7 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

التدفق الإعلامي الجديد … هل يمهد لميلاد مشروع الإصلاح الديني

 تؤكد التصريحات التحذيرية المتصاعدة، وحملات التخويف المتنامية، والاتهامات المتبادلة، لرموز المؤسسة الدينية، حالة القلق الشديد، والتردد العنيف، والتخبط المحبط، الذي تورطت فيه هذه الرموز، جراء النتائج الميدانية المؤلمة، التي تظهر ذلك النفور العام والهروب المتسع والإهمال المتزايد، والهجرة القوية للأجيال الجديدة، نحو الانخراط في المذاهب واعتناق الأفكار غير المألوفة، نتيجة شحنات الاستقطاب المذهبي والضغوط المكثفة للإغراءات الإعلامية، التي تستعين بها المشاريع القادمة، التي تجرد المؤسسة الدينية من جمهورها، والتي تجد سهولة كبيرة في التواصل مع الأجيال الجديدة. الألم المعلن إذا وقفنا في ساحة الحيادية، واخترنا الموضوعية، فإننا نجد أنفسنا في مراقبة تلك التصريحات اليومية، التي تطلقها رموز المؤسسات الدينية، والتي تتمحور حول ضخ المزيد من التحذير ونشر الخوف، والذهاب نحو الماضي، والابتعاد عن الواقع، وصناعة الخصوم، والدعوة إلى فرض المزيد من القمع ورفض الحوار، وإلغاء الاعتراف بالأجيال الجديدة، التي تريد أن تسلبها إرادتها، وتحرمها حريتها وتفرض عليها المزيد من الضغوط، عبر إبقائها في حدود جغرافية لم تعد قادرة على استيعابها، وبغير قصد ربما.

  • سلطة المنصات

تساهم المؤسسة الدينية ورموزها في توسيع أزمة خطابها وتعميق محنتها، والتي تتجاوز خطورتها المتصور عند هؤلاء، فهي تتعلق بالخسارة التاريخية، التي يمكن أن تتكبدها المؤسسة الدينية، عندما تخسر أنصارها، وتفقد من يستمع إليها، وبالذات عندما تصر على إنتاج خطاب لا يفهمه إلا الأموات، ولا يستوعبه إلا سكان القبور، و تتزايد الأزمة، عندما يكون هذا الخطاب فاقد لكل الإمكانيات الإغرائية والقدرات الاقناعية، وبالذات تلك التي أصبحت متداولة وممارسة من طرف الأجيال القادمة من المستقبل، لأن الإصرار على تنفير الأجيال القادمة من الساحة العامة والتقليدية للمؤسسة الدينية، والممارسة العنيفة التي تستمر رموز هذه المؤسسة في سلوكها، يجعل من الخطورة تزداد قسوة، وبالذات عندما تتجرد من التقنيات والفنيات الجمالية، التي تساهم في تسويق الخطابات والترويج للأفكار من المنصات الجديدة، التي تملك الإقناع وتفرض السيطرة وتحوز الهيمنة.

التحول المتسرب أن الإرادة التي تمتلكها القوى والتيارات والمذاهب والأفكار، تحوزها الإمكانيات والمهارات والتقنيات الفاعلة، التي تجعلها تتعايش مع الأجيال الجديدة، والتنسيق الذي تصنعه مع الأمزجة الطارئة والسريعة، وهي الأجواء والظروف المستجدة اليوم، مما يجعلها المادة الحية لتفاعل الأجيال الجديدة، التي تستهلك مضامينها بدون محاذير ولا تردد، ومهما كانت أصالة وجودة وشرعية الأفكار والمذاهب والتيارات، فإنها تفقد مكانتها وتخسر مواقعها، إذا فقدت القدرات الإقناعية الممارسة على الجمهور، وتكون بائسة عندما لا تجد من يستمع لها. ومن خلال الإحصائيات العابرة، نجد أن المساحات التقليدية التي تستحوذ عليها المؤسسات الدينية، تعرف تناقصا لأعضائها، وتسربا لأنصارها، لصالح المساحات الأكثر اتساعا، ويزداد ثقلها، كونها تستند على فعالية الأجيال الجديدة، التي تزول عندها التخوفات وتستهين بالمحاذير، وتتطلع إلى المغامرة ويهمها المواجهة مع المستغرب، وتتجنب التعامل مع إنجازات الماضي، ولا تروقها التطمينات وتعشق التأويلات، بعيدا عن الوصايات التقليدية.

  • الموقف الحرج

إن الأجيال الجديدة، لا يهمها كثيرا الخطاب الذي لا يعترف بشخصيتها، ولا يعطيها الحق في التعبير، ولا يسمح لها بأن تكون جزءا فاعلا من مضمون هذا الخطاب، وتبقى المؤسسة الدينية في موقف حرج، عندما تكتفي بحالة السكون والاكتفاء باالأجيال الراحلة عن الدنيا، وتستعذب المواعظ الحزينة، وتألف التخويف البارد. الجاذبية الساحرة أن الآفاق الجديدة التي تفتحها التكنولوجيات الاتصالية الجديدة، أمام أعين الأجيال الجديدة، يجعلها تمارس في الوقت نفسه، ضغوطا إغرائية أقرب إلى السحر، الذي تزول منه تحفظات الانجذاب والتردد، كون التيارات والمذاهب والاتجاهات، تفطنت إلى إغرائية التقنيات الاتصالية الحيوية، التي عبرها تمارس تفاعلاتها اليومية، التي تمنح الأجيال الجديدة الفرصة للتعبير عن قدراتها وسلوكاتها، التي تمكنها من إثبات قدراتها، والحصول على شرعية شخصيتها. إن الانخراط المتزايد للأجيال الجديدة في العوالم التواصلية الجديدة، يجعلها تكسب الألفة التفاعلية والانسجام مع الأفكار والتيارات والمذاهب، دون أن يكون لديها من المحاذير أو التخوفات الكلاسيكية، التي تبشر بها المنابر التقليدية، التي لا تجد لها أثرا في واقع الناس، كون هذه التحذيرات لا تجد من يستمع لها، وهي تخلف موعدها مع الذين هجروا منذ زمن إلى العوالم الجديدة، والرهان الجديد اليوم، أمام كل حالم بالظفر بقليل من المساندين له، يحتاج إلى امتلاك الكثير من القدرات والمهارات الاتصالية التواصلية الفاعلة، التي تجذب إليها الجيل الجديد، الذي يستسلم للإغراءات الافتراضية، وتنهار أمام القدرات الجاذبية الفاعلة، التي تحتاج اليوم إلى الكثير من الجهود الذكية التي تمهد لقيام مشروع حقيقي للإصلاح الديني الذي ينتج عنه خطاب جديد يستجيب للتحديات الكبرى الحالية، ويجيب على الأسئلة الحرجة التي تتزاحم وتتكاثر وتفرض قوتها الإحراجية التي تتطلب مواجهة تاريخية علمية وموضوعية تكون تلبية لمتطلبات الجميع.

  •  نقاط التحول

إن الجهود الجبارة والتضحيات الضخمة، التي تقدمها المؤسسة الأمنية، يفترض أن تعززها جهود وتضحيات متكافئة، تنتظر من المؤسسة الدينية، كون رهان الأزمة التاريخية تدور بالأفكار والتصورات والمفاهيم، وتلتقى بمصير المجموعة الوطنية، التي تعوّدت على تلك المبادرات والمشاريع التاريخية الناجحة، التي تمكنت من حقيق تلك الإنجازات المهمة عبر المحطات الماضية، والتي كان أصحابها قد تمكنوا من الحصول على الموعد المناسب والصحيح مع اللحظة التاريخية الفاعلة، وهو السلوك الذي توارثته الأجيال المتعاقبة، والتي أثبتت أنها متفوقة في تحديد المواعيد الحاسمة وفي التوقيت المحدد.

إن المطلوب اليوم ممن تقع عليهم مسؤولية المساهمة في تقديم الواجب نحو المجموعة الوطنية، أن يكون مجموع حصيلة الجهد الديني في خدمة المستقبل، وليس التبشير بالمخاوف والإشهار للأوهام، فهناك فرق واسع بين حملات التخويف والترهيب، وبين فتح الآفاق المستقبلية لصناعة الحياة، لأن القوة الضاربة اليوم، تكمن في المساهمة التي تكون الدافع بالمجموعة الوطنية نحو الفاعلية والتخلص من الماضي والاعتماد على التاريخ، والاستثمار في القوى الإستراتيجية الكامنة في المجتمع.

إن التاريخ المشرف للمؤسسة يثبت أنها كانت دائما سباقة إلى احتضان القوى الحية، والاستيعاب الذكي للثروات والمواهب الكامنة في الإنسان، والسعى الحثيث إلى فتح آفاق الأمل وعدم الخوف من المستجدات والنوازل، التي وجدت لها فقها عميقا وفكرا فاعلا، فتمكنت من تقديم المساهمة النوعية لخدمة الناس وصناعة المستقبل، هذا المستقبل الذي تتزاحم الضغوط على المؤسسة المستأمنة على المنظومة القيمية للمجتمع، وعلى عاتقها تقع مسؤولية فتح الآفاق المهمة التي يشعر المجتمع بأن مسارات الأمل متوفرة أمامه.

  • الخيار و الضرورة

إن المعطيات المتوفرة اليوم، تفرض حتمية الذهاب نحو مباشرة تنفيذ مشروع إصلاح الحقل الديني، ودون المزيد من التأخر، كون العملية الزمنية تكبد المجتمع يوميا، المزيد من الخسائر الباهظة، وهو الإصلاح الذي جنى منه من باشره قبلنا، ثمرات مهمة تحتاج إلى الإنتباه إليها، والاستفادة من نقائصها، كون هذا الإصلاح ليس خيارا بل ضرورة حتمية، يكون من المفيد عدم الإقدام على مواجهتها في هذه الظروف، إلا بتلك البراعة المتوفرة اليوم لدى الأجيال الجديدة، وما تمنحه الفرص المواتية في عالم اليوم، وما تأتي به التحولات الجارية.

إن الآمال المعقودة على إمكانية ميلاد مشروع للإصلاح الديني لا يتصور البعض الذهاب به نحو الأعماق الكبرى للبنية التأسيسة للمنظومة الدينية، ولكن الجهد المنتظر أن يتجه نحو مناوشة موضوعية للبنية الفقهية، للاستجابة لتلك التحديات المحرجة التي تتطاول اليوم في الساحة، ولا تجد من يتصدى لها بذكاء وموضوعية، وأساليب حديثة تكون مرنة وقابلة للمراجعة في اللحظات المناسبة، بعيدا عن التهويل أو الوقوع في المطبات الوهمية التي تفرزها المماحكات التواصلية التي هي من طبيعة النمط الجديد للمنظومة الإعلامية الحالية، والتي هي بحاجة إلى ذهنية جديدة تحمل النمطية الابتكارية والأسلوبية التناولية، والقدرة التأويلية التي سيكون لها القدر المناسب الذي يضمن القاعدة الأولية لبداية المشروع الكلي للإصلاح الديني المنتظر.

إلا أن الشروع في الإصلاح، يتطلب مجموعة من العوامل التي تضمن نجاحه، في مقدمتها الاقتناع الحقيقي والتصريح العلني بالأزمة، وتوفر الشجاعة الكافية للمصارحة بذلك، والتي تترافق مع الإرادة اللازمة لتحمل المسؤولية، وأن يكون هناك الاستعداد القادر على تحمل التكلفة المتوقعة، وهي ليست بسيطة، كون الأمر يتعلق بكيفية استيعاب أجيال المستقبل، والتفاعل معها، وتوفير الخدمات المناسبة التي تحتاجها، باعتبار المؤسسة الديني هيئة اجتماعية سيادية خدماتية، ذات أسلوب إئتماني وليس ائتماري، وأن يوجد من الحذر الكافي، كون مشروع الإصلاح ليس نتيجة لأهواء شخصية، ولا نزعات فردية، ولا تطلعات فئوية، ولا هيمنة مذهبية، ولا موجة تجييشية، ولا سلطة استحواذية، وإنما هو خيار إستراتيجي، يتعلق بمستقبل المجموعة الوطنية، في أهم مقومات بقائها في التاريخ.

 

مقالات متشابهة