19 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
اخبار هامة

أي لغة يريدون؟

تابعتُ بعض النقاشات والحوارات التي دارتْ عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وعلى أعمدة بعض الصحف بمختلف اتجاهاتها وباللغتين العربية والفرنسية عقب القرار الذي تبنَّته وزيرة التربية السيدة نورية بن غبريت بشأن اعتماد استخدام اللهجات المحلية الجزائرية في لغةِ تدريس تلاميذ المراحل الأولى من التعليم الابتدائي.

وكنتُ قد علقتُ على ذلك القرار عبر صفحتي الخاصة في الفيسبوك تحت عنوان:

استخدامُ العامية في التدريس خطر يداهم وحدة الشعب ..

واعتبرتُ حينها أن الأمر عندما تناهى إلى مسمعي للمرة الأولى مجرد نكتة سخيفة أطلقها بعض الفيسبوكيين بهدف الإثارة لا غير.

ولكن عندما تأكدتُ من حقيقة الأمر رحتُ أتساءل عن سر هذا القرار في عز الصيف بالذات والناسُ يحتاجون للراحة بدل إثارة أعصابهم وأعصاب أبنائهم.

ربما يقول بعضُهم ــ وقد سمعناهم يقولون ذلك فعلا ـ ما الخطرُ الذي يشكله استخدام العامية في لغة التدريس على وحدة الشعب؟.

الواقع أن هذه المسألة في اعتقادي لا يجب أن تُثار في إطارٍ عاطفي، أو ضمن أبعاد سياسية أو إيديولوجية أو من منظور صراع لغوي من شأنه أن يبْعد أهلَ الاختصاص من خبراء في التربية والتعليم وفي علم النفس التربوي خصوصا وعلم الاجتماع عن النقاش الذي يجب أن يكون علميا وجادًا و ليس نقاشا من جانب واحد أو وفق نظرة أحادية الجانب، لأنه يتعلق بمستقبل الأجيال  وليس مجرد قرار عبثي يُتَّخذ اليوم ليتم التراجع عنه غدا.

ثم هل الوطن في هذا الظرف بالذات في حاجة إلى طرح كهذا قد يسهم في تأزيم الوضع الاجتماعي وإثارة خلافات وإشكالات، كنا نظن أننا قد طويناها منذ فترة وخصوصا تلك الطروحات المُقسِّمَة للمجتمع على اعتبار أن هؤلاء مُعَرَّبون بعثيون وأن هؤلاء مفرنسون تابعون لحزب فرنسا!!.

واعتقادي أن مثل هذه المحاولات المُقَسِّمَة لقدرات وطاقات المجتمع الجزائري لا يراد منها سوى جر الفئات المؤثرة في المجتمع من سياسيين وإعلاميين ورجال فكر وثقافة ومجتمع مدني في عداوات و نقاشات عقيمة لا تفيد الوطن ولا تخدم المواطن.

لقد جرت عدة محاولات من هذا القبيل حتى أثناء العهد الاستعماري لإحلال اللهجات المحلية محل اللغة العربية بالجزائر، ولكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل لأن الغالبية الساحقة من الشعب الذي أغرقه المستعمرون في الأمية تصدَّت لهذا الطرح لأسباب عدة، أبرزها أن تَعدُّد اللهجات المحلية من منطقة لأخرى سيطرح صعوبة لدى المدرسين والمعلمين في التبليغ، ثم إن اللهجات المحلية هي هجينٌ من لغات ولهجات عدة وافدة على شعبنا، فهناك الفرنسية المهيمنة على دواليب الإدارة والتعامل اليومي، وهناك الإسبانية خصوصا ببعض مناطق الغرب، وهناك المالطية والإيطالية ببعض المناطق من الشرق الجزائري، وهناك التركية بالوسط وببعض المدن الساحلية، وهناك أيضا حتى اللهجة المشرقية التي فرضتها بعض القنوات الفضائية عبر المسلسلات في العشريات الأخيرة في مختلف جهات الوطن فصارت ضمن الكلمات الدخيلة على المجتمع الجزائري.

العنصر الآخر في اعتقادي هو محاولة فصل اللغة العربية الجامعة عن التلميذ وجعله يتعثر بين العديد من اللهجات المحلية الممزوجة بلهجات ولغات هجينة ووافدة على بلدنا وشعبنا منذ عقود، ومن ثمة فإن ذلك لا يمكن في النهاية أن يجعل التلميذ يحصل على معارفه المعرفية والعلمية  والتكنولوجية اللاَّزمة.

والمؤكد أن المسألة ستؤدي في النهاية إلى تشجيع لغة أخرى غير العربية في المدرسة الجزائرية مما سيُحْدِث انفصاما في شخصية التلميذ وتدني مستوى لغته، وهو ما سيزيد في النهاية من متاعب المدرسة الجزائرية لتصبح معطوبة اللسان بعد أن كانت متهمة بأنها معطوبة في الأفكار والمناهج المتشعبة حتى بات بعضهم يُلحق بها ظلما وبهتانا صفةً ذميمة وهي زرعُ الإرهاب في الناشئة ..

وبهذا الطرح المتبني للهجات المحلية في لغة التدريس سيصبح لسانُ التلميذ يتأرجح بين لهجات عدد من المعلمين القادمين من مختلف جهات الوطن، إذ يغدو من حق أي معلم أن يلقِّن تلاميذه by لهجته التي ترعرع في محيطها إن كانت من الغرب أو من الشرق أو من الجنوب بتعدد لهجاته إضافة إلى الأمازيغية في شكل تارقية أو بلهجة أهل وادي ميزاب أو من الشمال، حيث القبائلية والشنوية وحيث تسود 13 لهجة تنتمي كلها إلى الأمازيغية إضافة إلى التراكمات اللغوية المتعددة خصوصا الفرنسية والتركية.

لقد حاول عددٌ من المستشرقين بِمَنْ فيهم الذين يمقتون العربية مقتا شديدا تشجيعَ كل استعمالٍ للهجات العامية بمختلف البلدان العربية في لغة التدريس، ليس لضرب الدين الإسلامي ومحاربة القرآن فقط، ولكن لتأخير كل عملية علمية وحضارية تربط الأمة بالمعارف والعلوم الدقيقة وبعمليات الاستشراف والاستكشاف نظرا إلى أن العربية بالأساس هي لغة علم كما كان عليه الشأن في بغداد والقاهرة ودمشق وبجاية الحمادية وعموم مدن الأندلس قبل السقوط المفجع، وأن التراجع الذي تعيشه منذ فترة لا يعود إلى اللغة بذاتها بقدر ما يرجع إلى تأخُّر وتراجع أهلها عن صُنع الحضارة وابتكار الثقافة، لأن اللغة كما يقول علماء الاجتماع كائنٌ حيٌ ينْمُو ويتطور بتطور المجتمع، ويتدهور بانهيار الدول والمجتمع، ولنا في المثل الإسرائيلي أبرز الأمثلة، فقد نقل علماء إسرائيل لغتهم من لغة ميتة منذ عصور إلى لغة حية ومتحركة تواكب المعارف والعلوم والتكنولوجيا والذرة اليوم، وكان ذلك مقرونا بقرارات سياسية صارمة تبنته الدولة العبرية بكل مؤسساتها.

كان لويس ماسينيون من بين المستشرقين الفرنسيين الذين قدموا خدمات جليلة للمستعمر الفرنسي في المشرق والمغرب العربي، فهو صاحب الأفكار الداعمة لاستعمال اللهجات المحلية في لغة التدريس بالعالم العربي بهدف إضعاف العربية.

وعلى هذا المنوال حذا عدد من العرب أنفسهم من أمثال موسى سلاَّمة في مصر وسعيد عقل في لبنان وآخرين مشرقا ومغربا على السواء في مساع محمومة لاستبدال لغة التدريس من العربية الفصحى إلى لهجات محلية.

و لكن كل تلك المحاولات انتهت إلى فشل وبقيت اللغة العربية حية صامدة تصارع من أجل الحياة والاستمرار على رغم الموت البطيء الذي يتعرض له أبناء الأمة العربية مشرقا ومغربا.

وإذا كان الأمر كذلك، فأي لغة يريد دعاة العامية اليوم أن تسود مستقبلا في الجزائر؟

الحيز الممنوح لي ــ وقد تجاوزتُه بكثير فمعذرة لهيئة التحرير ــ لا يسمح لي أن أقوم بتحليل كافٍ، كما أنني أفضل أن يناقش هذا الموضوع أهل الاختصاص في جو خال من التشنج والأفكار المسبقة التي تسيء لنا كشعب يدرك أن الحوار هو الوسيلة الراقية للدفع بالأفكار الجميلة للبروز.

Bouazzaramhamed@gmail.com

مقالات متشابهة