25 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
وطني

محال “الفريب” تكتسح الأحياء الراقية وتشوه وجه العاصمة

ح/سامية

غيّرت أطنان ملابس ” الشيفون” وجه العاصمة وديكور أجمل شوارعنا وأرقى أحيائنا، وباتت تجارة رائدة تزدهر أكثر فأكثر مع قدوم الخريف وإقبال الجزائريين على كسوة هذا الفصل مما تلفظه أوروبا وأمريكا لدول العالم الثالث، وكانت هذه التجارة وراء غلق كلي ونهائي لمئات الآلاف من المصانع الوطنية، وشردت ما يزيد عن 200 ألف عامل خلال العشريتين الماضيتين فقط، وبعدما كان لا يخلو أي بيت جزائري من وجود آلة خياطة، وكانت مهنة ” التايور” تسيل اللعاب زال كل شيء وذهبت معها ملايين السنوات من الخبرة وكأن ” تسونامي” مر على قطاع النسيج ببلادنا.

انتشرت محال “الشيفون” بالعاصمة كالفطر ولم يعد يخل منها أي شارع مهما كان راقيا وكأنها لا تعيب المكان كما اعتقدنا طويلا، فـ”الفريب “هو الآخر أنواع وأجوده “الفريب كلاس” الذي له زبائنه الخاصين جدا ومحلاته، في حين يبقى المواطن ضعيف الدخل يكتفي بشيفون الطاولات ذو الرائحة النفاذة التي لا تختفي ولو غسله عشرات المرات، لكن “واش يدير الميت في يد غسالو”، فلا خيار أمام عائلات تعيش تحت خط الفقر ويعاني أربابها البطالة إلا طاولات الشيفون ومحال الفريب.

كان شارع حسيبة بأول ماي من أول وأكثر الشوارع التي شهدت انتشار تجارة الملابس المستعملة، بحيث حدث في محلاتها انقلاب سلمي في وقت وجيز نتج عنه نشاطها التجاري وصارت لافتات “فريب” ظاهرة للعيان تلفت الانتباه وتسترعي الاهتمام، خاصة وأن الملابس صارت تعرض على قارعة الأرصفة وتصدم رائحتها النفاذة المارين وتخترق أنوفهم رغما عنهم، لكنها رغم ذلك كانت ولازالت تجد زبائنها الأوفياء ليس فقط من الفئات البسيطة بل المتوسطة أيضا، فالشيفون على ما يبدو لا يعلى عليه لأنه أيضا أنواع ومنه ما ليس في متناول الجميع.

ويحتكر شارع حسيبة لوحده أكثر من سبعة محال لـ”لفريب”، والمتجول فيها لا يفتأ يخرج من أحدها حتى تفاجأه لائحة أخرى لمحل آخر مجاور.

دخلنا أحد هذه المحال بمدخل حسيبة فلاحظنا فيه اكتظاظا كبيرا على أساس أنه يوم وصول السلعة الجديدة، وعلمنا من صاحبه أن الأيام التي يعرف فيها المحل إقبالا ملحوظا هي أيام وصول السلعة الجديدة وأيام الصولد وتسريب السلع الموجودة بأسعار رمزية، الأمر الذي يعتبر فرصة لجل المواطنين وليس الفقراء، فصاحب المحل رفض تسمية زبائنه بالفقراء، مؤكدا أن “الفريب” سلعة محترمة وأغلبها “كلاس” و”ماركة”، وهي وإن كانت قديمة فهي أحسن من التايوانية وإن كانت جديدة. وأغلب من يقبلون عليها يبحثون عن سلع متميزة لا يقدرون على تكلفتها حيث تباع جديدة.

وأضاف صاحب المحل، أنه ككل تجار الشيفون يتحمل الربح والخسارة في هذه التجارة، فـ”البالا” يستلمونها مقفولة ولا يعرفون ما فيها كالقمار، سلعة يجدون ملابسها مغرية تجد الإقبال المطلوب وأحيانا لاشيء فيها “يستهل” كما قال التاجر. وعن الروائح التي تملأ المكان وكل مكان تباع فيه ملابس”البالا”، أضاف أنه شخصيا يتولى وعائلته تنظيف وكي الملابس قبل عرضها، وكذا تصنيفها حسب الجودة والنوعية التي تحدد السعر.

أما الأسعار، فقد استطلعناها عن قرب لنكتشف بالفعل أنها ليست هينة، بل أن بعضها يتجاوز سعر الجديد، والسبب حسب ذات المصدر هو أنها “ماركة”، وهي إما من إيطاليا أوفرنسا أو غيرها، لكن المهم أنها أصلية، فالأحذية الشتوية مثلا وجدنا بعضها بـ 1600دج، وهو نفس سعر الجديد منها والمعاطف تجاوزت الـ2000 دج، وسراويل الجينز الرجالية تجاوزت الـ1200دج .

 

  • “محال الشيفون تجاور فروع الماركات”

 

رغم اعتباره أحد الأحياء الراقية إلا أنه يضم عددا لا بأس به من محال “الفريب كلاس” كما يطلق عليه أصحابها، محال تجاور فروع الأزياء لماركات معروفة على المستوى العالمي، ولها زبائنها الذين يتعاملون مع التجار بسياسة البيع تحت الطلب، فيختارون لهم أجود ما تحتويه “البالا” عند دخول كل موسم جديد، خاصة في فصل الشتاء الذي تشهد فيه هذه المحال على أنواعها رواجا كبيرا نظرا لما يتطلبه هذا الفصل من ملابس يفضل أن تكون مستوردة، أما حي اسطاوالي الذي لا تفصله عن إقامات الدولة سوى بضعة أمتار فقد حدث انقلاب في محاله أدهش أصحاب الحي، لأنه في وقت وجيز فتحت حوالي عشرة محال لبيع “الفريب” بسطاوالي، محال غيرت نشاطها التجاري المتنوع لتتنافس على بيع الملابس المستعملة والأحذية والحقائب اليدوية وحتى الملابس الداخلية، والغريب أن هذه الأخيرة تجد إقبالا من طرف السيدات على أساس أنها مستوردو وتباع بأسعار بخسة.

وأثناء جولتنا بهذه المحال، التقينا عددا منهن هن يترجين البائع أن يخفض لهن في أسعار هذه الملابس التي اشترينها في الأخير مابين 20 إلى 50 دج للقطعة، وسألنا السيدات حول ما إذا كانت لديهن مخاوف حول هذه الملابس الحميمية التي استعملت من قبل من طرف أجانب، لكنهن أجبن بكل ثقة أنهن متعودات على اقتناء مثل هذه الملابس الداخلية المستعملة دون مشاكل، خاصة وأنهن يقمن بغسلها جيدا قبل استعمالها. وبالنظر إلى الأسعار المتدنية لهذه الملابس، أدركنا أن الفقر والعوز وحده هو الذي دفع بهؤلاء النسوة إلى اقتناء الملابس الداخلية المستعملة والتي سبق لأخصائيي الجلد والأمراض المعدية أن أطلقوا صيحات الإنذار محذرين من عواقب اقتناء الملابس الداخلية المستعملة التي من شأنها أن تنقل عدوى بعض الأمراض الجنسية المعدية أوحتى الأمراض الجلدية والحساسية، رغم أن الدكتور أولمان المختص في الأمراض المعدية والأوبئة، يقول بأن هذه الملابس لم تسجل حالات عدوى لأنها تعرض على لجنة رقابة عند دخولها الميناء، وتتم مصادرة “البالا” المشكوك فيها أوالتي يرى الخبراء أنها تحمل فيروسات خطيرة أومعدية، وقد سبق وحدث ذلك، في حين يحذر الدكتور أولمان من الملابس الداخلية، ويرى أن تجنبها نهائيا أفضل، مشيرا إلى أن ذلك يرجع إلى درجة الوعي التي يتمتع بها المواطن.

 

  • أرباب الأسر يجدون ضالتهم في “البالا”

 

تعتمد الكثير من العائلات العاصمية على كسوة أولادها من محال “الشيفون” بل وتخصص لذلك ميزانية بين الحين والآخر، سواء عند دخول المدارس، الأعياد أودخول موسم الشتاء، وهو الأمر الذي لاحظناه بعدة أحياء بالعاصمة منها الحراش التي يباع فيها الشيفون برخص التراب، وفي أحياء أخرى كعين بنيان أيضا، حيث التقينا مجموعة من الأطفال رفقة أمهاتهم يرفضون دخول هذه المحال خجلا من أن يراهم أصدقاءهم وزملاءهم في الدراسة، ومن خلال أحاديث أمهاتهم علمنا أن الأطفال يعيرون بعضهم في المدارس بهذه الملابس لو صادف أن شوهد أحدهم في محل أو طاولة لبيع الشيفون، ورغم إصرار أمهاتهم على دخولهم لتجريب مقاسات الملابس إلا أنهم ورغم صغر سنهم شعروا بالحرج واعتصموا بمدخل المحل، في حين انشغلت الأمهات باختيار بنطلونات “الجينز” والألبسة والأحذية الرياضية التي تباع بأسعار معقولة، وهي التي أعيت أرباب الأسر بحيث لم تتردد إحدى الأمهات من إبداء تذمرها من ابنها الذي لم يتجاوز سنه الـ13 سنة، ورغم ذلك لا يعمر له حذاء أكثر من شهر واحد بسبب إدمانه على لعب كرة القدم في كل وقت وحين، بطريقة عنيفة ما يتسبب في تمزيق الأحذية .

وفي حين نجد مثل هذا السلوك في العاصمة، تبقى بعض ولايات الداخل وضواحي العاصمة تعيش على ملابس “البالا” بلا خجل لأن الكثير منها لا يقدر حتى على ثمنها، نظرا لغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للأسر الجزائرية خاصة منها كثيرة العدد والتي يعاني أربابها من البطالة.

 

مقالات متشابهة