7 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

لماذا لا تنتج الجزائر الكتاب الديني؟

 تجرى الاستعدادات بوتيرة متسارعة، للتعامل مع موعد الطبعة الجديدة من صالون الجزائر الدولي للكتاب، وهي الاستعدادات التي لن تخرج ـ كما هو متوقع ـ عن حالة الهستيريا التي تسود وسادت الطبعات السابقة، وتحديدا عندما تحصر المؤسسات الإعلامية أكبر موعد ثقافي في الجزائر، في دائرة هاجس (الكتاب الديني)، وتجعل الموعد تحت رحمة هذا النفق، دون أن يكون للنقاش الذي يدور والخطاب الذي ينتج تلك القيمة المضافة المنتظرة من هذه الأنماط من الحراك الثقافي.

في هذه الأجواء، تؤكد المعطيات الاقتصادية أن المنطقة المغاربية يتم التداول فيها مبلغ يتجاوز المائة والخمسين مليون دولار، تمثل سوق الكتاب، ويشكّل الكتّاب الديني في هذه السوق مستوى الستين من المائة، وهو المبلغ المرشح للإرتفاع في السنوات القادمة لتزايد الطلب على الكتاب الديني، والذي ينجر عنه الكثير من الثمرات الاقتصادية والفنية، وإنتاج الثروة والمهارات الفنية، التي يمكن أن توفرها لليد العاملة، إلا أن نفس المعطيات تؤكد أن الجزائر لا تنتج الكتاب الديني إلا بنسب غير قابلة للتقدير، إلى درجة العدم في قاموس الاقتصاد.

إلا أن المتوقع في الطبعة القادمة من صالون الجزائر الدولي للكتاب، أن تكون هناك مواجهة شرسة بين موقع المؤسسات الإعلامية والهيئات الدينية من جهة، وحقيقة إنتاج هذه المؤسسات والهيئات، وهي المواجهة التي يتوقع أن تكشف الكثير من أسرار العجز في الإنتاج الفكري للكتاب الديني للهيئات الدينية، وقصور التناول الإعلامي للمؤسسات الصحفية معه، وهي الوضعية التي يبدو أن الكثيرين على غير استعداد لتوقع تداعيات حصولها.

 

  • ثقل القرون

المؤلم في التعاطي الإعلامي لموضوع (الكتاب الديني)، في صالون الجزائر الدولي للكتاب، تواري تلك الحقائق البشعة في ثنايا وأروقة الصالون، وهي التي تتسرب من تلك الحملات الإعلامية الشرسة، والتي تكون أقرب إلى الدعاية والتعبئة التجارية للتجارة الكاسدة والسلع فاقدة الصلاحية، وفي الغالب من الأحيان بقدر ما تورث كثير الأمراض وواسع الأسقام، فإنها في الوقت نفسه تجعل الهيئات الدينية تتوارى بالأعذار والمبررات غير المستساغة، كونها تجد نفسها في مواجهة جمهور لا تستطيع تلبية طلباته الثقافية والفكرية، لأنها غير قادرة على إنتاج ما يناسب الطلب الوطني من الكتاب الديني وفق المعايير الثقافية والنفسية والجغرافية الوطنية، وهي المواصفات التي تشكلت عبر تراكم القرون، مخيلة جماعية عن نموذج التدين المحلي، وقدمت الكثير من المساهمات الجادة والفاعلة للمسيرة الثقافة الدينية.
إن الحديث حول تلبية الطلب الوطني من الكتاب الديني، من حيث الكمية والنوعية والأهداف والمضمون، يلقى بمسؤوليته اليوم على كاهل الجميع مثقفين وناشرين ومستهلكين وإعلاميين، باعتبار ذلك من أولويات الأمن القومي الوطني، ومن ضرورات إنعاش الإقتصاد، وبناء تنمية اجتماعية وفكرية، تندرج في مخططات الحكومات وإستراتيجية الدولة، كون المستوى المنتظر في تلبية حاجة المجتمع من (الكتاب الديني)، سيوفر الكثير من الجهود والإمكانيات التي يتم هدرها اليوم، في مواجهة أخطار وتحديات في الكثير من الأحيان تشخيصها غير دقيق، ومن دون أن تحقق الأهداف المطلوبة في الظروف الحالية، ولن يكون من المستغرب، بل ربما يكون من أوجب الواجبات اليوم، أن ينتقل النقاش حول موضوع (الكتاب الديني) إلى المجالات الاقتصادية الدقيقة ومساحات الاستثمار الفاعل، كون ذلك يرتفع إلى مستويات تحصين الأمن القومي الوطني، وصيانة حقوق الأجيال القادمة، ومن صميم ممارسة السيادة الوطنية، والتي تشكل المسائل الثقافية والفكرية اليوم، أهم رهاناتها الكبرى وأساليب الاستثمار فيها العامل الحاسم فيها.

 

  • تكلفة النمطية

إن الصورة النمطية هي التي سترتفع هذه السنة، في صالون الجزائر الدولي للكتاب، كما هو المعتاد في الطبعات السابقة، إلا أنها هذه المرة ستكون صورة مشوهة، وأكثر قتامة من السابق، كون الظروف التي تأتي فيها هذه المرة ذات خصوصيات معينة وملامح محددة، أين يخيم على الوعي الجمعي تلك الكثافة الثقيلة من المخاطر والنقاش الخاطئ، والتسويق المشوّه، والاستثمار النفعي للقضايا الكبرى المشكلة للمخيال الجمعي، والضامنة للأمن القومي، لأن الاستمرار في الإنتاج البشع من الصور والمشوه من المفاهيم، والقاتل من المعاني والسلبي من القيم، سيكون الكارثة القادمة التي تصيب موقعنا الثقافي في الصميم، وستعجز الأجيال القادمة بالضرورة، ـ وهي معذورة ـ على إصلاحها لثقل تكاليفها، ولن يسعفها الوقت من المساحة التي تكون قادرة على مجرد التفكير فيها.

وفي مثل هذه الظروف المتحركة، التي تمر بها المجتمعات، وتجتاح المنطقة سيكون الشأن العام في أمس الحاجة إلى تحمل تلك التكلفة التي تتساوق مع التكلفة الاقتصادية المعيشية التي نتأقلم معها بالرغم من تكاليفها الباهظة، وتأتي في مقدمة ذلك تلك العملية الضرورية والحتمية التي تتمثل في امتلاك القدر المناسب من المسؤولية الأخلاقية، والالتزام الأدبي تجاه التاريخ والمجتمع والأجيال القادمة، والذهاب بسرعة نحو الاعتراف بالقيم والقواعد والقوانين التي تضبط إيقاع حركة الناس في هذا العالم، ونكون مثل الآخرين في الانصياع للحقيقة اليوم، والقبول بالإكراهات العلمية والأخلاقية في التعامل مع القضايا المصيرية في حياتنا، وهي الحالات التي تكون في الغالب المسببة لتلك الكوارث نتيجة غياب صناعة للكتاب عامة، والكتاب الديني على وجه الخصوص.

 

  • إدارة الوعي

إن تصور إعادة تكرار النمط المعتاد من الخطاب حول موضوع (الكتاب الديني) وتسويقه بأساليب متناقضة من طرف المؤسسات الإعلامية والهيئات الدينية، ونثر شذراته في أروقة صالون الجزائر الدولي للكتاب، هو السيناريو الأقرب للحدوث، كون إجراءات الخروج من المألوف وتجاوز القديم من العادات، لم يتم اتخاذها بعد، وهي الحالة التي تكون قد نجحت في جلب المتلذذين بها، والمستعذبين لطبيعتها، واستسهال ممارستها، لعدم استجلابها للكثير من التكاليف المادية والجهود الأدبية، ويمكن الاستفادة من أهم ثمراتها التي تتقدمها حالات التخويف والترهيب، وتنفيذ حملات (السبق الصحفي) في الاستثمار في المخاطر المحدقة بالبلاد والعباد، وهي المخاطر التي تحملها صفحات أوراق تلك الكتب التي لم يتم الوصول إلى تحديد حدود تصنيفها المفاهيمي، بين المجال الديني أو الثقافي أو الفكري، وغياب إرادة توفر القدرة على التعامل معهما.

وبالرغم من تعدد طبعات صالون الجزائر الدولي للكتاب، إلا أن تلك العتبة المنتظرة من حصول تراكم خبرات التعامل الذكي والمحترف مع القضايا الكتاب الديني، وما يستجلبه من التداعيات، لم يتم الوصول إليها بعد ويزداد البون في التوسع، مقارنة مع نوعية عمل وطبيعة اشتغال الآخرين الجيران والبعيدون في هذا المجال، دون أن تبرز تلك الملامح في ميلاد جينات الإنتباه إلى ضرورة التحول نحو الآفاق الجديدة، وامتلاك القدرات والخبرات النوعية، التي تكون نتيجتها إضافة في رصيد مواجهة الأخطار المبشر بها في كل موعد، في الوقت الذي يغيب السؤال الجوهري على المشتغلين بالصناعة الثقافية، ويتم التواطؤ على استهلاك الكتاب الديني الأجنبي، دون أن يستيقظ الضمير الثقافي في مثل هذه المناسبة الثقافية الكبرى.

 

  • آفاق التحول

إن الرهان الكبير المعقود اليوم أمام المؤسسات الإعلامية والهيئات الدينية، وبالذات في هذه المرة من طبعات صالون الجزائر الدولي للكتاب، يكون في كيفية تحويل النقاش التقليدي حول الكتاب الديني، من تكرار لترويج الأوهام وتسيير الحملات التخويفية، والانتقال نحو فضاءات من الحوار الجاد، الذي يتناول الدور الإستراتيجي للنخب الوطنية التي يفترض أن تقوم به، والمهام التي تؤديها في المجال الحيوي الكلي للبلد، وبالذات في هذه الظروف، وهو المجال الذي يشمل اليوم الكثير من الفضاءات التي أحدثتها الثورات التكنولوجية الاتصالية الجديدة، والآفاق الكبرى للمصالح المتجددة لتطلعات المجتمع، مع الأخذ بعين الاعتبار ضغوط التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع، والعمل على جدولة الجهود وفق التكاليف المطلوبة، التي يمكن أن يتم دفعها لتجاوز الحالة الراهنة.
إن التحولات الكبرى التي يعرفها المجتمع اليوم، وما تمارسه الأحدث الإقليمية والدولية، من إجهاد على المجال الحيوي، تتطلب الإسراع في امتلاك براعة الاحترافية، سواء المتعلقة بالعمل الإعلامي أو الإنتاج الفكري، من طرف تلك المؤسسات المستأمنة على المصير الفكري، وإطار الوعي للمجتمع، مما يجعل من مواضيع وقضايا (الكتاب الديني)، مصدرا دبلوماسيا ثقافيا وفكريا، يستند إليه في تعزيز مكانة المصالح الكبرى للمجتمع، في الفضاءات الدولية القريبة منها والبعيدة، والاستناد عليه في استثمار نوعي يمكّن من صناعة الثروة وتعميق الهوية الجماعية، والإرتكاز على قوته في التخفيف من تلك المنغصات المؤلمة المتكاثرة، عبر الإخفاق في امتلاك أعنة تطويعها، والتي يجعلها البعض أوهام تسويقية تزيد من الترويج لها الكثير من الأحمال على كاهل المجتمع، الذي يبقى في انتظار الإجابة المناسبة عن السؤال العميق والمحرج، المتمثل في أسباب غياب صناعة الكتاب الديني الجزائري، الذي هو من الأدوات المهمة في حماية الأمن القومي الوطني.

 

مقالات متشابهة