18 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
وطني

حكايتي مع الزمان

من بين ما يُحسب لبعض القنوات الجزائريّة في الفترة الأخيرة  افتتاحاً ثرياً و جميلاً  لحصص مستقلة تُعنى بتجارب الناس و تفاصيل حياتهم ، لقد شاءت قرائحهم أخيراً أن تتفادى ما عَلّم عليه بريخت الألماني بـ”التغريب” في المسرح، وانخرطوا في معارك الحياة ومواقعها الكثيرة.

برنامج “حكايتي مع الزمان” على محطة الأجواء عيّنة من هذا النوع ، حيث يستلهم البرنامج مادته من حياة المواطنين، وينسجم مع تطلعاتهم، ويبني أساسه على مشارب النّاس وتحوّلاتهم في عيشهم وانشغالاتهم وذكرياتهم، إنّ هذا الإلمام البليغ وإن كان وقته ضيّقا، يبدو للنّاظر فضفاضاً بما يسدّ حاجتهُ للإحساس بقيمة المواطنة، في الشعور بما يموج به مجتمعه من أحاديث واهتمامات وتطلعات وترهات أيضاً.

الإعلام في أحد زواياه الرئيسة هو لسان الحال، الذي لا يكلّ عن لمّ الترددات الاجتماعية من تلابيبها، وتثمين المقترح العلاجي لكل ما يُطهى في الظل، من مشاكل وأحزان تربو عن الحصر،  ولا تتمنّع عن المقاربة.

كان من الجميل الذي نسجله في هذه الزاوية أن هنالك فقرات برامجيّة تشبه برامج الواقع، من حيث التدوينة المتأنيّة والمتابعة الحياتيّة الأمينة، ليوم يعيشه مواطن أومواطنة، تفتتح يومها بالعمل والتسوّق، إلى غاية العودة مساءً إلى البيت، حيث يتلقاها الواجب العائلي بأكثر من كتف، فتحضّر لأهلها وصغارها، فطور اليوم الرمضاني، وتقاسمهم الضحك والابتهاج والحبور بحلول ضيف “رقمي” معهم ، مع احتساب المقدّم و فريقه كأشخاص ينتمون إلى هذا المجتمع العريض في آخر الأمر، ولم يسقطوا عليه بـ”البارشوت”.

لن نتجشم جهداً كبيراً في استقراء السعادة في أسارير النّاس، وهم يقابلون الكاميرا ويسردون ملاحظاتهم بعناية فائقة، وهو إن دلّ على شيء إنما يدلُ على أننا أصبحنا في هذا العصر الرقمي إزاء جمهور يخاطب جمهورا، وقد يحدث كثيراً أن يكون القارئ أو المُشاهد  أكثر حصافةً و مكراً من كاتب المقال أو مذيع البرنامج، فيسدد ملاحظاته وجملة نقوده اللاذعة من زاوية ضيّقة، يحلو لمحللي الكرة وصفها بـ” أين يسكن الشيطان”.

إنسان الشارع اليومي هو فقيه الواقع الذي نصّبته الطبيعة بلا مراسيم و”تشابيح” بيروقراطيّة ، الأمر الذي حدا بكاتب قديم ( د.عمرو عبد السميع) في جريدة الأهرام المصريّة أن يُعنون عموده اليومي السابق بـ “الشوارعيزم” لأكثر من عشر سنوات كاملة (جمعها في كتاب)، في محاولة منه لسطو المشروع على مقدّرات هذا “الشوارعي” في استشفاء الواقع بما فيه من غثّ و سمين.

مقالات متشابهة