10 يوليو، 2020
الحوار الجزائرية
اخبار هامة

مفاعيل علاج أزماتنا الظاهرة والكامنة

إذا كان اجتماع البشر ضرورة حياتية حيوية كما يقرره علماء الاجتماع، فإنه لا شك كلما ازداد اختلاط البشر ومجامعتهم لبعضهم البعض زادت إمكانية التناقضات وتطورت الصراعات التي يغذيها التنافس على الموارد والمصالح، وهذه بدورها أصبحت تهدد مجامع الإنسان ومجتمعاته، وتنذر بكوارث رهيبة على المستقبل والمصير، وعلى الجغرافيا والتاريخ، وعلى العباد والبلاد، فالصراعات اشتعلت في عالمنا، والفقه بها وبحلولها وكوارثها تكاد تكون منعدمة في معاهدنا وجامعاتنا ومجالسنا، أرى أن هناك ثلاث حالات تحكم عالم المنازعات من حيث مواجهتها حصرا وقصرا، التدافع باستعمال أساليب القوة وماشابهها من إكراه وتحريج للخصوم، والترافع بالمقاضاة والتفاوض والحوار، والترفع بالحلم عن الغير والعفو عما بدر منه، وابدأ في مقالتي هذه بآخرها، من أجل إماطة الحجب عن معاني تضاءلت في أنفسنا وغابت عن مجتمعاتنا، وانفلتت من قواميس مفرداتنا بسبب التدافع الطاغي، والتنافس الباغي الذي يكاد يكتم أنفاسنا ويذهب بريحنا، وكذا من أجل تعميم بركة هذه القيمة الإيمانية، بتتبعها وتقصي أساليبها بغية تمثلها في حياتنا، وأقصد بلفظة الترفع التي جلبتها ضرورة تناسق العبارات، العفو والمسامحة في التعامل، وهي حالة صوفية تبدأ بتنزل نوع من الرحمة على القلب العافي المتسامح، وتدعوه لاستصدار أحكام يتنازل فيها لخصمه عن حقه وحقيقته التي يعتقدها، فيعمل العافي بإهمال القضية وتجاهلها، وطيها في مبدئها ومهدها، وهذه طريقة ومنهجية يجنح إليها من رزق الله الحكمة، استجلابا للسلام وطلبا للعافية المقصودة شرعا، لكن صالحي المؤمنين يتخذونها قربة يصلون بها إلى إصلاح أنفسهم، و سلما إلى تخليصها من الذاتية المقيتة التي تسير عالمنا السفلي وتحكمه اليوم، إن المنهج القرآني يخيرنا بين الاقتصاص من الظالم وأخذ الحق منه من دون مواربة ولاتردد، وذلك بمقابلة السيئة بالسيئة كما هو التعبير القرآني الذي فيه نوع من المشاكلة كما يقرر البلاغيون والمفسرون، وبين العفو والمصالحة والحلم التي هي انتصار للقيمة على المادة، ولا يعتقد متوهم أن هذا المنهج الرباني في المسامحة كان خاصا بمن قصروا أنفسهم على مجاهدة أنفسهم وآثروا الخمول كالصوفية وأهل الصلاح، وإن ما أسطره وأقرره غير مجد في عالم تحكمه القوة والمصالح، بل ثبت تطبيقه في السياسة، وذلك لما كنا أناسا ورجالا وجنادل نصنع التاريخ ونفتح العالم بقيمناوسلامنا وإسلامنا، وذلك عندما تنازل سبط رسول الله الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية بن أبي سفيان بالخلافة، فنال به شرف السيادة، وسبق الريادة في سن سنة حسنة، ثم لم نسمع عنها في تاريخنا إلا في حادثتين تكاد تكونا شاذتين في حكم أهل الإسلام، وأقصد بذلك واقعة تنازل المجاهد ابن خدة رحمه الله، وسوار الذهب في السودان، إن الترفع الذي أقصد لاشك أنه خلق كريم، وهو في حقيقته عفو عند المقدرة، وتسامح عند المكنة، وتغافل عن المحاسبة، حث عليه الإسلام ورتب عليه الأجر الكبير، ويمكننا تطبيقه اليوم على واقعنا المملوء بالقذارات والمكاره، فاليوم مجتمعاتنا الإسلامية هي بين حالتين كلاهما مأزوم، فهي إما في حالة صراع كامن ومكتوم (invisible conflict) كماهو حال الجزائر سلمها الله وأهلها من كل مكروه، أو في حالة صراع ظاهر (visible conflict)، وللخروج من هذه المآزق المفروضة نحتاج إلى تعميق وعينا بالواقع وإشكالاته، وبالتاريخ وتعقيداته، وبالجغرافيا وتضاريسها، وبالحرب ومجاهلها، فاليوم لم يعد النزاع متعة نتماحك فيهاالعبارات، ونتجاذب فيهاالإشارات، وقد عمل الإسلام على تأسيس هذا المبدأ العظيم الروحاني، فهو أفضل وأقبل عندالله وأسلم، وهو أرجى مايتقرب به السائرون إليه، لأنه أبقى وأبرك، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو ولاته وقضاته إلى رد الخصوم إلى الصلح ما استطاعوا، لأن ذلك أبرد لقلوب المتنازعين وأسكن، وأبعد عن زيادة الضغائن والشحناء وأذهب، لقد توسع الأئمة في هذا الباب (الحنفية والمالكية والحنابلة ) و ذهبوا إلى قبول كل أنواع الإصلاح تدويرا لهذا المقصد الشرعي، وتوسيعا لدائرته المباركة في إحلال السلام بين الناس، لكن الإمام الشافعي رحمه الله كان له رأي مخالف فكان لا يقبل الصلح بين الخصوم إذا أنكره أحدهم لأنه في نظره ومدركه أكل لأموال الناس بالباطل، والشافعي في أصول المعاملات وتصرفات الحكام أقل توسعا من سائر الأئمة المعتبرين وأكثر جمودا على ظواهر النصوص لمن تأمل فقهه في البيوع، مماحدا بأبي منصور الماتريدي السمرقندي عد ذلك من سقطات التي غمزه بها رحمه الله قال في إنكاره الصلح على الإنكار : ما صنع الشيطان من إيقاع العداوة والبغضاء في بني آدم ما صنع الشافعي رحمه الله في إنكاره الصلح على الإنكار، لقد كانت سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم مثلا سائرا في إرساء هذا المعنى الذي نفتقده اليوم، ابتداءً من ذلك التميمي الجلف الملقب بذي الخويصرة، الذي قال أعدل يامحمد، فيجيبه جواب الواثق : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، وانتهاء بدخوله مكة فاتحا ومترفعا عن الخصومات والأحقاد الدفينة، إن مفاعيل القرآن وعبره هي التي أيقضت في الجيل الأول أنوار المعرفة والإيمان، فأنتجت هذه المراشد الهادية إلى الخير، والمعاقل الممسكة عن كل شر، قال الله تعالى “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” ليس الترفع إذلالا ولادنية كما قد يتوهمه البعض، ولا يتعارض البتة مع الأمر باقتطاع الحقوق ومدافعة الباطل، بل هو مرتبة من مراتب الدين، ومنزلة من منازل إياك نعبد وإياك نستعين التي نتلوها وندعو الله أن يهدينا إلى صراطها المستقيم، مثل مرتبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين : وفي الصفح والعفو والحلم : من الحلاوة والطمأنينة والسكينة، وشرف النفس، وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام : ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام . …. وبالله التوفيق …

مقالات متشابهة