9 ديسمبر، 2019
الحوار الجزائرية
أراء ثقافة مساهمات

خير الكلام … سر السعادة

خير الكلام

.. سـرّ السعــادة

بقلم: الأستاذ مصعب رزاق

في رائعتهالخيميائييحكي الكاتب البرازيليباولو كويلوقصة ذات مغزى مدهش، فيقول: أرسل أحد التجار ابنه ليتعلم سرّ السعادة من أكبر حكيم بين البشر، سار الفتى أربعين يوماً قبل أن يصل أخيرا إلى قصر جميل يقع على قمة جبل، وهناك كان يعيش الحكيم الذي كان يبحث عنه.

فبدل أن يلتقي رجلاً مباركاً، وجد نفسه داخل صالة تعج بنشاط كثيف.. تجار يدخلون ويخرجون، وأناس يثرثرون، وفي إحدى الزوايا فرقة موسيقية صغيرة تعزف ألحاناً هادئة، وكان هناك مائدة محمّلة بأشهى وأطيب المأكولات، وكان الحكيم يتحدث إلى هؤلاء وأولئك فاضطر الفتى أن يصبر ساعتين كاملتين قبل أن يحين دوره.

أصغى الحكيم بانتباه إلى الشاب وهو يشرح دوافع زيارته، لكن الحكيم أجابه أن لا وقت لديه كي يكشف له سر السعادة، واقترح عليه أن يقوم بجولة في القصر ثم العودة لرؤيته بعد ساعتين، وأضاف الحكيم وهو يعطي الشاب ملعقة صغيرة فيها قطرتا زيت: بيد أني أريدك أثناء تجوالك أن تمسك بهذه الملعقة وحاذر أن ينسكب الزيت منها.

بدأ الفتى يصعد وينزل سلالم القصر مثبتاً عينيه دائماً على الملعقة، وبعد ساعتين عاد إلى حضرة الحكيم. سأله الحكيم: هل شاهدت السجاد الفارسي الموجود في غرقة طعامي؟ هل رأيت الحديقة التي استغرق انشاؤها عشر سنوات على يد أمهر بستانيّ؟ هل لاحظت أروقة مكتبتي الرائعة؟.

كان على الشاب المرتبك أن يعترف بأنه لم يرَ شيئاً من كل هذا، فشاغله الوحيد كان ألا تنسكب قطرتا الزيت. فقال الحكيم: حسنا، عُـد وتعرّف على عجائب عالمي الخاص، فلا يمكن الوثوق برجل تجهل البيت الذي يسكنه.

أخذ الفتى الملعقة وقد بدا أكثر ثقة بنفسه وعاد يتجوّل في القصر موليا انتباهه هذه المرة لكل روائع الفن التي كانت معلقة على الجدران، وفي السقوف، رأى البساتين وروعة الزهور، وانسجام تلك التحف الفنية ولدى عودته إلى الحكيم روى له بالتفصيل كل ما شاهده. وحين سأله الحيكم عن قطرتي الزيت، أدرك الفتى وهو ينظر إلى الملعقة حينذاك ضياعهما.

عندئذ قال حكيم الحكماء: هاك النصيحة الوحيدة التي سأسديها إليك: “إنّ سرّ السعادة هو في أن تشاهد كل روائع الدنيا.. دون أن تنسى أبداً وجود قطرتي الزيت في الملعقة”.

فما هما نقطتا الزيت التي عناهما حكيم الحكماء في هذه القصة؟ إنهما أهداف المرء وأحلامه، فمعظم البشر يسير بشقّ مائل، فنرى جديّة المرء وقوته من أجل تحقيق حلمه قد طغت على حق نفسه وروحه .. ومنعاه من الاستمتاع بمزايا الحياة وزينتها، أو نراه في المقابل قد أغرته زينة الحياة الدنيا فأخذ ينهل من متعها بغير حساب وانضباط، بينما العظيم حقا والسعيد بصدق هو الشخص الذي يحيا متزنا متكاملا، يتمتع بالحياة دون أن ينسى أن له هدفا يسعى من أجله، ومبدأ عليه أن ينصره، وحلما يعيش لأجل تحقيقه، فإذا أردت يا صديقي أن تعيش سعيدا، فانتبه لقطرتي الزيت بينما تجول بناظريك مستمتعا بجمال الحياة.

مقالات متشابهة