14 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
وطني

من الخوارج إلى داعش…قراءة في منهج العنف وعقيدة الدم

 

الفصل الثاني: أصول ومرجعيات تبرير العنف والوحشية

12-” الغنائم والسّبايا ” أو ” المال والجنس ” والوجه الآخر للتّجنيد

بقلم: لخضر رابحي

رغم التّغيّرات الجذريّة التي حدثت في العالم فقد أُلغي الرقّ ولم يعد بالإمكان اتّخاذ الأسرى عبيدا ونساءهم إماءً كما كانت تسمح بذلك طبيعة العصور الماضية، إلاّ أنّنا ما زلنا نقرأ ونسمع من جهاديين معاصرين يؤسّسون لهذا الفكر المختل ويحاولون صبغته بالشّرع، فتراهم ينفصلون بالكلّية عن العصر ونظمه غير معترفين بأيّ قيم جديدة صنعها التّوافق الإنساني بعد تجارب مريرة من أذى الإنسان وإهدار آدميته.

ويعودون إلى كتب التراث القديمة يسائلونها في مثل هذه الحالة التي لم يصنعها الإسلام ولم تعُد موجودة بل أصبحت عند الجميع مستنكرة مقبوحة ومذمومة ليس بسلطان العقل وحده بل بسلطان الإنسانية المتوافقه مع روح الدّين الصّحيح

ومن غرائب الانحراف المشاهد في عصرنا تلك الأسواق التي فتحتها داعش في الموصل لبيع الجواري حتى كأنّك وأنت تشاهدها تشعر أنّك في عصر من عصور التّاريخ الغابرة أوكأنّه فيلم وليس واقعا. والحقيقة أنّ من برّر لهؤلاء المعتوهين هذه الأعمال الشّنيعة قوم زعموا العلم والتمكّن من فهم الشّرع، وزعموا أنّ هذه عودة إلى الإسلام وإحياء فقهه الذي أماته الكفار والمرتدّون.

فكر الاستحلال نحو إباحية باسم الشّرع :

بُنيت منظومة التّشريع في الإسلام على أساس ” إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا “، وما زادها قداسة وحرمة وهيبة أن ترد في حجّة الوداع، لتكون آخر وصيّة من النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لأمّته، وكرّر التّحذير ” لا ترجعوا بعدي كفّارا يقطع بعضكم رقاب بعض”.

وكان العرب قبل الإسلام كما وصفهم القرآن ” لفي ضلال مبين “، يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم نساء بعض، لا حرمة للدماء بينهم، ولا كرامة للأعراض، ولا قداسة للأموال ” واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ” (آل عمران).

وقد أحسن جعفر بن أبي طالب وصف حالة العرب قبل الإسلام أمام النّجاشي فقال” أيّها الملك كنّا قوما أهل جاهليّة نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القويّ منّا الضّعيف فكنّا على ذلك حتّى بعث اللّه إلينا رسولا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفّته فدعانا إلى اللّه لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دون اللّه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرّحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدّماء “.

وظلّت هذه الرّوائع القيمية التي جاء بها الإسلام سببا في دخول النّاس إلى دين اللّه أفواجا وجماعات وشعوبا، كما شهد بذلك القريب والبعيد، ولعل غوستاف لبون فيما كتب عن الإسلام خيردليل.

وتأسف وأنت تقرأ اليوم فكر الجهاديين المعاصرين الذين أساؤوا إلى الإسلام ومنظومة قيمه بما أشاعوا من الزّيف والباطل عنه، ومن أجل التّبرير لشهواتهم وميولاتهم نحو الجنس والمال قالوا بفكر الاستحلال ونصبوا شباك الهوى لاصطياد الشّباب وتسريح مكبوتاتهم باسم الشّرع، كما هي عادة الفرق الضّالّة يقتلون باسم اللّه ويسرقون باسم الله ويعتدون على الأعراض باسم اللّه، والله بريء من فعالهم وقبائح ما يصنعون ” وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون ” (الأعراف 28).

 

  • الاستحلاليون: الاعتداء على الأموال والفروج مع الشّعور بالراحة والاطمئنان:

هكذا وصف أحدهم هذه الكائنات المشوّهة ” حتى قال قائلهم كنّا نسرق من قبل ونحن نشعر بالذّنب والإثم، والآن نسرق بكلّ فخر ووقاحة ونحن نشعر بأنّنا مأجورون وأنّنا مجاهدون ” ( الطّرطوسي/الاستحلال ص07)، فقد أفتاهم أبو قتادة الفلسطيني كما هي عادته بجواز الاعتداء على أموال النّاس وحتى أعراضهم فقط بتهمة الكفر والردّة وحتى في البلاد التي دخلوها بعقد الأمان أحلّ لهم خرق العهود وخيانة الأمانة.

فقال مبرّرا الاستحواذ على أموال المسلمين بعد تهمة الردّة التي توزّعها الطائفة نفسها على من تشاء ” لو فقه أهل الإسلام هذا الأمر لما كان رزقهم إلاّ من يد هؤلاء المجرمين ومؤسساتهم المحاربة للّه ولرسوله وللمؤمنين ” (القواعد الأول 27)، وحاول كعادته في تبرير ما لا يُبرّر ” إن كان هذا الغنيّ قد ملك المال على وجه محرّم كالخداع والغصب والسّرقة والحيلة، فإنّ الواجب منعه من الانتفاع به وإنّما يؤخذ منه ليؤدّى إلى أهله ” ( القواعد الأول 30). وراح يفاخر بفتواه الآثمة قائلا ” إنّ البعض يقبل أن يسجن ولا يجوع بل ربّما يُسجن ليُغني أهله حتى لا يقع فيهم الشرّ، ولذلك يُترك تقدير هذا إلى المرء وعقله بل يُقال للمعترضين لا تخافوا فإنّ هذه الفتاوى لا يقوم لها إلاّ القليل من الرّجال ” (المرجع السابق 27 و 28).

وبرّر أبو قتادة أخذ أموال المسلمين بالحيلة والمكر والخداع ” من حقّ الفقراء أن يقاتلوا الأغنياء المترفين إذا منعوهم حقّ مالهم من الزّكاة، فإذا جاز لأحدهم أخذ أموالهم على وجه المقاتلة، فإنّ أخذه على وجه الحيلة والمكر أوضح جوازا ” (القواعد الأول 27).

فقه التّبرير من الفقه الأكبر الذي عُرفت بها جماعات العنف والسّلاح لإلباس الشّهوات لبوس الشرع وإظهار الرّغبات الحيوانيّة كحقوق بمنطق العقل والنّظر،  والهوى دائما يصرف النّاس عن الحقّ ” ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه”، وأبوقتادة نفسه يشهد على هذه النّزعة الحيوانية التي تحاول التقنّع بقناع الشّرع “ولكنّ كثيرا ما يقنع الغضب الشّهوانيّ بقناع الشّريعة وتلك بدعة عظيمة من بدع الأمم والجماعات ” (الأربعون الجياد 81).

واستصحب بعض الهاربين إلى بلاد الغرب هذه الفتاوى الشاذّة فأباحوا لأنفسهم سرقة أموال الكفّار بكلّ الحيل المتاحة دون اكتراث بوجوب الوفاء بالعهود، وهم قد دخلوا ديارهم بعقد أمان بل ” بعض ضعاف النّفوس كما بلغني ذهبوا إلى استحلال الفروج والقول بإباحة الزّنا والعياذ باللّه، واعتمدوا نفس أدلّة الواقعين في استحلال الأموال وقالوا الذي يُبيح هذا يبيح ذاك، وإذا كان المال حلالا فمن باب أولى أن تكون الفروج حلالا ” (الطرطوسي/الاستحلال 43).

ومن عجائبهم زعمهم أنّ السّرقة والخداع وأخذ أموال الكفار المسالمين في دارهم من الولاء والبراء، فإهدار دم الكافر وماله وعرضه وإنفاذ ذلك بالقدرة والتّسلّط المباشر أوبالتحايل إذا ثبت العجز من مستلزمات الولاء والبراء.

وذهب بعض الجهلة منهم إلى جواز بيع المخدّرات للكفّار من أجل إهلاكهم وإتلاف عقولهم وأخذ أموالهم، مستدلّين بقوله تعالى :” قاتلوهم يُعذّبهم اللّه بأيديكم”.

وأصبح هذا الفقه التّالف وهذه الآراء الهالكة من الشّباك المنصوبة لاصطياد الشّباب وتجنيدهم في صفوف الجماعات المسلّحة بمثل ما وقع للخوارج قديما عندما استحلّوا فروج وأموال أسراهم من المخالفين، تشجيعا للبدو القادمين من القفار وأراضي الفقر والحرمان على القتال والحماسة فيه.

 

 

 

مقالات متشابهة