14 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
وطني

اسم الجنرال توفيق أدخلني سركاجي ومهري كان سندي

 

حاورته: سامية حميش

أجتهد دائما في الاحتماء بالقاعدة التي تحكم علاقة الصحافة بالسلطة، تماما كالفراشة والنار. على الصحفي أن يقترب حتى يفهم وأن يبتعد حتى لا يحترق.

محمد النذير بولقرون إعلامي، مدير جريدة”صوت الأحرار” وعضو قيادي في حزب جبهة التحرير لم تثنه المسؤوليات والمناصب عن ممارسة الكتابة، فالصحافة هي حياته ونضاله وتضحيته التي قادته ذات يوم إلى غياهب السجون قربانا لحرية الصحافة، وفي هذا اللقاء الذي جمعه بـ”الحوار”، يروي الأستاذ بولقرون لأول مرة تجربته القاسية في”سركاجي”، ومحطات أخرى لا تقل أهمية في مشواره الإعلامي الحافل.

 

  • هل ترى أن جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف، تساهم في ترقية حرية التعبير؟

 

– إن حرية التعبير لا تمنح بل تفتك بالإرادة والنضال والتضحية، وما حققته صحافتنا الوطنية من حرية لم يكن منحة من أحد، إنه ثمرة تضحيات جليلة قدمها أهل المهنة، لذلك أقول إن جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف هي غرس ينتظر من أهل المهنة الكثير من الماء والسماد لكي ينمو ويزهر ويسهم في توسيع دائرة الظلال، التي توفر الأرضية الخصبة لترقية حرية التعبير وحمايتها من كل تعسف أو قمع، لكن الملاحظ، للأسف الشديد، أن هناك من يترصد كل بادرة بالإبادة والقتل، باسم المعارضة حينا وباسم الحرية أحيانا أخرى، حيث نجد أن المقاصل منصوبة لإعدام كل شيء، وكأن حرية التعبير تعني التنافس في الإثارة والتجريح والتحريض والتشهير المغرض.

لنا أن نتساءل: لماذا يسيل حبر كثير، ابتهاجا طبعا، لأن جزائريا نال جائزة من الخارج، على ما في ذلك من خلفيات، في حين تتجند الأقلام والأصوات للطعن في جائزة وطنية، فاز بها صحفيون، نعرفهم ونقدر إسهاماتهم في خدمة مهنتهم، ليسوا عملاء أو بيادق أو خونة، كما أنهم يناضلون، مثل الآخرين، ومنهم الساخطون على جائزة الرئيس، من أجل صحافة وطنية حرة ومهنية، إيمانا منهم بأهمية أن تتسلح الجزائر بإعلام قوي وذي مصداقية.

 

  • تم فتح قطاع السمعي البصري من خلال قنوات أجنبية، كيف تقيم التجربة، وهل ترى أن حرية التعبير قد تجاوزت مرحلة الخطر؟

 

– إن المتعارف عليه، كما أن الحرية الزائدة تقتل الصحافة، فإن التضييق على حرية التعبير يقتل الصحافة. هذه الحقيقة تختصر الصراع بين السلطة والصحافة، باعتبارهما طرفي الخلاف……

إننا في زمن زالت فيه الحدود وتحول العالم إلى مجال افتراضي، تنتقل فيه الكلمات والصور دون رقابة أو حواجز. وكما هو معلوم، فإن كل بلد له ثلاث سيادات: سيادة على أرضه، وسيادة على جوّه وسيادة على المياه البحرية، وهناك الآن سيادة فضائية، وقد أثبتت التحولات السياسية، التي جرت في دول الجوار والمحيط القريب أن غياب قنوات إعلام سمعي بصري محلي قوي أضعف قدرات بعض الدول على مواجهة الأزمات السياسية والاجتماعية، حيث لعبت القنوات الفضائية الأجنبية دورا حاسما في تجنيد الشارع، وقد تبين أن هذه القنوات غير محايدة، خاصة في الحالات الليبية واليمنية والسورية، وهو ما يعني أن ترك الساحة فارغة أمام هذه القنوات يمثل خيارا انتحاريا.

لقد أصبحت لبلادنا قنوات تلفزيونية خاصة، وهي تتكاثر بسرعة، وحتى إن كان أصحاب هذه القنوات اضطروا إلى تأسيسها في الخارج، في انتظار صدور القوانين التي تنظم هذا النشاط،، فإن السماح لهذه القنوات بالعمل في الجزائر يمثل إشارات قوية على أن عهد الانفتاح قد بدأ بالفعل، قد تحدث انتكاسات، لكن لا مجال للعودة إلى الوراء.

إن إنشاء قنوات تلفزيونية خاصة يعد إثراء للحقل الإعلامي والسياسي ودعما لحق المواطن في الإعلام، هذا الحق الذي يمر حتما عبر حرية الوصول إلى مصدر الخبر، وأشدد هنا على أن فتح قطاع السمعي البصري يعتبر تعزيزا للأمن الوطني، وهذا ما يدعو إلى ضرورة الإسراع في إقرار سلطات الضبط لتنظيم ممارسة المهنة، كما أن الإعلاميين مطالبون بممارسة التقييم الذاتي للتجربة وإجراء فحص دقيق للخبرة الإعلامية المكتسبة، أين نحن وإلى أين نسير.

أما عن تقييمي للتجربة، فأرى أنها مفيدة، رغم حداثتها، صحيح إن هناك نقصا في الاحترافية ونوعا من الارتجال وضعفا في الإمكانيات، لكن الصحيح أيضا هو أن الجزائريين قد عادوا إلى البيت الجزائري بعد أن كانوا قد هجروه سنوات طويلة. ينبغي الاعتراف بأن القنوات الخاصة ساهمت في تغيير المشهد الإعلامي ونجحت في خلق حيوية ملحوظة في الساحة السياسية وتقديم مادة إعلامية متنوعة للعائلة الجزائرية، كما أنها مكنت من إبراز طاقات شبانية واعدة.

 

 

  • ما هي قصة الصحافة معك، كيف تقيم المسيرة؟

 

– لم أختر الصحافة بل هي التي اختارتني، لم أكن مولعا بها ولم أفكر يوما أن أصبح صحفيا، بل إن أحلامي كانت تغرد في فضاءات أخرى، لكني وجدت نفسي في النهاية مرغما على الالتحاق بالمدرسة الوطنية للصحافة بجامعة الجزائر، آنذاك كنت مشدودا إلى أضواء عاصمة بلادي قبل أن يغريني بريق مهنة المتاعب، ويحتفظ سجل الذكريات بأني كنت آخر المسجلين في دفعتي، وأن يدي لم تطاوعني لأمسك بالقلم للتوقيع على الوثائق بينما كان المكلف بالتسجيلات يستعجلني، لأن الوقت قد انتهى

وأتذكر أني عندما عدت إلى بلدتي بولاية بسكرة، تلقيت الدرس الأول في الصحافة من أستاذي الشيخ الطيب بوعبدالله، رحمة الله عليه، عندما أخبرته بأني قد التحقت بالصحافة، قال لي: خذ حذرك من مصنع الأكاذيب. يومها لم أفهم جيدا ماذا كان يقصد، لكن بمرور الوقت أدركت أنه كان ينبهني إلى أن الصحافة هي تنوير الرأي العام وخدمة الحقيقة، هي الحرية والصدق والمسؤولية وليس التضليل والكذب. فهل تراني التزمت بوصية أستاذي؟. إن تلك الوصية تلازمني، تقود تفكيري وتحمي قلمي من السقوط في الانحراف، لذلك أجتهد دائما في الاحتماء بالقاعدة التي تحكم علاقة الصحافة بالسلطة، حيث قد تكون تمردا وقد تكون التقاء، تماما كالفراشة والنار. على الصحفي أن يقترب حتى يفهم وأن يبتعد حتى لا يحترق.

 

 

  • الأستاذ نذير، صحفي، مدير جريدة، عضو قيادي في حزب جبهة التحرير الوطني، هذا المشهد يتزاحم فيه عديد الألوان، كيف يمكن ضبط هذه التوليفة؟

 

إن هذا المشهد تتزاحم فيه كل الألوان، والحمد لله بفضل الإرادة والصبر والإصرار على تجاوز الصعاب،  هناك شبه نجاح في بلورة أو صناعة لوحة تبدو مريحة أو على الأقل أنها غير منفّرة، ويسعدني أني أتشرف بإدارة صحيفة  تحظى بالاحترام، جريدة غير مقولبة، لا ترى المشهد السياسي بعيون مغلقة أو ميتة، بل بعيون مفتوحة، ترصد ما هو إيجابي وما هو سلبي وما هو في خدمة الجزائر، لا تلتزم الصمت عندما تتعرض حياض الوطن للعدوان، أعني سيادته وهويته وعناوين الشخصية الحضارية للشعب.

بالتأكيد، فإن المسيرة ليست سهلة، إنها خطوة بالأمل وأخرى بالألم، تلك هي طبيعة الصحافة، مهنة شيقة، لكنها شاقة، وقد أصبحت في بلادنا، خلال سنوات الأزمة الدامية، مهنة الموت، لذلك فقد قادتني لسركاجي سجينا، وإني أتساءل دائما، هل الصحافة هي التي أجرمت، أم أن اسم الجنرال كان وراء إيداعي السجن؟

 

  • ما هي حكاية سركاجي واسم الجنرال؟

 

إن الحكاية، وهي ليست مسلية طبعا، ترتبط باسم الجنرال توفيق آنذاك، مجرد اسمه، الذي قادني إلى سجن سركاجي، وإن كنت لا أعرف علاقة الجنرال بالذي حصل وإن كنت أعلم  هكذا يقال- بأنه يسمع دبيب النمل في أدرار والطارف ووهران، وهو جالس في مكتبه بالعاصمة.

في ذلك اليوم البعيد، من شهر سبتمبر 1994، فوجئت بزيارة ضابطين إلى مكتبي بالمجاهد الأسبوعي، وكنت وقتها مديرا للصحيفة- وكانا ينتميان إلى مصلحة الصحافة بمديرية الاستعلامات-، سألني أحدهما: هل تعرف  الجنرال، حتى تتحدث عنه؟ بدا لي السؤال عجيبا، لكني أجبت: لا أعرفه شخصيا، لكني أعرف اسمه ووظيفته، أنا صحفي ومهنتي تمكنني من معرفة مسؤولي بلادي.

بعد يومين، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة وخمس وأربعين دقيقة، كانت هناك زيارة أخرى، لكنها هذه المرة من عناصر الشرطة، كانوا ثلاثة، يحملون استدعاء من محكمة سيدي امحمد بالعاصمة للمثول أمام قاضي التحقيق على الساعة الثانية زوالا.

لم أكن أعرف ما هي القضية التي استدعيت من أجلها، حتى فاجأني قاضي التحقيق بأن القضية تتصل بزيارة الضابطين. القاضي أخذ يلف ويدور، وهو يستجوبني حول المقال- التهمة، دون أن يقترب من الجنرال تلميحا أو تصريحا، بل إنه ذهب بعيدا في تفكيك المقال وتحليل معاني ما ورد فيه من كلمات.

كانت التهمة غير المعلنة هي ورود اسم الجنرال في المقال، لكن القاضي كان يحلق بعيدا، وكانت التهمة المعلنة هي “نشر أخبار مغرضة من شأنها المساس بالأمن الوطني والتعاون مع دولة أجنبية”، يا لها من تهمة خطيرة! في حين أن المقال، الذي نشرته الصحيفة  لا يتجاوز عدة أسطر، وكان في مدلوله الواضح، من حيث اللغة والمبنى والمعنى، دفاعا عن الجزائر وعن المؤسسة العسكرية، وكان ردا على اتهامات العرش المغربي للمخابرات الجزائرية، إثر الاعتداء الإرهابي الذي استهدف فندقا بمراكش.

بدا قاضي التحقيق خلال جلسة الاستنطاق، وكأنه يبحث عن أسباب أخرى غير معلنة، ذلك أن الموضوع محل التهمة ليس خبرا، بل تعليقا ساخرا، وأن الدولة التي اتهمت بالتعاون معها هي موضوع السخرية والانتقاد.

من حرك الدعوى؟ هل هو الجنرال أم الاسم، الذي باسمه وتحت رايته تحركت الآلة وهب المتطوعون والمداحون وساد الصمت ولم يعد هناك من يجيب عن السؤال أو يتجرأ على طرح القضية.

لم يكن ذلك اليوم في حياتي كأي يوم، كان يوما استثنائيا، إذ بعد أكثر من ساعة من الاستنطاق، أبلغني قاضي التحقيق بقرار إيداعي السجن. تم إخراجي من الباب الخلفي للمحكمة، وقضيت الليلة الأولى لاعتقالي في زنزانة انفرادية، مجاورة للزنزانات التي تحوي المتهمين بالإرهاب.

في الطريق إلى السجن، نطق شرطي: ماذا فعل؟.. آه، إنه مدير، لابد أنه سارق!.. قال مدير السجن بصوت مرتفع: أرني ملفه، إنه صحفي، هؤلاء الخونة.. أسكت يا … وكان السكوت. قف، إلى الوراء “در”، لا تتكلم.. وخضعت للأوامر وبدأ صراعي مع يوميات الاعتقال. في زنزانتي بالطابق كذا تحت الأرض، انفجرت كافة المشاعر، تدافعت الأفكار وتشابكت، ورحت أسائل نفسي: هل حقا أن اسم الجنرال هو الذي جاء بي إلى هنا، حيث السجان والقضبان، ووجدتني وحيدا، يحاصرني هاجس الموت،  فالزمن هنا هو زمن الحرية المفقودة، قد تطول الرحلة وقد تتحول الأيام إلى شهور، إلى سنوات، إلى موت قد يأتي غدرا. تلك هي حكايتي، أرويها اليوم لمجرد إنعاش الذاكرة والتنفيس عن المخزون في القلب.

 

  • كيف تلقيت خبر رحيل الجنرال توفيق؟

 

أدرك أن هناك من سيتساءل، لماذا لم أكتب عن الحكاية عندما كان الجنرال سيد الزمان والمكان، وجوابي أني كتبت عنها بعض ما كان يجب أن يقال. المهم أن الجنرال قد استراح،  وأجدني مدينا له، لأن اسمه- هكذا أراد من يتزلفون له-  قد نزل بي ضيفا على سركاجي لمدة ستة أيام، وأضاف لي تجربة أخرى في حياتي، كان لها طعما مغايرا.

عند خروجي من تلك المملكة المسورة بالرعب، شعرت بصدمة الحرية، خنقتني زرقة السماء وضاعت مني الحدود الفاصلة بين الضحك والبكاء. كانت البراءة، بعد سلسلة طويلة من المحاكمات دامت شهورا عديدة، ولا أعرف هل أضعها وساما على صدري، أم أضع أيام السجن إكليلا على رأسي. مرت السنوات، وما تزال تلك الحكاية، تأبى أن تمحى من ذاكرتي، وإن نسيت فلن أنسى وقفة الرجال، على رأسهم ذلك الرجل الكبير، الذي كان سندي القوي طيلة أيام السجن، إنه أستاذي المحترم عبد الحميد مهري، رحمة الله عليه.

 

  • ما هو شعورك تجاه هذه التجربة القاسية، وماذا علمك السجن؟

 

شعوري هو شعور كل من يفقد حريته تعسفا، ورغم مرارة السجن والإحساس بالظلم، فإني أشعر بالاعتزاز، لأني دخلت السجن بسبب الدفاع عن بلادي، وثانيا لأني دخلت السجن قربانا لحرية الصحافة والتعبير، وثالثا إذا كان الدفاع عن الوطن جريمة، فيا لها من جريمة محمودة، ومرحبا بالسجن، الذي يصبح في هذه الحالة مأوى الرجال. وأعترف بأن الخوف قد استبد بي في الليلة الأولى من موت قد يأتي بغتة، إذ قد تدخل السجن حيا وقد تخرج منه محمولا، لكن الله شاء أن يكون في العمر بقية وأن ينتصر السجين على السجان وأن تبقى الكلمة أقوى من السيف.

ولا بأس أن أوضح بأن هناك من يريد احتكار التضحية في سبيل حرية التعبير، مع أن الحقيقة هي أن الصحفيين خلال المأساة الوطنية، قد دفعوا ثمنا باهظا، من حياتهم وحريتهم، وهذا ما تشهد عليه زنزانات السجون وقوافل شهداء المهنة، الذين حصدت أرواحهم آلة الإرهاب المقيت.

إن تجربة السجن مؤلمة، لكنها قد تكون مفيدة، من حيث أنها تشحن الصحفي بما هو ضروري من طاقة المواجهة والمقاومة لممارسة مهنته، لقد تعلمت بأن صوت الحقيقة يخترق الأسوار، وأن الإفتراء هو قبر الحرية وأنه من خصال الصحفي أن يكون متحديا، لا يبيع ضميره مهما غلا الثمن ولا يخضع للخوف والضغوط، وأن يكون جنديا في معركة تعزيز حصاناتنا ودفاعاتنا الوطنية وأمن وطننا القومي، مما يعني أن الصحفي يجب أن يكون في خدمة القانون وليس فوقه.

تعلمت أيضا أنه من الخطأ الاعتقاد بأن حرية التعبير امتياز خاص للصحفيين، ولكنها حق عام   للمجتمع، يكفله الدستور، وهي بعد ذلك كله ليست حرية شائعة هائمة، بل هي حرية مسؤولة، تضبطها قواعد قانونية واجتماعية وأخلاقية. وفي هذا السياق أسجل، للأسف الشديد، بأن الصحف قد طغت عليها السياسة لا الصحافة، إلى درجة أن المشهد يعاني من فوضى إعلامية، لذا يجب أن تعود الصحافة إلى مهمتها ووظيفتها ورسالتها، لإبلاغ المجتمع بالحقيقة وتزويده بالمعلومة وتغذيته بالرأي والتحليل ومساعدته في تشكيل الآراء والاتجاهات والمواقف، ولعل هذا ما يدعو إلى التأسيس لصحافة القيمة والارتفاع بمستوى الحوار العام، وأن يكون المثقفون والأدباء والمفكرون في قلب المشهد، يتابعون ما يجري ويكتبون عنه عن علم ومعرفة.

 

  • كيف كانت علاقتك بالأستاذ عبد الحميد مهري؟

 

هي علاقة الأستاذ الكبير بتلميذه، لقد كان لي الشرف أن عرفت سي عبد الحميد مهري، حيث عملت تحت قيادته، فهو شخصية استثنائية، قامة وقيمة، قدوة ونموذج، مثال للود والنزاهة، كان مدرسة متكاملة، تتعلم فيها السياسة والتاريخ والثقافة والصحافة واللغة والأخلاق وتواضع الكبار، إنه السياسي البارع، المثقف الجامع والوطني الصلب، إنه الإنسان الذي لم تغيره السياسة، الجزائري الصميم الذي لم تسكره المسؤولية ولم تفقده جوهره الأصيل، بل ظل طيلة حياته نموذجا في وطنيته وأخلاقه ومواقفه ونزاهته وفي تعاطيه السياسة وحبه للجزائر.

كان سي عبد الحميد على تواصل دائم مع نبض الشعب، بلور إرادته الأصيلة، اعتبر الحوار والمصالحة وسيلة  للوفاق الوطني وترسيخ الوحدة وتجاوز مرحلة ” يا قاتل يا مقتول”، كانت صراحته المعهودة حاسمة لكنها لم تكن جارحة، لذلك أحبه الجزائريون واحترموه.

لقد أخذ سي عبد الحميد معه إلى دار الخلود أسطورة الكبار وقصة حياة جديرة بالتقدير والاقتداء، لكن المؤكد أن الأسطورة لن تتكرر. ويكفي أن أشير، من باب التذكير، أن الجزائر كلها خرجت في جنازة الأستاذ عبد الحميد مهري، بمعنى رموز البلد باختلاف تياراتهم الفكرية والسياسية، كل واحد من هؤلاء ربطته بسي عبد الحميد وشيجة ما، إن لم تكن بالشخص الإنسان، فبالمناضل المجاهد، أوبالسياسي المثقف والقيم التي زكاها ودافع عنها إلى آخر يوم من حياته. إن كل واحد من الذين خرجوا لوداعه، بما فيهم خصومه الذين حاربوه وناصبوه العداء، كان يرى في عبد الحميد مهري ذلك الرمز الكبير.

 

  • تواظب على الكتابة، رغم أعباء التسيير، ما الدافع؟

 

– أحرص على الكتابة، لأني صحفي أولا وأخيرا، ولأني أدرك أن المسؤولية لا تدوم، أنا أكتب حتى أبقى صحفيا، فالصحافة التي طرقت أبوابها مكرها أصبحت حياتي، بفضلها تعلمت واكتشفت وصارت لي رسالة تجاه بلادي. أعتز بشرف الانتماء إلى مهنة الصحافة التي يسرت لي الوصول إلى الناس ومنحتني أشهى ثمراتها، قراء ومحبين، لذلك كله أكتب حتى لا أتنكر لنفسي ولا أخسر حريتي، وهذا ما يعزز إيماني بأن الصحافة التي تكون في مستوى الشعب الجزائري، هي الصحافة الحرة، التي لا تخضع إلا للقانون وأخلاقيات المهنة وأمانة الضمير.

 

  • تحرص منذ زمن طويل على مرافقة مقالك الأسبوعي برسالة حب، اخترت لها عنوان: ” أحلى الكلام”، فمن عساها تكون صاحبة الحظ، هل هي واقع تحياه، أم مجرد خيال تسبح فيه؟

 

قد تكون السياسة وكذلك الصحافة أبعدتاني عنوة عن الأدب، أنا الذي تفتحت عيناي على شعراء وأدباء كبار، كنت ولا أزال شغوفا بإبداعهم الجميل ولغتهم الراقية ورهافة حسهم وصدق مشاعرهم، ولذلك أتمرد على السياسة بين الحين والحين، فأكتب عن الحب، عن التي أكرمني حبها وعلمني القراءة والكتابة، على رأي الشاعر الكبير نزار قباني. عندما أكتب عن تلك العملة النادرة، فإنما أنسحب إلى ذلك الظل الوارف، من المشاعر النبيلة، خاصة وأننا في عالم تقف مفرداته عند حدود العنف والتطرف والكراهية.

إننا بحاجة إلى تلك القيم التي تجعل الحياة، رغم قساوتها، عذبة وجميلة، تمنحنا القدرة على العطاء، في زمن تبلدت فيه المشاعر وأصبحت الخيانة هي عنوان العلاقات الإنسانية.

هل ما أكتبه نتاج تجربة ذاتية، هل من السهولة أن يبوح المرء بقصة حب، هي ملكه وحده، إلى درجة أنها تصبح سر وجوده؟. إن ما أكتبه شيء من ذاتي، لا يمكن أن أخفيه أو أنفيه وقد حرصت أن يخرج إلى النور، لأن الحب يعلن عن نفسه، إنه يهوى التحليق في سماوات الحرية والآفاق المفتوحة ولا يعترف بالحدود التي ترسمها الأسلاك الشائكة بين من تعانقت فيهم القلوب وتآلفت الأرواح. أكتب عن الحب، لأن إيماني عميق بأثر الكلمة الحالمة، المعطرة بالصدق والمفعمة بالأشواق السامية، ولأني لا أتصور أن هناك قلبا لم يخفق بالحب ولم يقع في تلك المصيدة الجميلة، وكما هو معروف، في الحب نحن أقوياء وفي الكراهية نحن ضعفاء.

 

  • تمارس الصحافة والسياسة، ألا تشعر بأن التحزب قد يحجب الرؤية؟

 

أتعاطى السياسة من منطلقات مبدئية واضحة، لا أرى أي تعارض في أن أكون صحفيا وعضوا في حزب، لأن كليهما نضال من أجل تجسيد أفكار محددة وقناعات معينة، تخدم تطلعات الشعب وطموحاته، فالصحافة نضال في سبيل خدمة الحقيقة وشحذ الوعي وتنوير الرأي العام وتسليط الضوء على الانحرافات والفساد وفضح أعداء الحرية والديمقراطية، ولا أتصور النضال في إطار الحزب إلا في هذا السياق العام، أي التحاور والتفاعل مع الناس وخدمة قضاياهم.

إن التحزب ليس مستهجنا، بل المطلوب هو انخراط المثقف في الحياة السياسية، حتى يكون في صلب الأحداث، متفاعلا معها وموجها لها، قد تكون هناك مبررات موضوعية لنفور المثقف من السياسة، لكن لا ينبغي الاستسلام للأمر الواقع والقبول به، بل يجب تجاوزه، بما يحقق لأهل الفكر والثقافة والعلم وجودا مؤثرا في الفعل السياسي، وهذا حتى يكون الاستحقاق للجدارة والكفاءة، وليس للجهل والرداءة.

لذلك كله، أرى ضرورة طرح الأسئلة الكبرى حول واقع الصحافة في بلادنا والبحث عن الإجابات الكفيلة بتصحيح المسيرة، من ذلك مثلا، هل نحن بحاجة إلى 160 صحيفة، ما الدور الإعلامي الذي تضطلع به هذه الصحف، أين هي الاحترافية، ما هي مكانة التكوين في إعداد الصحفيين، وهل يملك الصحفي ناصية اللغة، التي بها يكتب وينطق؟

 

  • لكن ألا تعتقد بأن السياسة انحياز لرؤى وأفكار، عكس الصحافة التي تقتضي الحياد؟

 

يوحي السؤال بما يفيد أن السياسة رديئة ويسودها الفساد وأن أهلها معزولون عن الشعب، قد يكون ذلك صحيحا، لكن الصحيح أيضا هو أهمية النضال من أجل أن تصبح السياسة مرادفة لخدمة الصالح العام، وأن يكون المشتغل بها نموذجا في الاستقامة والنزاهة، وأن يكون رجل السياسة حاملا لرسالة وطنية، صاحب رؤية وموقف.

إذا كانت السياسة في بلادنا رديئة، فهل نرمي بها إلى البحر، وكذلك هو الشأن بالنسبة للصحافة، هناك من يسيئون للمهنة، هناك دخلاء وهناك أصحاب المال الفاسد، فهل نرمي بها إلى المزبلة؟. إن هذه التوصيفات، على حدتها، تملي على من يمارسون السياسة والصحافة والمحاماة والطب، الالتزام بما تفرضه أخلاقيات المهنة ومراعاة مصلحة الشعب.

أما أن الصحافة تقتضي الحياد، فتلك مسألة فيها نظر، وتبدو لي مجرد قصة للتباهي، ذلك أن الصحفي ليس آلة، بل له رأي ووجهة نظر، يحب ويكره، يقبل ويرفض، ثم أن الصحف والقنوات هي مملوكة لأفراد وأحزاب ومؤسسات مالية ودول لها مصالحها وأهدافها، فهل يمكن أن نتصور أنها تلتزم الحياد.

ومن باب الحيادية طبعا، كم أتمنى أن أقرأ كلاما طيبا عن اللغة العربية أوالاسلام في بعض الصحف التي تصدر هنا في الجزائر! ثم هل ننسى كيف قامت قناة “السي أن أن” بتضليل وتوجيه الرأي العام الغربي أثناء الحرب الأولى على العراق، لذلك فإن الحديث عن الحياد في الصحافة يبقى مجرد حديث للاستهلاك.

 

 

  • ماذا كتبت لها في آخر رسالة؟

 

–  كتبت لها أقول ” ها أنا أقسم بعينيك، إني أحبك، أنت أميرة الحب ودم القلب ونبض الروح، أرجوك حبيبة حياتي، لا تقتلي قلبا هو قلبك، يا من أهواك حتى آخر العمر..”.

 

  • حكمتك في الحياة؟

 

– أنا ابن النخلة المباركة، وكما هي تتحدى الزمن، تتنفس الحرية، تطاول السماء وتأبى إلا أن تموت وهي واقفة، لذلك فأنا أؤمن بالقول المأثور ” الضربة التي لا تقتلك تقويك..”.

 

  • آخر كلمة؟

 

ذات يوم كنت أتصفح كتابا عن حياة الكاتب الكبير والصحفي القدير الأستاذ عباس محمود العقاد، وقفت عند مقولة رائعة، شجعتني على المضي في دراسة الصحافة. كان العقاد يكتب مقالات قاسية في صحيفة “روز اليوسف”، أثارت سخط الحكومة، فاستدعى النحاس باشا زعيم الوفد العقاد، وقال له: يا سيد عباس، أنا زعيم الأمة وهي معي، فماذا تصنع أنت بقلمك، وكان رد العقاد ” أنت زعيم الأمة لأن هؤلاء انتخبوك، ولكني لست كاتبا بالانتخاب”.

…………………………………………………………………………………

 

 

نوافذ

_سي عبد الحميد مهري شخصية استثنائية، قامة وقيمة، قدوة ونموذج، مثال للود والنزاهة، كان مدرسة متكاملة، تتعلم فيها السياسة والتاريخ والثقافة والصحافة واللغة والأخلاق وتواضع الكبار.

_ إذا كانت السياسة في بلادنا رديئة، فهل نرمي بها إلى البحر، وكذلك هو الشأن بالنسبة للصحافة، هناك من يسيئون للمهنة، هناك دخلاء وهناك أصحاب المال الفاسد، فهل نرمي بها إلى المزبلة؟.

 

مقالات متشابهة