يعلمون أن الجزائر كانت تحمي السفن التجارية من القراصنة الذين أغلبهم أوروبيون مع أخذها الإتاوات مقابل تلك الحماية، لكن استبدلت اليوم القرصنة في البحار بالإرهاب في الصحراء ومحيطها، فمن السهل على الدول الكبرى توجيه التهمة الباطلة برعاية الإرهاب لأي دولة تعرقل إستراتيجياتها، وقد فعلوها مع الكثير من الدول من قبل.
فلنستعد من اليوم لمواجهة مخطط دولي يستهدف الصحراء الكبرى، ويستند على زرع الفوضى الأمنية لإيجاد ذرائع للتدخل فيها، ثم إعادة تشكيل خريطة منطقتنا كلها حسب مصالح وإستراتيجيات قوى كبرى، وستلعب الفوضى والإرهاب في ليبيا دور المفجر لهذه الفوضى الشاملة بتأثيرها الأمني على شمال أفريقيا وما أصبح يسمى “بالساحل”.

مقالات متشابهة