4 يوليو، 2020
الحوار الجزائرية
الحدث وطني

خبراء إقتصاد :الاستثمار التساهمي سيفتح آفاقا أخرى لمصادر تمويل المشاريع

بريش :  نجاح تمويل المنصات مرهون بضبط التشريع الإلكتروني

هارون:  تطوير النظام الجبائي والمصرفي والرقمنة أساس التمويل الجماعي

ناصر:  التمويل الجماعي مرهون بتطوير وسائل الدفع الإلكتروني

نصيرة سيد علي

أكد خبراء في المالية والاقتصاد في تصريحهم لـ “الحوار” أن العمل بالمادة 46 من قانون المالية التكميلي 2020، التي تؤسس لمنصات التمويل الجماعي عبر شبكة العالم الأزرق، سوف يعطي دفعا للاقتصاد الوطني ويفتح آفاقا جيدة أمام الشباب الراغب في تفعيل أفكارهم وتجسيدها ميدانيا من خلال إرساء المشاريع وإقامة الشركات لإنتاج مختلف المنتجات التي تحتاجها الساحة الاقتصادية الجزائرية، مؤكدين على وجوب توفر جملة من الشروط الضرورية لقيام هكذا مؤسسات وفي مقدمتها تطوير العديد من الأجهزة منها الجهاز المصرفي والدفع الإلكتروني وتطوير النظام الجبائي والتشريع الإلكتروني لضبط المعاملات التي تتم عبر الشبكة العنكبوتية للضمان الحسن للمعاملات التي تتم بين الأطراف المتعاقدة على إنجاز وتحقيق المشاريع المرجوة.

منصات التمويل الجماعي ستنعش المؤسسات الناشئة

وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبد القادر بريش في تصريحه لـ” الحوار” إن المادة 46 من قانون المالية التكميلي 2020 تؤسس لمنصات التمويل الجماعي عبر الأنترنت، والتي نصت على “نشأ صفة مستشار الاستثمار التساهمي يكلف بخلق وإدارة منصات الاستشارة في ميدان الاستثمار التساهمي واستثمار أموال الجمهور الكبير عن طريق الأنترنت”، ويتم تحديد شروط  تأسيس واعتماد ممارسة ومراقبة المستشار التساهمي عن طريق  لجنة تنظيم ومراقبة عمل البورصة وتقوم فكرة منصات التمويل الجماعي عبر الأنترنت على جمع الأموال بمبالغ  صغيرة من عدد كبير من الجمهور وتقديمها للأفراد ومساعدتهم على إطلاق مشاريعهم خاصة أولئك الرواد الذين لديهم أفكار وليس لديهم الأموال لتنفيذ أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع استثمارية حقيقية.

وتهدف منصات التمويل الجماعي أو كما جاءت في قانون المالية التكميلي تحت اسم مستشار الاستثمار التساهمي يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عبد القادر بريش إلى تنويع أساليب التمويل الخاصة بالمؤسسات الصغيرة والناشئة، ومن بين أساليب التمويل المناسبة للمؤسسات الناشئة هو التمويل عن طريق رأس المال المخاطر، وكذا ما تطرحه الصيرفة الإسلامية من أساليب تمويلية تتوافق مع هذا النوع من المؤسسات، مركزا على منصات التمويل الجماعي كونها جديدة ومن الممكن أن تجد الاهتمام من طرف جمهور واسع خاصة الشباب منهم لأنها تعتمد على الأنترنت  وتعتمد على جمع مبالغ صغيرة من عدد كبير من المساهمين، ولنا في مثل هذه الشركات الكثير من التجارب وفي مقدمتها تجربة بنك الفقراء لصاحبه محمد يونس الذي تحصل بها على جائزة نوبل قائمة على فكرة التمويل الجماعي.

لابد من هندسة قانونية خاصة

ويرى الخبير ذاته أن نجاح مثل هذه الأساليب الجديدة في التمويل ونجاح مستشار الاستثمار التساهمي في الجزائر يتطلب هندسة قانونية خاصة تراعي خصوصية هذا الأسلوب المبتكر في جمع الأموال وإعادة منحها أي أسلوب جديد في عملية الوساطة المالية، كما يتطلب الأمر حسبه أيضا ضبط الترسانة التشريعية في مجال المعاملات المالية الإلكترونية، وتوسيع وتعميم وسائل الدفع الإلكتروني عبر الأنترنت، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات وسرعة تدفق الأنترنت، فضلا عن ضرورة نشر ثقافة البورصة والمعاملات المالية في السوق المالي، وتعزيز ثقة الجمهور في  مثل هذه الأساليب المبتكرة في التمويل.

وتعود فكرة التمويل الجماعي كما قال بريش “Crowd funding” إلى منتصف السبعينات من القرن الماضي على يد ” جوثان سويفت”  تحت “اسم صندوق الإقراض الإيرلندي”، ثم بعدها توسعت وانتشرت مع بداية الثمانينات في الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم، أما فيما يخص منصات التمويل الجماعي عبر الأنترنت فكانت بدايتها عام 2005 في الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت منصة prosper.com، ومنصة  Kiva.org، وفي عام 2009 تم إطلاق المنصة الشهيرة Kickstarter، وفي المنطقة العربية نجد منصة Eureeca التي إطلاقها بدبي عام2011، والمنصة الشهيرة ذومال التي تم إطلاقها عام 2012، مشيرا إلى أن مختلف دول العالم العديد من منصات التمويل الجماعي التي تهدف لدعم صغار المستثمرين بأسلوب تمويلي جديد ومرن بعيدا عن تعقيدات الطرق التقليدية للتمويل المصرفي والأسواق المالية.

الجزائر بحاجة إلى إصلاحات هيكلية تمنح الجميع الفرصة للنجاح

وفي الإطار ذاته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمر هارون في حديثه لـ “الحوار” في التمويل الجماعي أو التشاركي من الأنماط التي أصبحت جد منتشرة في العالم، وهو نمط قريب لفكرة البورصة أين يتم طرح أسهم الشركات الكبرى التي يفوق رأس مالها حدودا مرتفعة قد تفوق 10 ملايير سنتيم، أما التمويل الجماعي فيكون للمشاريع الصغيرة والتي يكون الدخول إلى البورصة غير ممكن فيتم وضع منصات إلكترونية تكون الوسيط للمساهمة في هذه الشركات، بحيث أن الجميع حسبه يستطيع المشاركة والمساهمة في هذه الشركات مقابل الحصول على أرباح في حالة ربح المؤسسة الناشئة وتحمل خسائر في الحالة العكسية.

هذا وتأسف هارون لعدم تبني الجزائر لهذا النمط من التمويل، وحتى وإن أسست منصات من هذا النوع فنحن كما قال بحاجة إلى مجموعة من الإصلاحات تسبق العملية خاصة ما يتعلق بتصحيح النظام الجبائي الجزائري وتطوير النظام المصرفي والبحث في رقمنة المعاملات التجارية والاقتصادية، لأن نجاح مثل هذه المبادرات يتطلب شفافية كاملة للمؤسسات التي ستكون داخل منصات التمويل التشاركي.

وأضاف هارون “نحن في حاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة تستطيع أن تخلق لدينا واقعا اقتصاديا قادر على منح الجميع الفرصة للنجاح، من خلال تعديل قانون النقد والقرض، قانون الاستثمار، قانون خاص بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة وإستراتيجة واضحة لتسهيل إنشائها، هذه التعديلات إن تمت تمكننا من الدخول في حالة تسمح لجل من يحاول أن ينجح لكن البقاء في حالة الفوضى الاقتصادية لن يمكن أي مبادرة من النجاح”.

اقتصاديات أسواق رأس المال

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر إن الانتقال من الاستثمار غير المباشر عن طريق البنوك إلى الاستثمار المباشر عن طريق البورصة وأيضاً صناديق الاستثمار حققته دول متقدمة منذ عقود من الزمن، حتى أصبحت هذه الدول تسمى باقتصاديات أسواق رأس المال وعلى رأسها الولايات المتحدة، بينما الدول التي بقيت تعتمد أكثر على التمويل البنكي تسمى بالاقتصاديات البنكية، وأضاف يقول إن إنشاء مستشار الاستثمار التساهمي والذي يكون مكلفاً بإنشاء وإدارة منصات الاستثمار التساهمي للمشاريع الاقتصادية عبر الإنترنت والتي يساهم فيها الجمهور هي أشبه بصناديق الاستثمار في عملها، ويمكن أن تساهم حسبه كثيراً في تنويع مصادر التمويل للاقتصاد الوطني الذي بقي منذ الاستقلال يعتمد فقط على التمويل البنكي، وحتى هذا التمويل لم يكون اقتصادياً وذو فعالية في كثير من الأحيان خاصة مع سيطرة القروض ذات الطابع السياسي والاجتماعي مثل القروض الموجهة لتشغيل الشباب، وحتى بعض أنواع القروض المدعّمة الموجهة للفلاحة والتي أضرت كما قال كثيراً بالبنوك خاصة العمومية منها، مما أنتج حجماً كبيراً من القروض المتعثرة والديون المعدومة التي تتدخل الدولة عن طريق الخزينة العمومية لتطهيرها في كل مرة وبتكلفة باهظة تتمثل في الملايير من الدينارات.

الاستثمار التساهمي عبر الإنترنت يساهم في تمويل الشركات الناشئة

من جهة أخرى، يتوقع الدكتور سليمان ناصر إنشاء مثل هذه المنصات الذي يمكن أن يوفر التمويل خاصة للشركات الصغيرة والناشئة كما ورد في عرض أسباب المادة 46 من قانون المالية التكميلي، ونظرا لأهمية الشركات الناشئة التي تمثل أحد أهم المحاور الكبرى في برنامج الرئيس، ومن هنا جاءت أهمية إنشاء مثل هذه المنصات التمويلية، كما يمكن أيضاً حسبه أن تكون أحد العوامل المهمة لتنشيط البورصة في الجزائر والتي بقيت شبه ميتة منذ إنشائها في التسعينيات من القرن الماضي، دون أن تساهم بأي دور فعال في تمويل الاقتصاد الوطني، عكس ما هو معمول به في الدول الأخرى ليس المتقدمة فقط بل حتى العربية منها أين أضحت البورصة مصدراً مهما لتمويل الاقتصاد الوطني، وعاد ليقول إذا كانت المادة القانونية تركز على كون الاستثمار عن طريق هذه المنصات يكون عبر الإنترنت فيبقى التحدي الأكبر هو تطوير وسائل الدفع الإلكتروني الذي لا يزال متخلفاً عندنا ومسار تطويره لا يزال متعثراً بعد سنوات من المحاولات، وأيضاً منع الجزائر للتعامل بالعملات الرقمية المشفرة مثل “البيتكوين” في قانون المالية منذ ثلاث سنوات.

مقالات متشابهة