28 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
وطني

طبيعة العمل السياسي

لماذا تقدمت ماليزيا وتخلفت الجزائر ؟

السلسلة الأولى

الحلقة 11

لقد كانت أحداث 13 ماي 1969 (، التي راح ضحيتها مئات الأشخاص، وأحرقت فيها ممتلكات الدولة إلى جانب ممتلكات المواطنين، سببا في استقالة صانع الاستقلال تنكو عبد الرحمن (1957-1970)، ومجيء تون عبد الرزاق (1970-1976) خلفا له في رئاسة الوزراء. وقد استقرت مهمة تون عبد الرزاق على إجراء مصالحة موسعة بين الأحزاب السياسية، وشرائح المجتمع الماليزي، وأفرزت هذه المصالحة ائتلافا عريضا شمل أحزابا للمعارضة عدتها شريكا مهما للحكومة الجديدة. إلى جانب ذلك، دفعت هذه الأحداث  جميع الأحزاب إلى المطالبة بإجراء تعديل في الدستور، ينص على تجريم النعرات العنصرية، وتحريم إثارتها، الأمر الذي أدى إلى منح كامل الحرية للمواطنين في تعليم لغاتهم، وممارسة ديانتهم، بالطريقة التي تتناسب مع كل عرق من أعراق المجتمع.

مثل هذه التغييرات الداخلية، التي أعقبتها زيارة تون عبد الرزاق إلى الصين سنة 1974، أدت إلى انقشاع الغيوم، التي كانت تخيم على العلاقات الصينية- الماليزية، فاستقرت العلاقة بين البلدين. وأصبحت وضعية ماليزيا مختلفة عن وضعية ماليزيا سابقا أصبح معظم الماليزيين من أصول صينية يتمتعون بالمواطنة الحقيقية سنة 1974.

لقد شكلت أحداث ماي 1969 منعطفا مهما في رسم ملامح مستقبل التنمية الاقتصادية في ماليزيا، ويعد هذا التاريخ النقطة الرئيسية التي انطلق منها مهاتير محمد، لما تسلم الحكم بعد عقد ونيف من هذه الأحداث، وتم داخلها أيضا تشكيل العقل السياسي والاقتصادي لمهاتير محمد، فما إن تسلم مقاليد الحكم في ماليزيا حتى كانت كيفية إزالة الفارق المادي بين الملايويين والصينيين هاجسا يطارده باستمرار. واتفق إن سئل عن أهم المشاكل التي تسبب له الصداع، فكانت إجابته أن الصداع يأتيه من التفكير في محاولة الموازنة بين تنمية المواطنين الأصليين من الملايويين، وغير الأصليين من الصينيين والهنود. فالصينيون أثرياء يعيشون في المدن، وقد ألفوا ممارسة حياتهم بهذا الأسلوب، مما يجعلهم أكثر رخاء بينما الملايو ألفوا العيش في الريف، فهم فقراء، وإذا ما انتقلوا إلى المدن فسيختلف أسلوب معيشتهم، وإذا لم يتأقلموا مع حياتهم الجديدة، فإن الحكومة تترقب بانزعاج، ما قد ينجم عنه من فشل، وتدهور، وفوضى (.

لقد كانت العقبة الأولى في إزالة هذا الفارق هي أن أبناء الملايو لا يجدون الأعمال التجارية مقارنة بالصينيين، الذين يجنون من تجارتهم ربحا كبيرا يؤهلهم لأن يكونوا في صدارة الترتيب الاجتماعي والاقتصادي، فإذا كانت نسبة كبرى من الصينيين تسيطر على الاقتصاد، وهي تضم شريحة كبرى من رجال الأعمال، فإن نسبة قليلة من نخبة الملايو- في غياب طبقة عريضة من المتعلمين- تدير دفة السياسة.

ومن هنا جاءت خطة إزالة الفوارق  في شكل:

إنشاء شركات مملوكة للدولة، تشارك فيها بأسهم نيابة عن أبناء الملايو والبوميبوترا.

استغلال احتياطي البترول الذي تحتكره الدولة.

إنشاء وكالات ائتمان.

تقديم رأس المال سلفة by منح وقروض ميسرة لأبناء الملايو والبوميبوترا.

شراء الأراضي المملوكة من جانب وكالات الائتمان لجميع الأطراف.

وقد ساعد النظام الملكي الدستوري الحكومات الماليزية المتعاقبة أيضا على بناء صرح الدولة، والتوجه مبكرا نحو التنمية، فالسلاطين قبل الاستقلال كانوا يشكلون عقبة أمام تحقيق الوحدة والتنمية. فضلا على ذلك، فإن إقطاعية السلاطين أسهمت في تعميق الخلافات، وتوسيع النزاعات داخل مجتمع الملايو، إلا أن ماليزيا أصبحت بعد الاستقلال دولة اتحادية، يتولى شؤونها ملك ينتخبه مجلس السلاطين لمدة خمس سنوات. أمل الحكومة الماليزية، التي يغلب عليها الطابع البرلماني، فقد استفادت من نهاية عهد حكم السلاطين المطلق، وهو ما أتاح الشعب الماليزي لحكوماته حرية نبذ كل ما يمت إلى الشيوعية والاشتراكية من صلة، ومثل هذا المنعطف الجديد جعل القيادة السياسية أكثر براغماتية في توجهها الإنمائية. لقد كانت الخصخصة تشكل إغراء اقتصاديا للمشاريع التي تتطلع من المكاسب المادية، وهذا ما دفع بمهاتير محمد إلى القول أن منهج الخصخصة الذي تبنته الحكومة لم يصطدم بمعارضة قوية من أحد.

كان المجتمع الماليزي معدا لمثل هذه التغييرات، فرفضه للاتجاهات الإنمائية المغلقة أزال الحواجز أمام القيادة السياسية للتوجه شرقا، وقد نجحت الخصخصة تماما في إنعاش الاقتصاد الياباني، ونتائجها كانت مثمرة للغاية. ولعل أبناء الملايو، الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الفقر، رحبوا بمثل هذا التوجه الاقتصادي، أما المواطنون غير الأصليين من الصينيين، فقد شجعوا مثل هذه الخطوة التي كانت وراءها دوافع مادية تتعلق بتراكم ثرائهم، إلى جانب دوافع إيديولوجية تتعلق بانتمائهم إلى الصين التي قامت بتحسين علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع اليابان. وتعد زيارة مهاتير محمد إلى اليابان، بعد انتخابه رئيسا للوزراء، سنة 1969 بالبلاد إلى تبني سياسة جديدة تهدف إلى تقليص الفجوة الاقتصادية بين المواطنين الماليزيين الأصليين وذوي الأعراق الصينية الذين يسيطرون على أنشطة العمال الحرة .

جاءت هذه الأحداث نتيجة أعمال شغب عرقية بين أبناء الملايو والصينيين، إذ لم يرق العناصر الصينية المعارضة أن يسيطر أبناء الملايو على الإدارة والشؤون السياسية في حكومة تنكو عبد الرحمن. وقد اشتعلت أعمال الشغب بعد أن فاز ” حزب التحالف” “المنظمة الوطنية لاتحاد الملايو” و” الاتحاد الماليزي الصيني” و” حزب المؤتمر الهندي” بأقل من ثلثي مقاعد البرلمان الفيدرالي سنة 1996، وبأقل نتيجة من انتخابات 1964، وهو ما أدى بأحزاب المعارضة ذات النزعة العنصرية، والتي لم تكن ملايوية، إلى الاحتفال في العاصمة كوالالمبور بشكل عده الملايويون عملا استفزازيا لمشاعرهم كونهم أبناء الأرض الحقيقيين، وقد نجم عن ذلك فرض حالة الطوارئ وتعطيل البرلمان وتشكيل قيادة المجلس القومي للعمليات.

يتبع

 

 

محضير بن محمد، موسوعة محضير بن محمد رئيس وزراء ماليزيا ، 10 مجلدات، المجلد الخامس (تأملات في أوضاع آسيا)، دار الفكر   كوالالمبور   ط1، 2004، ص124.

أبناء الأرض من قومية ملايوية والسكان المحليين في ولايتي صباح وسرواك.

 

محضير بن محمد، موسوعة محضير بن محمد رئيس وزراء ماليزيا، 10 مجلدات، المجلد الخامس (تأملات في أوضاع آسيا)، دار الفكر  كوالالمبور   ط1، 2004، ص 36-37.

مقالات متشابهة