28 سبتمبر، 2021
الحوار الجزائرية
دولي

رئيس المركز العالمي للتحكيم الدولي وفض المنازعات البرفسيور عبد البر الصياد يكتب

الفرق الجوهرى في بنيان كل من المجتمع الوطني والمجتمع الدولى يكمن في فكرة “السيادة” تلك الفكرة التي تضع الدول جميعها في مركز متواز ومتساو، فلا تستطيع دولة أن تفرض إرادتها على الأخرى، كما أن كلا منها تحتل نفس المكانة التي تحتلها الأخرى، وهذا المعنى أحيط بكل مظاهر التقديس والحماية منذ معاهدة وستفاليا سنه 1648،وقد انعكست آثار تقديس فكرة السيادة على “القاعدة القانونية الدولية”-حيث تطبعت بذاتيه خاصه-فبدت وكأنها” قاعده قانونية للتعاون والتنسيق “، تخاطب دولا متعاونه وليست دولا خاضعه وتنشأ عن طريق إتفاق ارادات الدول المتساويه-صراحة أو ضمنا-كأسلوب وحيد لاضفاء الالزاميه عليها.
*ولكى ندرك الدلاله الموضوعيه لفكرة السياده، فمن المهم عدم اغفال المعطيات الاوليه والاساسيه لعملية سن القاعده القانونية فى المجتمعات الوطنية، ذلك لأن القاعده القانونية فى النظم الوطنية هى تعبير عن” الاراده العامه “كما تتجلى فى قرار أغلبية الشعب أو أغلبية ممثليه الشرعيين….. والقاعده القانونية التى تسن على هذا الوجه تسرى فى حق الجميع…. ذلك لانها قاعدة” خضوع ” يتعين احترامها وتطبيقها رضاء أو قضاء، وباستعمال القوه الجبريه متى لزم الامر.
*وهذا يرجع-بطبيعة الحال-إلى الأسس التى يتميز بها البنيان القانونى للمجتمع الوطنى، فهذا المجتمع يقوم من الناحية السياسيه على شكل دولة، لها سلطه عليا حاكمه، تهيمن على تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع، استنادا لما تتمتع به من “سيادة داخليه” وما تتبوأه من مركز يعلو مركز الافراد المحكومين……. ومن ثم اصبحت القواعد القانونية التى تفرضها تلك الهيئة الحاكمه واجبة الاحترام والالزام، لانها تتنزل من عل…… تعبيرا عن ارادة الدوله…… والتى هى فى نفس الوقت تمثل الاراده العامه للمجتمع.
*وعكس ذلك فإن المجتمع الدولى يقوم على اسس مغايره للمجتمعات الوطنيه، فهو يتكون-كما سبق أن ذكرنا-من متساويه السياده، وتغيب فيه ظاهره السلطه العليا الحاكمه، لذلك لا توجد به السلطه التشريعية الحقيقيه التى تستطيع أن تفرض حكم الاغلبيه على الاقليه وبالتالى-أصبح من المسلم به-بصفه عامه أن تحظى القاعده القانونية الدوليه بقبول جميع الدول-صراحه أو ضمنا- وليس لها قوة الالزام بالنسبه للدول التى لم تقبلها فيما عدا بعض الاستثناءات.
والمعنى المستفاد مما سبق، أن فكرة السياده، بمفهومها التقليدي تستأثر بها بها السلطه الحاكمه فى الدوله، ويكون لها بموجبها الحق في التصرف داخل وخارج اقليمها، بما يتفق ومصالحها، وفى حدود مبدأ التعاون والتعايش السلمى بين الدول……. هذه الفكره، وبهذا المضمون، لم يعد من الممكن استيعابها في ظل “العولمة الاقتصادية” وانما يمكن القول أن السياده اصبحت وظيفه تمارس الدوله بمقتضاها واجباتها في تحقيق الاندماج فى السوق العالمى باعتبارها عضوا في هذا السوق، أى أن سيادة الدوله لم تعد تمثل فى الفكر القانوني المعاصر حجر الزاويه فى النظام القانونى الدولى، ولكن تلك السياده باتت تخضع فى ممارستها لمقتضيات “النظام التجاري الدولى المعاصر”
وبمعنى آخر يمكن القول بأن سيادة الدوله لم تعد تجد اصالتها كفكره قانونية-كما كانت فيما مضى وانما يتعين النظر فى مدلولها القانونى فى ظل “العولمة المعاصره” على أنها وظيفه مرتبطه ارتباطا بالغ الوثوق بالمبادىء والاحكام السائده فى” النظام التجارى الدولى” الذى اصبح وحده هو الذى يحدد مدى ما تتمتع به الدوله من سياده أو اختصاص، أو حريه فى علاقتها الدوليه الاقتصادية بل ويعمل على مراقبة سلوك الدوله بما لا يخرج عن أحكام هذا النظام.
*ونبادر إلى القول أنه لا يجب أن يشتط بنا الخيال حتى نتصور أن الدول قد فقدت سيادتها-فى ظل العولمه-ولكن الاصح أن نقول أن فكرة السياده لم تعد كما كانت عليه في الماضي، اى “سيادة مطلقه” بل أصبح لها كما ذكرنا مدلول وظيفى يحدد للدوله مدى حريتها، وحدود ممارسة اختصاصاتها، في ظل المؤسسات التى تعمل في ارساء “قواعد العولمه”.
وهذه المؤسسات-عددها ثلاث- تشكل فيما بينها الاركان الاساسيه للعولمه، وتشرف على تكوين البنيه الاساسيه لها، يأتى في مقدمتها” منظمة التجاره العالميه “التى تعتبر من اهم وأخطر المؤسسات التى جاءت لكى تلعب دورا في صبغ العولمه الاقتصادية، حيث انيط بها تكريس ظاهرة العولمه عن طريق تحويل اقتصاديات الدول، من اقتصاديات محليه على نفسها إلى اقتصاديات مفتوحه ومندمجه في الاقتصاد العالمى عن طريق تحرير التجاره الدوليه…… وصندوق النقد الدولى الذى كان قد انشىء بموجب اتفاقيه بريتون وودذ سنة 1944حيث بدأ خطوات عمله في وضع أسس وقواعد العولمه الاقتصادية، والتى كانت حافزا للغالبيه العظمى من الدول للانخراط في تيارها، يدفعها إلى ذلك المهام التى اوكل بها للصندوق والمتمثله فى تصحيح الاختلالات فى موازين المدفوعات للدول الاعضاء، واستعادة توازنها، وتحقيق استقرار أسعار الصرف لعملائها، وتحرير المدفوعات الجاريه واقامة نظام متعدد الأطراف للمدفوعات الدوليه، وابتكار ما يعرف بحقوق السحب الخاصة وأخيرا البنك الدولى للانشاء والتعمير الذى تم انشاؤه أيضا فى مؤتمر بريتون وودذ سنه 1944وبدأ في ممارسة نشاطه سنة 1946 ثم تطورت وتوسعت أنشطته بعد ان ضم اليه وكالتين أخرتين متخصصتين في التمويل الدولى هى: مؤسسة التمويل الدوليه، ووكالة التنميه الدوليه، ومهمة هذه المجموعه-والتى يطلق عليها مجموعة البنك الدولى-هى تحقيق العولمه الاقتصادية من خلال احداث تغييرات في هياكل الاقتصاد العالمى من خلال زيادة الاعتماد التبادل بين الدول، وتشجيع الاستثمارات الاجنبية وتمويل المشروعات، وزيادة الانفتاح على الاسواق العالميه.
وقد حرصت أن أشير لهذه المنظمات الدولية المتخصصة-في هذا السياق-لأنها تمثل الاجهزه الرئيسية لادارة الاقتصاد العالمى، والوصول به إلى مرحلة الاندماج الكامل، في سوق عالمية واحده، حيث تختفى الحدود والقيود بين الدول.

مقالات متشابهة