11 يوليو، 2020
الحوار الجزائرية
اخبار هامة الحدث وطني

لا تمرضوا … نحن في إضراب!

الأطباء المقيمون: لن نغادر من هنا حتى ننال الحقوق

عشرات من عناصر مكافحة الشغب يصطفون في صفين أو أكثر خارج البوابة الرئيسية لمستشفى مصطفى الجامعي، وخلف البوابة إلى الساحة عشرات الأطباء المقيمين في زيهم الأبيض ينشدون الشعارات ويرددون الأهازيج ويصرخون لن نغادر المكان قبل افتكاك حقوقنا. وبين هؤلاء وهؤلاء، باب صغير مفتوح لمرور المرضى الراجلين وذويهم سد نصفه بجسد هذا الشرطي العريض.

سيارات الإسعاف يسمع صوتها، لكن المنفذ الذي ترك لدخولها ليس هو المعتاد. الطلبة الذين كانوا يقفون بعيدا عن البوابة كانوا في صبيحة أمس عند التاسعة والنصف مسرورين بإنجازهم الجديد، لقد قضوا أول ليلة معتصمين في المستشفى، بعضهم في ساحات المستشفى وبعضهم في السيارات ومنهم من أمضى الليل في أروقة مختلف الأقسام، وعندما تسأل بعضهم: كيف لكم المبيت في هذه الظروف يرد عليك: “نحن أطباء والمداومة الليلية تخصصنا وليس هذا ما يردنا عن مطالبنا”.

الجو كان ربيعيا، وما أن بلغت الساعة العاشرة فما فوق حتى اشتعلت الشمس وأحرقت الوجوه، فجاء الأمر بالتحرك إلى قرب البوابة الرئيسية، فهناك المكان مغطى والظل سيلطف النفوس. تحرك الطلبة وتحركت خلف الأبواب قوات الأمن خوفا من محاولة اقتحام البوابة والتوجه إلى الشارع. وفي خطوات لبضع أمتار كانت الأصوات قد ارتفعت مرددة أحسن ما نظمه الأطباء من شعارات..”نخدم بلادي وندي حقي”.. “نقعد هنا وندي حقي”.

بين هذه الجموع المتكتلة من الطلبة، كان المرضى يدخلون ويخرجون، يمرون ويجتازون الجموع، منهم من يهتم للحركة فيقف بضع دقائق للمؤازرة تارة وللفرجة أخرى، ولم تبد على وجوه معظمهم علامات التذمر ولا الاستياء، ربما لرسوخ صور التعنيف الذي أصابهم في المرة الأولى التي حاولوا فيها الاعتصام، فقال الجميع من حقهم المطالبة بالحقوق.

 

  • خدمة مضمونة ومواعيد مؤجلة

أول قسم أردنا أن نعاين حالة مرضاه مع هذا الإضراب كان مصلحة أمراض السرطان “بيار وماري كيري” فيه أكثر المرضى حاجة للعناية، وهنا تبدو الأمور هادئة. سألت امرأة في الستين تدفع عربة عجوز مريضة تحمل في يدها إبرة لنقل الدم، فقالت “طبيبتها طلبت منها تحاليل، فجئت بها إلى هنا، كل شيء يسير بصفة عادية، أخذ منها عينات الدم وننتظر تسليمنا النتائج”.

كثير من المرضى قاموا بفحوصاتهم في هذه الصبيحة، بصفة عادية، لا يبدو تأثير الإضراب على سير العمل، ربما للنظام الذي اتبعه المقيمون في توفير الخدمة الدنيا للمرضى، أو أن وجودي صادف يوما هادئا. في مدخل القسم من الجهة الغربية علقت لافتتين كبيرتين تعبران عن المطالب واحدة للأطباء المقيمين، والأخرى لمستخدمي شبه الطبي الذين يقومون بإضراب دوري لثلاثة أيام في الأسبوع. وغير بعيد عن المدخل تقف مجموعة من المآزر البيضاء يتبادلون أطراف الحديث، هؤلاء كانوا شبه طبيين يتحدثون عن الحقوق وما تحقق مما لم يتحقق ويترقبون مؤطريهم الذين سيجتمعون عند الظهر.

في رد إحداهم على السؤال قالت “هناك من يضمن الخدمة ولم نعطل مصالح الناس”. لم تكمل كلامها حتى قالت مريضة كانت في طريقها للباب “انتظرت موعدي لأسابيع واليوم أجلوه بسبب إضرابكم”..

 

  • مقيمون يبكون زميلهم في قسم الاستعجالات

عبر الممرات الخارجية للقسم وباتجاه قسم الاستعجالات، حركة المارة عادية، والمرضى يتنقلون من أجل إجراء فحوصاتهم. هناك أمام قسم الاستعجالات الجراحية استوقفني موقف لمجموعتين من الطلبة فيهما بنات تبكي، اعتقدت أن الأمر يتعلق بزملاء اعتدي عليهم هذه الليلة أثناء الاعتصام، فهمني جدا أن أجمع معلومات حول الحادث.

لكن ما علمته أن زميلا لهم تعرض لحادث سير بالدراجة النارية، وكان في حالة حرجة بين أيدي الأطباء، كانوا يدخلون بالتناوب للاطمئنان عليه. ربما كان أصدق امتحان لهم ليتحولوا إلى الجهة الأخرى ويحسون بالمرضى وذويهم عندما يحولون مرضاهم في حالة حرجة إلى المستشفى ويصطدمون بإضراب يمنع عنهم العلاج والتكفل لأن فئة ما من المستخدمين تطالب بحقوقها الاجتماعية والمهنية.

دخول الاستعجالات الجراحية لم يكن سهلا، لكن الاستعجالات الطبية كانت متاحة، وقاعات الانتظار كانت مليئة بالمرضى بين من ينتظر الكشف ومن ينتظر الأشعة. شباب يرافقون الكبار وكبار بصحبة صغار، حال المستشفى في الجزائر لا يخفى على احد، المهم أمور الناس تسير مثل عادتها.

 

  • صوت غاضب والحكومة هي السبب

من غرفة فحص في آخر الرواق تصاعدت أصوات الغضب والاحتجاج، يا ترى هل هي للمستخدمين، هل اختلف المضربون مع بعضهم أم ماذا يجري هناك؟ تقدمت لأستفسر فإذا بقائمة طويلة من السب والاتهامات للحكومة بالإهمال وعدم التكفل، فهمت فورا أنه تذمر مواطن مريض أو مرافق لمريض وهكذا كان الحال. كان ساخطا لأن الكشف الذي طلبه الطبيب ليس متوفرا لغياب الطبيب المقيم.

لا أدري لماذا أحسست بأن الأمور في المستشفى تسير بصفة عادية أو هكذا يبدو. كان ذهني يقارن بين ما أرى وبين ما حصل للمسافرين في المطار عبر شركة الخطوط الجوية الجزائرية. في يوم واحد رأى المسافرون ويل الانتظار والفوضى وغياب الإعلام حيث تركوا مصيرهم المجهول ليوم كامل، ضيعوا مصالحهم ومواعيدهم، تعبوا وأعيوا وافترشوا الأرض وأهينوا بسبب مطالبة فئة مهنية بحقوقها.

 

  • مصلحة خارج المستشفى تطرد مريضة

سيدة سألتها، فقالت إنها جاءت من مصلحة تابعة لمستشفى مصطفى توجد بحي بلكور تخصصها مرضى الحنجرة “هناك طردوني وقالت لي الطبيبة لا نستقبل المرضى نحن في إضرا،ب ولم ترد تحرير وصفة الدواء الذي اتبعه منذ سنوات، أنا مريضة بسرطان الحنجرة وأتبع علاجا كيميائيا لا يستطيع أن يصفه لي طبيب خاص” لكن بعد مزايدات في الحديث مع طبيبتها تمكنت تلك السيدة من الحصول على وصفتها دون أن تفحصها الطبيبة.

هذه آثار الإضرابات التي يقوم بها أصحاب المهن والتخصصات والوظائف وتسقط آثارها غيرهم، وفي حال المرضى ينتظر من الأطباء أن يسبقوا إنسانيتهم على حقوقهم، لأن علاقة العمل التي تجمعهم بوصايتهم وزارة الصحة هي حقوق آخرين قد يفقدون الحياة أو تتضاعف حالاتهم.. والرسالة للوصاية أيضا ضمان الحقوق للأطباء هو وجه مشرق لترقية الصحة العمومية أيضا.

غنية قمراوي

مقالات متشابهة