25 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
وطني

حقائق من الفقه الأكبر (12)

(السماحة) معنى كبير تثمره (الوسطية) التي سبق حديثنا عنها، ولكنها أصبحت تشكل حقيقة منفرة من حقائق فقهنا الأكبر، وقد جاء ذكر معناها بألفاظ متعددة في القرآن والسنة كلفظ (الرفق مقابل العنف) ولفظ (التيسير مقابل التعسير).

وعرّفها فقيه المقاصد ابن عاشور بقوله (السماحة: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسط) وقال عنها موضع آخر من مقاصده إنها (السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشدد فيه، ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد).

بالجملة ( قاعدة التيسير) في التشريع الإسلامي قاعدة أصيلة ومقصودة قصدا ابتدائيا وليس استثنائيا كما قد يظن بعض المتشددين، صحيح أن بعض أجناس التيسير قد تدفع إليه أحيانا (الضرورات) و(الإكراهات)، أو(الاستحسانات الشرعية) و(فتح الذرائع) أو حتى (فقه الحيل)، ولكن (التيسير العام ) و(رفع الحرج) أمر ملحوظ للشارع في التشريع، فقد قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ  وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) ، وقال أيضا ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ))، وأخبرتنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها كما في الحديث الصحيح أنه (( مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ )).

ولأجل هذه الخصيصة كثيرا ما رأينا نصوص الأحكام التشريعية في القرآن الكريم تختتم بمثل قوله تعالى ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) تأكيدا على هذا المعنى وتأسيسا له.

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم سفيريه إلى اليمن بأن قال لهما (( يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا)) وهي وصية متساوقة مع قوله تعالى (( خذ العفو ، وأمر بالعرف ، وأعرض عن الجاهلين)) لأن (أخذ العفو) دالٌ على التيسير والسهولة في التعامل أخذا وتركا،  و(الأمر بالعرف) واحترام العوائد يثمر التبشير والتسكين، و(الإعراض عن الجاهلين) يقلل الخلاف ويستوجب التطاوع ولا بد.

ورحم الله البخاري فقد بوّب في صحيحه قائلا (بَابٌ الدِّينُ يُسْرٌ، وَقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ) فما أحوج عقلنا الجمعي اليوم لدرك هذه الحقيقة.

مقالات متشابهة