24 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
منوعات

هل غالبية الدراسات العلمية على خطأ؟

تعاني الأوساط البحثية من مشكلة مستشرية وهي أن الكثير من الأبحاث المنشورة نتائجها في مجلات علمية ينطوي على تعميم لخلاصات، على رغم اعتماده حصراً على عينات صغيرة لا تخوله ذلك.

غير أن الضغوطات الممارسة على الباحثين والمنافسة المحتدمة بين المجلات العلمية والشهية المفرطة لوسائل الإعلام على الدراسات التي تبشّر بثورات أو اكتشافات، تبقي الوضع على حاله من دون أي حلول في الأفق.

وقبل بضع سنوات، انتقى باحثان 50 مكوناً من الأكثر استخداماً في كتاب للطبخ لمعرفة كم منها تبين أنه على صلة بالسرطان في دراسات نشرت في مجلات علمية. وهما خلصا إلى لائحة تضم 40 مكوناً من أصل خمسين، من بينها الملح والسكر والدقيق.

وهما تساءلا على سبيل السخرية في مقالهما المنشور في العام 2013 «هل كلّ ما نأكله يسبب السرطان؟»

وقال أحدهما وهو جون يوانيديس الأستاذ المحاضر في الطب في جامعة «ستانفورد»، إن «غالبية المقالات المنشورة حتى في المجلات المرموقة، هي سيئة النوعية».

وفي العام 2005، أظهر هذا الطبيب وهو من أشد منتقدي المناهج البحثية السيئة، في مقال لقي اصداء واسعة «لماذا غالبية الدراسات المنشورة على خط»..

ولا يخفى عليه أن بعض التقدم أحرز في هذا الخصوص. وباتت بعض المجلات تطالب القيمين على الأبحاث بمعطيات غير مستخدمة في أي أعمال سابقة وتلزمهم نشر المنهج المعتمد سابقاً. ومن شأن تدابير الشفافية هذه أن تسمح بتفادي التلاعب بالبيانات بغية التوصل إلى نتائج معينة، وضمان قابلية تكرار هذه التجربة.

فهذه المسألة مهمة جداً، إذ إن غالبية الأبحاث لا تؤدي عند تكرارها إلى النتيجة عينها. ولم يتسن تكرار سوى ثلث الدراسات المئة المنشورة في أعرق ثلاث مجلات لعلم النفس، بحسب ما بيّن تحليل نشر في العام 2015.

وليس الوضع أفضل حالاً في ما يخص الدراسات الطبية وعلم الأمراض والتجارب السريرية للأدوية وقت إعادة الكرة، بحسب يوانيديس.

وصرح هذا الأخير بأنه «في ميدان العلوم الطبية الإحيائية، لا يخضع العلماء سوى إلى تدريب سطحي في مجال إعداد الإحصاءات والمناهج».

وكثيرة هي الدراسات المتمحورة على نسبة ضئيلة من الأشخاص، ما يقوض حظوظ تعميمها على السكان برمتهم لأن المشاركين لا يشكلون عينة تمثيلية واسعة بما فيه الكفاية.

وأكد يوانيديس أن «الوضع يشتد سوءاً في ما يخص الأنظمة الغذائية»، وليس بسبب تضارب المصالح مع قطاع الصناعة الغذائية فحسب، مشيراً إلى أن الباحثين غالباً ما ينطلقون في أبحاثهم من دون أي فرضية واضحة. ومن الصعب جداً تقييم النظام الغذائي، على حد قول الأستاذ الجامعي.

وحتى عندما يكون النهج صائباً مع مشاركين اختيروا بطريقة عشوائية، تكون سبل التنفيذ أحياناً محط جدل. ففي حزيران (يونيو) سحبت أعرق المجلات الطبية، وهي «نيو إنغلند جورنال أوف ميديسن»، دراسة شهيرة صدرت سنة 2013 حول منافع النظام الغذائي المتوسطي الذي يقي من أمراض القلب، وذلك بعد أن تبين أن المشاركين لم يختاروا كلهم بطريقة عشوائية. وتعين إعادة النظر في النتائج.

لكن ماذا نستنتج إذن من وابل الدراسات هذا الذي ينهمر علينا من كل حدب وصوب؟

يوصي جون يوانيديس بطرح الأسئلة التالية لتقييم جدوى دراسة ما: هل هذه الأبحاث منعزلة أو أنها تعزز فرضية طرحت سابقاً؟ وهل العينة كبيرة أو صغيرة؟ وهل اختير المشاركون بطريقة عشوائية؟ ومن هي الجهة الممولة؟ وهل يتحلى الباحثون بالشفافية في أعمالهم؟

وهذه المحاذير أساسية في مجال الطب، إذ قد تؤدي الدراسات السيئة إلى اعتماد علاجات غير فاعلة أو حتى مضرة بالصحة.

ويقضي الحلّ بتوحيد المعايير المستخدمة لدى كلّ الجهات الفاعلة في مجال البحث، من المجلات إلى الجامعات مروراً بوكالات التمويل والمختبرات. غير أن المنافسة محتدمة بالفعل بين كلّ هذه الأطراف.

وقال إيفان اورانسكي الصحافي المشرف على موقع «ريتراكشن واتش» الذي يغطي حالات سحب المقالات العلمية إن «النظام لا يدفع بالناس إلى السير في الاتجاه الصائب»، مشيراً إلى أنه «لا بد من إنشاء ثقافة تكافأ فيها الشفافية».

والمشكلة ناجمة أيضا عن وسائل الإعلام التي ينبغي لها ألا تسعى إلى إحداث الضجة بل أن توضح إلى جمهورها كل النواحي المحيطة بدراسة معينة.

وأقر أورانسكي بأن «المشكلة هي في تتالي الدراسات حول القهوة والشوكولا مثلاً».

مقالات متشابهة