17 نوفمبر، 2019
الحوار الجزائرية
اخبار هامة

هذا تأسست المنظمة الخاصة لحزب الشعب الجزائري

بدأت الوطنية الجزائرية، تحت تجلياتها العصرية، مع نجم شمال إفريقيا.. هذا الأخير كان ذا برنامج متكامل لضمان الانتقال من الاستعمار إلى الاستقلال الوطني. رغم هذا، فستعاني الوطنية الجزائرية من مشكل، وستصطدم دائما، مع غياب تعريف واضح للأمة..

 

تعريف عصراني أو تعريف موجه في الغالب إلى الماضي..

كان شمال إفريقيا في مجمله بربريا، وعرف مختلف الاحتلالات، كانت هناك مساهمات أجنبية، وهو مصير كل الدول، ولكن التدخل الأجنبي -الذي سيتبعها بصفة نهائية وعميقة جدا- هو التدخل الذي جاء باسم الإسلام، والذي بوشر فيه في توسيع هذا الدين. إفريقيا الشمالية تعربت أيضا بأسلمتها. رجل الدولة الوحيد الذي أراد أن يوفق بين البربرية والإسلام كان ابن تومرت، الذي يسميه الناس “أسافو”، ترجم القرآن وأصدر عقودا إدارية باللغة البربرية، كان بإمكان الذين خلفوه أن يواصلوا إنجازه، لكن أحدهم، عبد المومن، وهو زعيم عسكري، ولم يكن “فذا” إثنيا، وظف في الإدارة المسلمين المطرودين من إسبانيا، الذين كان تكوينهم باللغة العربية، وهو ما جعل العمل الذي قام به ابن تومرت يمّحى بسرعة. الممالك التي تشكلت كانت كلها من عائلات بربرية لكن لغة حضارتها وإدارتها والثقافة كانت اللغة العربية، وبالتالي فقد عرفنا نوعا من التعريب في إفريقيا الشمالية كاملة، مع وجود بعض الجزر الخصوصية في المغرب وفي الجزائر، أين حوفظ على البربرية. مع الاحتلال الفرنسي علينا أن نقول الحقيقة، لأن منطقة القبائل كانت وراء الأمير عبد القادر، لخوض معركة الاستقلال، ثم في 1971 فإن الشيخ أحداد والمقراني هما من رفع علم الانتفاضة المعممة في تلك الفترة، آنذاك كان الإسلام الوسيلة الأساسية للمقاومة، وبديهي أن مفهوم الأمة هو مفهوم عصري. منذ زمن، عرف تاريخ البحر الأبيض المتوسط مواجهة بين مسلمين ومسيحيين، لم يعتبر الوجود التركي في الجزائر كاحتلال، رغم أن قادة الجزائر، أيام الخلافة، كانوا -باسم الإسلام- من أصول تركية جميعا. عندما وصل الأتراك حدثت انقسامات في كل تلك المنطقة من العالم، على قاعدة دينية، وإذا كان مبدأ التمييز يقوم على أسس دينية فقد كان من الضروري أن يكون لكل شعب قادة ينبثقون منه، أي يكونوا من بشار، من بسكرة، من الجزائر، من وهران، من عنابة، من بجاية.. كانوا سيكونون قادة وطنيين، لكن الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تحوز على الحكم الدنيوي، كان بيدها أيضا الحكم الديني والخلافة.

 

قومية عربية أو وطنية جزائرية

 

بدأت الوطنية العصرية تعبر عن نفسها في أروبا في القرن التاسع عشر، هذا المفهوم بدأ يؤثر على المستوى الإيديولوجي ويتجاوز حدود أروبا، وبهذا فإن شعوب إيرلندا وأمريكا لم تقبل بالاحتلال الإنكليزي، وهكذا أيضا قررت إيطاليا أن تتحرر من النمسا، وكذلك الأمر في ألمانيا، حيث ولدت الحركة التوحيدية، وانتصرت عام 1871.

في الجزائر، بدأ ميلاد الحركة الوطنية في شكلها المعاصر عام 1925، في زمن كان فيه نجم شمال إفريقيا حليفا للحركة العمالية العالمية، هذه الحركة كانت تعترف بالقوميات وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وتعتبر حروب التحرير الوطنية ظاهرة إيجابية.

كانت تنادي حتى البروليتاريات الدول المستعمرة (بكسر الميم) لمساندة حركات التحرر الوطنية، لأنها تندرج في الكفاح ضد الإمبريالية وضد سيطرة البرجوازية، وبالتالي، تتجاوز الشوفينية والحس الوطني المدفوع إلى حدوده القصوى عندما يصبح إمبرياليا وعندما يصبح غازيا.

كان لنجم شمال إفريقيا برنامجا تقدميا بامتياز، هذا البرنامج انتعش في حزب الشعب الجزائري، ثم في بيان أول نوفمبر 1954، كما نجده في أرضية مؤتمر الصومام، ولكن لقياس الضعف الإيديولوجي في الحركة الوطنية الجزائرية، لسنا في حاجة إلى العودة إلى عدم تفهّمات الماضي، ما علينا إلا أن نشاهد ما يحدث اليوم.

من جهة، نعرف الجزائر كأمة، ومن جهة أخرى نقول إنها جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، ثم نقول إنها جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، كيف يمكن أن نكون كيانا مستقلا، وحيدا، يعرف نفسه بالتاريخ، بتشكيلاته الإثنية، بثقافته، بترابه، وعلى وجه الأخص بالروابط غير القابلة للتفكك indissociable الموجودة على مستوى الوطن، ثم بعد ذلك نعتبر أنفسنا جزءا لا يتجزأ من تجمعين أكبر، معرفين كأمتين (العالم العربي والعالم الإسلامي)؟.

لم يرد أحد التعرض إلى هذا الخلط في العمق، ولهذا نتعرض اليوم إلى عدم تفاهمات جديدة:

الأمة تعرف أولا بحس التضامن الوطني، بالإرادة الجماعية في العيش معا، بإرادة مجموعة إنسانية محددة للبقاء دوما معا.

في سنة 1830، كانت مصر محمد علي حليفة لفرنسا، وقدمت إليها خدمات لاحتلال الجزائر، لم تقبلها فرنسا، وبالتالي: كيف نقول إن الجزائر ومصر تشكلان الأمة نفسها؟.

عندما استولي على الجزائر العاصمة، غادر داي الجزائر، سحب إدارته، ضباطه غادروا، ومن بقي منهم لم يشعروا بأنهم معنيين بكفاح الشعب الجزائري، وكان الأمر يستلزم عبقرية وطنية، رجل دولة، وهو الأمير عبد القادر، الذي دعا الشعب الجزائري إلى الكفاح ونظمه فيه. قاوم مدة 17 سنة.

تونس لم تعلن الحرب على فرنسا، ولم تدخل الجيوش التونسية إلى الجزائر لمساعدتها. قام المغاربة –حقيقة- بمحاولة لكنهم هزموا، وبعد تلك الهزيمة أغلقوا حدودهم على الأمير عبد القادر، وهو ما أجبره على الاستسلام، في حين أن الجزائر كلها شعرت بأنها معنية بكفاح الأمير، وكان بديهيا أن الأمير عبد القادر لم يكن يملك الوقت الكافي لتنظيم الدولة، رغم أنه فكر في ذلك. كان يريد إنشاء صناعة حربية، فخلق نواة جيش نظامي، قسم الجزائر إلى “خليفات”، لكن لم يكن له الوقت المادي لبناء دولة عصرية.

في عام 1871، عندما أعلن الباشاغا “مقراني” والشيخ “أحداد” الانتفاضة العامة، آنذاك أيضا، لم يتحرك التونسيون ولا المغاربة ولا الليبيون، تركونا وحدنا في مواجهة العدو.

حقيقة، الأمة دائما وحدها عندما يتعلق الأمر بمواجهة مصيرها.. كان من المفروض في مرحلة الوطنية العصرية الوصول إلى تعريف واضح جدا للأمة، ولم يحدث هذا قبل التحرير الوطني.

البداية كانت بشكل محتشم في الميثاق الأول، ولكن من البديهي أيضا أن الناس تنازلوا -بسبب الانتهازية الثقافية الممقوتة- أمام بعض المصطلحات الغريبة عن الجزائر، ولم يواجهوا بعض الحركات السياسية التي ولدت في أماكن خارجية وزرعت الخلط، وأشير هنا –بالخصوص- إلى البعث، ونحن نعلم ما فعل.

ساد البعث العراق وسورية، ولكن هذين البلدين لم يكونا عدوين بهذه الحدة قبل أن تتولى الحكم هذه الأحزاب في بغداد ودمشق، والتي جعلت من واجبها توحيد العالم العربي.

كيف لا تؤخذ هذه الحقائق البديهية بعين الاعتبار؟، أنْ يكون هناك تضامن طبيعي داخل العالم العربي الإسلامي، بين شعوب ضحية للإمبريالية والاستعمار الغربي (هناك تضامنا قويا)، فهذا طبيعي جدا، أن نركز عليه فهذا عادي جدا، من واجب الشعوب المستعمرة والشعوب المهيمن عليها توحيد جهودها من أجل التحرر الجماعي. وعلى الشعوب السائرة في طريق النمو توحيد قدراتها الذكائية وتفكيرها وإرادتها في الترقية، لإنجاح انطلاقتها على المستويات الاقتصادية والثقافية والعلمية. كل هذه الأمور لم تدرس في العمق، ووصلنا إلى وضع عبثي، مقرف، وأردنا منع محاضرة عن الشعر القبائلي القديم لتيزي وزو، ما تسبب في أحداث القبائل.

كل هذا يعكس، في الواقع، أولا وقبل كل شيء، هراء ثقافيا، وبعدها يمكن أن نقول أيضا أن هناك صراعات حزبية، وأهدافا فئوية داخل الآفلان من أجل السلطة.

كل حدث عارض يستخدم من أجل افتكاك السلطة، إذن فالوطنية الجزائرية لم تعرّف أبدا بشكل واضح، لقد تم زرع الخلط وترك له أن يسود.

وجدت الوطنية الجزائرية عند ميلادها دعما في الشرق الأوسط، وهذا طبيعي جدا، لأن الشرق الأوسط نفسه كان يجتاز أزمة هيمنة أجنبية، وكانت هناك تيارات وطنية تحررية، كان هناك تضامن طبيعي. مصطفى كمال (مصر)، شكيب أرسلان (سوريا) يفهمان الوطنية الجزائرية، وأن الوطنية الجزائرية تدعم كفاحهما وترتكز عليه، هذا كله تعبير عن تضامن طبيعي وعادي، لكن الذهاب إلى حد وجود أمة عربية فهذه قفزة كبيرة ما كان يجب الإقدام عليها.

في البداية، استقوت الحركة الوطنية الجزائرية في المهجر، حيث يتواجد عدد كبير من الجزائريين الباحثين عن عمل لم يظفروا به في بلدهم، في المصانع وجدوا أنفسهم إلى جانب عمال فرنسيين يدافعون عن مصالحهم الطبقية. في هذه الأوساط بدأوا يعون بمشاكل الطبقية، بفضل النقابة، وبالمشاكل السياسية بسبب الرابطة المناهضة للاستعمار على وجه الخصوص، التي اتبعتها الحركة العمالية الدولية والحركة الشيوعية العالمية منذ مدة.

ستخلق الحركة الشيوعية بعد ذلك خلطا عند تصاعد الحركة النازية والفاشية على المستوى العالمي، وستفكر في وضع تحالف ضد الفاشية والهتلرية، وتنجز ما يسمى التراجع التكتيكي على المستوى الإيديولوجي، بعدم إظهار مستوى التأييد نفسه لحركات التحرر الوطني في المستعمرات. المنطقة الوحيدة في العالم التي لم تنجر كانت الهند الصينية، بفضل شخصية هوشي منه، الذي كان يكافح باسم الشيوعية. السيرورة نفسها أعيدت أيضا في الصين بفضل شخصية ماو، وهكذا أيضا مست قارة بأكملها.

من جهة أخرى، سيكون هناك خلط، وسيؤدي هذا مثلا بالحزب الشيوعي الجزائري إلى التحالف مع جمعية العلماء وفرحات عباس، لمساندة برنامج بلوم فيوليت، الذي كان يشكل مشروعا اندماجيا نخبويا وتنكريا للأمة، بما أن موريس توريز نفسه تحدث في الجزائر عن أمة جزائرية بصدد التكون. وأمام هذا الانحراف، فإن حزب الشعب الجزائري، الذي كان مرتبطا بالحركة العمالية العالمية سيقوم بتراجع على مستوى السياسة الدولية، مع المحافظة على المبادئ العامة، سيكون على ما يسميه القومية العربية، والتي كان من المفترض أن يكوّن الوطنية الجزائرية، بالارتكاز على التضامن الطبيعي جدا مع العالمين العربي والإسلامي.

 

 

منطقة القبائل قلعة لحزب الشعب الجزائري

 

كانت منطقة القبائل قلعة لحزب الشعب الجزائري. أولا، في بداية القرن العشرين، كان المهاجرون الجزائريون الذين ساندوا نجم شمال إفريقيا ثم حزب الشعب الجزائري، ينحدرون في 80 بالمئة منهم، من منطقة القبائل الكبرى والصغرى، ثانيا –وهو جانب يجب أخذه بعين الاعتبار- فإن السكن في منطقة القبائل الكبرى تجمعي، أصغر قرية تضم 500 ساكن، كانت هناك قرى من 4 إلى 5 آلاف ساكن. يمكن القول إن قرية من 5 آلاف ساكن تشكل ما يقترب من مدينة.. مدينة صغيرة. إذن، على مستوى منطقة القبائل، عندما يعود المهاجرون، هناك دوما نقاشات سياسية، تلك النقاشات لم تكن سوى تبجيل لانتشار ودعم الحركة الوطنية الثورية، أي نجم شمال إفريقيا ثم حزب الشعب الجزائري بعد ذلك، لذلك بعد حل حزب الشعب الجزائري عام 1939، وعندما بدأ حزب الشعب السري يعود إلى الحياة، بفضل لمين دباغين، صار القوة الغالبة في القبائل.

شخصيا: في الوقت الذي كان يجب بعث حزب الشعب الجزائري، كلفني لمين دباغين بإنشاء حزب الشعب الجزائري السري بمنطقة القبائل، عام 1941. في تلك الفترة، كان هناك نوع من التثبيط.. السجون تعج بالوطنيين، وحتى إصلاحيون تم إيقافهم. ابتداء من عام 1942، مع تحرير المعتقلين السياسيين، عرف حزب الشعب الجزائري السري في منطقة القبائل تطورا هائلا. في عام 1945، عندما توقع حزب الشعب الجزائري الانتفاضة الشاملة، كانت منطقة القبائل مستعدة ذاتيا لذلك، ولحسن الحظ جاء الأمر المضاد، لأننا لم نكن محضرين، وكانت ستكون انتفاضة شاملة وحركة جماهيرية، تفضي إلى مجزرة أكبر من مجزرة سطيف، خراطة وقالمة.

وصل الأمر المضاد.. انطلقت حملة قمع جديدة.. حزب الشعب السري في منطقة القبائل تم دعمه.. كانت هناك توقيفات، ولكن الحزب السري نجا من عملية اجتثاث في البداية، وأصبح بعد ذلك القوة المهيمنة الغالبة، إلى درجة أنه في سنة 1946 و1947، شكل المناضلون القبائليون أكثر من نصف عدد المناضلين السريين في الجزائر، وكانوا يتواجدون في فيديرالية تيزي وزو. نجحت هذه الفيدرالية في خلق أنوية ببئر خادم، وداخل الجزائر العاصمة، تيارت، في مونغولفيير، وإعادة بعثها في غليزان، في منطقة القبائل الصغرى بفضل التجار القبائل، الذين كانوا منتشرين في كل مكان، فقد كانوا مشبعين تماما بالوطنية الثورية، ولأن الظروف الاجتماعية -الاقتصادية جعلت القبائل يعيشون في مساكن تجمعية، وليس في مساكن منفردة كما هو الأمر في المناطق المتكلمة بالعربية، لم يتبع السكان القبائل غير حركة حزب الشعب الجزائري.

كان وجود الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري شبه منعدم، أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فلم يكن لديها أي وجود، وكذا الحزب الشيوعي الجزائري الذي كان تواجده ضعيفا جدا.

قاد لمين دباغين حزب الشعب الجزائري السري، لفترة طويلة، هذا الرجل كان ذا قناعة قوية بأن على الجزائر أن لا تعتمد إلا على نفسها، واستطاع نشر هذا المفهوم. ومن البديهي أيضا أن رجلا مثل مصالي الحاج كان مقتنعا بها منذ مدة طويلة، فقد كان يقول “ما يبكيك غير شفرك، وما يحك جلدك غير ظفرك”.

مع لمين دباغين، كنا نتكلم في شؤون التاريخ، ونذكر أمثلة معاشة بين 1830 و1847، والانتفاضة الشاملة عام 1871، وكان يقول لنا أن علينا الاعتماد على أنفسنا لا غير. حاليا، ودّ لو تجند إفريقيا الشمالية كلها، وخوض معركة على مستوى المغرب كله. تم إرسال وفود إلى تونس والمغرب، إلى المغرب وجهها لمين دباغين، وإلى تونس مزغنة، للمطالبة بتكوين منظمة شبه عسكرية على مستوى المغرب، وتحضير إطلاق كفاح مسلح على مستوى المغرب بأكمله. لا حزب الاستقلال (في المغرب) ولا الدستور (في تونس) وافقا على ذلك، كانا حزبين ثوريين، غير أنهما فكرا بأن قانوني بلديهما كمحميتين غير قابلين للمقارنة مع قانون الجزائر، وفكرا بأنهما يستطيعان الوصول إلى الاستقلال بطريقة أوبأشكال نضالية أخرى.

نصل الآن إلى مجازر ماي 1945، والقمع الذي مس الجزائر كلها. يمكن أن نقول فعلا أن ماي 1945 قضى على مفهوم القبيلة، وأعطى مفهوم الأمة قوته الحقيقية، انطلاقا من هذا الحدث، لم تعد للجهوية والعصبوية والقبلية استخدام إلا من قبل عناصر تافهة، ذات طموحات شخصية، لقد صارت فكرة الأمة هي السائدة.

عرف الشعب، تحت قيادة لمين دباغين، أثناء تواجد مصالي في المنفى، دفعا قويا جدا، كان يحضر نفسه للكفاح المسلح. ابتداء من 1946، طالبت القبائل بالتحضير للكفاح المسلح متناغمة في ذلك في فكرها مع فكر لمين دباغين، الذي اعتبرته فيديرالية تيزي وزو منظرا.

 

 

خط سياسي يفرضه عزام باشا

داخل قيادة حزب الشعب الجزائري، كانت هناك عناصر ثورية ملتزمة، غير أنها مذعورة من أحداث ماي 1945، وكانت لها شكوك فيما يتعلق بإمكانية الترقية عن طريق الكفاح المسلح. لقد تركت فيهم تلك المجازر آثارا عميقة، وهذه أشياء يجب تفهمها، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد الإدانة، إنهم ثوريون في العمق، فمكانهم ليس في غير حزب الشعب الجزائري، لكنهم تحفظوا عندما تعلقت الأمور بالشروع الفعلي في العمل المسلح. دب سوء تفاهم بين فيديرالية تيزي وزو وقيادة الحزب، بالمشاركة في انتخابات الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1946، كان ذلك منعرجا مفاجئا غير محضر له، ويمكن أن أقول أن هذا المنعرج المفاجيء، وهذا الانحراف، تغيير الخط السياسي الذي فرضه مصالي على القيادة، كان قد اقترح من طرف عزام باشا.. بأي حق يضع عزام باشا خطا سياسيا للجزائر؟. من جهة أخرى، صار مصالي الحاج حساسا أيضا للمحادثات التي جمعته بالاشتراكيين الفرنسيين، الذين طلبوا منه إقحام الحزب في النضال الانتخابي.

عندما عاد مصالي وجمع المكتب السياسي، واقترح المشاركة في الانتخابات، جاءت المعارضة الأساسية من لمين دباغين ولحول. في النهاية، قبل آخر طرف، لمين دباغين، على مضض. ظل هناك شخص واحد ضد الانتخابات، وهو حسين لحول. السخط كان عميقا في منطقة القبائل، فالقرار لم يكن محضرا له سياسيا، واختلطت الأمور على المناضلين والقادة بسبب هذا الموقف وهذا القرار، ففي حين كانوا يحضرون أنفسهم للكفاح المسلح جاء هذا التغيير الراديكالي -غير المحضر له والمفروض من طرف قيادة الحزب- دفعة واحدة.. ففي هذه الظروف، بدأت منطقة القبائل تقوم بعمل على مستوى الفيدراليات الأخرى، لحملها على المطالبة بعقد مؤتمر.

في هذا الوقت، كانت إدارة الحزب تعتقد أن باستطاعتها معالجة الأمور بمجرد عقد اجتماع للإطارات وتفادي مؤتمر يهدد بإعادة النظر في الخط السياسي، فقررت عقد ندوة للإطارات في بوزريعة، وتم إنجاز عمل على مستوى الفيدراليات كلها.

عندما طلبت فيديرالية تيزي وزو -التي أخذت الكلمة- بعقد مؤتمر وتوضيح وضع الاستهجان الذي سببه تغيير الخط السياسي، صفق كل من كان في القاعة، ما أثبت دعما للموقف. وفي هذه الظروف، اعتقدت القيادة بأنها مجبرة على التحضير لعقد مؤتمر.

 

المنظمة الخاصة.. آيت احمد وبن بلة

لهذا المؤتمر مؤسستان حضرتا نفسيهما له: من جهة اللجنة المركزية، ومن جهة أخرى فيديرالية تيزي وزو، هذه الأخيرة اجتمعت لتحديد الخطوط العريضة، ثم كلفت حسين آيت احمد وعمار ولد حمودة بكتابة تقرير يقرأه آيت أحمد في المؤتمر.

من جانب آخر، حضرت اللجنة المركزية -التي أحست بثورة القاعدة، بعد التغيير الراديكالي للخط السياسي- تقريرا آخر، عالجت فيه مشاكل إعادة الهيكلة، وفقا لهدف أساسي: الاستقلال، عن طريق الكفاح المسلح.

انتقد تقرير منطقة القبائل تقرير اللجنة المركزية انتقادا مرا وقاسيا، وكان يعيب عليها تغيير الخط السياسي والانحراف السياسي. هل كانت مواجهة بن تيارين سياسيين، أحدهما ناشط والآخر معتدل؟، القرار عائد للمؤرخين، لكن من البديهي أن اللجنة المركزية شعرت بضغط قوي، فيدراليات قسنطينة والعاصمة صوتت لصالح تقرير منطقة القبائل، أي ضد اللجنة المركزية، التي حافظت بعدها على الأغلبية وقدمت تقريرها.

إذا كان هناك نقد لسلوك في الماضي يتعلق بالمستقبل، فقد بدا أن هناك اتفاق عام.. ثلاثة منظمات يجب إنشاؤها: من جهة حركة انتصار الحريات الديمقراطية لإنجاز عمل قانوني، ومن جهة أخرى إنشاء المنظمة الخاصة، وبينهما حزب الشعب السري.. هذا الأخير كلف بـ”اصطياد” العناصر التي تبدو له مهيأة داخل حركة انتصار الحريات الديمقراطية، لتحويلها إلى المنظمة الخاصة. أصبحت حركة انتصار الحريات الديمقراطية حركة جماهيرية مكلفة بتمثيل وإيصال أفكار حزب الشعب، وفي هذه المرحلة دائما طرحت مشكلة تعريف الوطنية الجزائرية، التي لم تكن ما يمكن الاستغناء عنه. الجميع كان يفكر في أمة جزائرية ليس إلا، غير أنه لم يتم تحديد تعريف واضح ودقيق لهذه الفكرة..

ظل الهدف الأساسي هو الاستقلال عن طريق الكفاح المسلح. في مرحلة ما، انتقل آيت احمد إلى المكتب السياسي، وكلف بتأسيس “لوس OS” (المنظمة الخاصة)، تم تعيين بلوزداد على رأس المنظمة الخاصة، لكن مرض السل أعاقه، وكان نائبه آيت أحمد –الذي كان في حال جسمانية جيدة- يتوافق معه سياسيا وثقافيا. بعد مدة، استدعيت أنا أيضا إلى المكتب السياسي كنائب لأحمد بودة، وكنت مكلفا –بالخصوص- بتحويل المناضلين من حزب الشعب إلى المنظمة الخاصة. بعد مدة زمنية محددة، تم شراء أسلحة للمنظمة الخاصة، ووصل أفرادها إلى عدد كاف لتفجير الكفاح المسلح. طُرحت المسألة على المكتب السياسي، وابتداء من هذه اللحظة، تم توافق الجميع، لكن الأغلبية وقفت مع اقتراح مزغنة، الذي كان يقول “اتركوا لنا قليلا من الوقت لنتعود على فكرة التفجير الفوري للكفاح المسلح”. آيت أحمد هو من قدم التقرير. عند التصويت، ظهرت الخلافات.

من جهة، لمين دباغين، احمد بودة، محمد بلوزداد، حسين آيت أحمد، عمر أوصديق.. ومن جهة أخرى مزغنة ولحول.

مفارقاتيا، فقد تم تأجيل التفجير 3 أشهر. قبل مسؤولو المنظمة الخاصة الاقتراح مادام قد تم استشارتهم هم أيضا، دون الآخرين، ممن طالبوا بتحديد فوري لتاريخ بدء العمل المسلح، وفي أقرب الآجال، وعندما قبلوا هذا الاقتراح كانوا يفكرون بنزاهة أنهم قادرون على استعمال هذه المدة لتحسين العمل التحضيري.

وللمفارقة –وبطريقة عجيبة- تم إلقاء القبض على واعلي بناي، وعمار ولد حمودة، اللذين كانا ينتمان إلى المنظمة الخاصة، وعمر بن داود، الذي كان أيضا من المنظمة الخاصة، وعمر أوصديق، ثم ظهرت –بالصدفة- الأزمة البربرية. عناصر تم إلقاء القبض عليها، وهي عناصر تعلم بأمور المنظمة الخاصة، تم تعذيبها، ولم يتحدث أي منها عن تلك المنظمة، فقد بقيت المنظمة الخاصة، التي كانت أداة العمل المسلح –رغم الأزمة- سالمة.

شخصيا، طلبت من محاميّ تحضير عملية هروبي، كنت أنتظر الكفاح المسلح، ولم أكن على علم بالأزمة، ولم أفهم كيف؟، كان يجب أن يطلق الكفاح المسلح في أقل من ثلاثة شهور، لكن ظهرت أزمة؟.. أعتقد أن هناك عناصر لم تكن مع فكرة الكفاح المسلح.

بعد ذلك تم تفكيك المنظمة الخاصة، وكان ذلك بعد إلقاء القبض على أحمد بن بلة، الذي وشى بالمنظمة الخاصة دون أن يتعرض للتعذيب.

نجد اليوم أنفسنا أمام غياب تعريف للوطنية الجزائرية، لسنا اليوم مرتبطين تماما بالعصرنة، ونعيش حاليا أوقاتا صعبة مثلما عشناها بالأمس. عندما يتم بعث الوطنية من جديد سنفهم جيدا أنها تجتاز مرحلة طفولية سياسية، بالعودة إلى ماض خرافي، وتعود معالجة مرض الطفولة السياسية وأمراض الوطنية الطفولية إلى المثقف والذكاء والفكر السياسي والتفكير. من الجنون تعريف البربرية بطريقة ضيقة. لقد مر التاريخ، والتاريخ لا يقدم الأطباق مرتين، تمت عملية تعريب أغلبية السكان، يجب الدفاع عن الثقافة البربرية لأنها جزء لا يتجزأ من شخصيتنا الجزائرية، لكن لا يجب على هذه الأخيرة أن تعرف نفسها في تناقض مع الباقي، كما لا يجب أيضا أن تبنى العروبة والإسلام على نفي البربرية..

هذه أمراض طفولية.. إنها غياب الفكر السياسي وغياب التفكير، والجهل بالتاريخ.. لا يمكن تصور تجمع كبير بنفي خصوصيات هؤلاء أوأولئك.. كل خصوصية يجب أن تشكل إثراء للمجموع..

شهادة سجلت يوم 01 ماي 1990 بالجزائر.

شهادة شفوية لعمر أوصديق/ ملحق في كتاب “كرونولوجيا الحركة البربرية.. كفاح ورجال”، دار نشر القصبة 1999/ علي قنون.

………………………………………..

 

عمر أوصديق

 

عمر أوصديق من مواليد عام 1923 بعين الحمام (تيزي وزو )، انخرط في حزب الشعب الجزائري وأصبح ممثلا لمنطقة القبائل في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ثم عضوا في اللجنة المركزية للحزب، اعتقل سنة 1948 وتعرض للتعذيب أطلق سراحه سنة 1951 هاجر إلى فرنسا للعمل في أحد المصانع وعاد إلى الجزائر في 1955 بعدما انظم إلى جبهة التحرير الوطني، وعيّن عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وصار كاتب دولة في التشكيلة الأولى للحكومة المؤقتة (1960-1958 )، ثم شغل منصب مكلّف بمهمة من قبل جبهة التحرير الوطني في كوناكري 1960.

 

شهادة سجلت في ماي 1990

• ترجمة اوبترون منتصر

مقالات متشابهة