9 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

الحلقة الأولى…الحرب في التاريخ عند ابن خلدون وهيجل

 الدكتور قادة جليد

          لا شك أن الحرب ظاهرة تاريخية ملازمة لوجود الإنسان منذ فجر التاريخ، حتى يمكن أن نقول أنّ تاريخ الإنسان هو تاريخ الحرب، حيث لا يخلو مجتمع أو حضارة من هذه الظاهرة المرعبة التي تحصد الأرواح وتفسد العمران، ونظرا لأهمية هذه الظاهرة في التاريخ فقد تطرق إليها كل من ابن خلدون   وهيجل، كل من زاويته الخاصة وفي إطار ظروف العصر التي تحدد المرجعية الفكرية والموقف السياسي والإيديولوجي لكل واحد منهما، ولكنّ قبل أن نتطرق إلى هذا الموضوع عند هذين الفيلسوفين، فلا بأس أن نتطرق إلى الأسس النظرية والفكرية لظاهرة الحرب فنتساءل: هل للحرب بعد فكري؟، وهل لها مبررات نظرية وفلسفية؟، وهل يمكننا أن نتساءل عن وظائف إيجابية للحرب؟.

إذا كانت الحرب ظاهرة عدوانية وفعل عنيف، فهل يمكننا أن نربط هذه الظاهرة بالطبيعة البشرية ( LA NATURE HUMAINE )؟ وبمعنى آخر « هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان، أم هي ردّ فعل مكتسب؟، يمكننا أيضا طرح هذا السؤال على الشكل التالي: هل الإنسان عدواني بطبيعته؟، من الصعب جدا معرفة ذلك، فليس ثمّة من شخصية تعيش في حالة الطبيعة الصرفة، أي بمنأى عن تأثير العوامل الثقافية».

ولا شك أنّ الإنسان تتنازعه طبيعتان طبيعة الخير وطبيعة الشر كما يقول الحكماء، وأنّ طبيعة الشر أقرب إلى الإنسان من طبيعة الخير، لذلك نجد أنّ الكثير من الفلاسفة أقاموا فلسفتهم السياسية على الطبيعة البشرية خاصة طبيعة الشر، وهذا مما جعل الفيلسوف الإيطالي مكيافيلي يقول: « لا يفعل الناس الخير إلاّ مكرهين، ولكن ما إن يحصلوا على حرية الاختيار في ارتكاب الشر من دون عقاب حتى يزرعوا الشغب والفوضى في كل مكان، وهذا ما دفع إلى القول أنّ الفقر والحاجة يجعلان الناس حاذقين، وأنّ القوانين تخلق أناسا صالحين».

كما نجد أيضا من الفلاسفة الذين ربطوا ظاهرة الحرب والنزعة العدوانية بالطبيعة البشرية الفيلسوف الإنجليزي هوبز (1588 – 1679) الذي كان يدعو إلى ضرورة الخروج من مأساة حالة الطبيعة والبحث عن السلم، لأنّ حالة الطبيعة عنده تعني شيئا واحدا، وهو أنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ( L’homme est un loup pour l’homme )، وبعبارة أخرى « إنّ سياسة هوبز تتأسس على أنّ الإنسان محدد برغبتين أساسيتين: الرغبة في السلطة والخوف من الموت العنيف الذي يتعرض له من الطرف الآخر، فمنذ زمن بعيد والناس يعيشون من دون سلطة مشتركة تحكمهم في إطار الإحترام، إنّهم يعيشون في هذه الظروف التي نسميها الحرب، وهذه الحرب هي حرب كل واحد ضد الآخر » .

وإذا كان الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة يعني الخروج من حالة الحرب إلى حالة السلم والإنتقال من النزعات الطبيعية إلى القيّم الإجتماعية والسياسية المشتركة، فإنّه لا يمكننا ربط الحرب بالطبيعة البشرية وحدها لأنّ الإنسان أيضا كائن ثقافي واجتماعي وتاريخي، ولأنه وعلى مسرح التاريخ وجدت ثقافات وحضارات تمجد الحروب وتقدس الأبطال الذين يخوضون هذه الحروب بكل فخر واعتزاز، وسواء كانت الحرب من أصل طبيعي أو ثقافي أو كليهما معا، فإنّه « تبقى أكثر عنفا وعشوائية وتقلبا بين جميع القوانين الاجتماعية، تبقى رفيق الدرب العظيم للتاريخ، وهي بنفس الوقت رحمة القوي تسير مع الموت الفردي الطبيعي والطارئ، الذي يعتبر أعلى مشكلة مطروحة في ساعتها بالنسبة لكل كائن بشري، وترافق الكوارث الطبيعية التي تدفن مناطق بكاملها، فهي الموت الجماعي الأعظم، بل هي المذبحة الكبرى للإنسان على يد الإنسان التي تعرض لخطر الدول والمجتمعات والحضارات، بالإضافة إلى تهديدها للأشخاص والأسرة من جميع الأنواع».

وبالرغم من الطابع التدميري والعنيف للحرب، إلاّ أنّ هناك من يرى أنّها ضرورية وأنّها تؤدي وظيفة إيجابية وأنّها حالة إنسيابية لا يمكن توقيفها، وإنّما هي موجودة على الدوام مثل الوجود الإنساني، وإنّما يمكن فقط التقليل من آثارها من خلال عقد الإتفاقيات والمعاهدات وتشجيع السلم وتمجيده بين الدول والشعوب « ومن هنا يأتي السؤال التالي: ألا يعني دوام وكلية وجود هذه الظاهرة المرعبة رغم كل الجهود والنوايا الحسنة التي بذلت لمحاربتها، ألا تعني بأنّ الحرب تقوم في المجتمعات والحضارات بوظائف لا تزال ضرورية حتى الآن، ولا يمكن الإستعاضة عنها؟، ولهذا أليس من الواجب أن تكرس جهود جميع المسؤولين في المجتمع الإنساني لتوجيه عدوانية الإنسان نحو مخارج أقل دموية وأقل تدميرا؟» .

وإذا ثبت تاريخيا أن الإنسان لم يستطع أن يمنع الحرب حتى ولو أراد ذلك لأنه مدفوع إليها دفعا، فإننا نجد أيضا عبر التاريخ من يدافع عن الحرب من باب أنّ مصائب قوم عند قوم فوائد، فالحرب عبر التاريخ تبرز المنتصر والمنهزم، كما تبرز الحضارة المتقهقرة والمنتهية والحضارة الصاعدة والمتألقة، لأنّ الحرب تقوم عادة في التاريخ « عند احتضار وموت الحضارات، وهنا لابد من التفكير أيضا بأولئك الذين يستفيدون من هذه الخاتمة المدمرة، ففي مثل هذه المناسبات يبرز على المسرح المناصرون للحرب والمدافعون عنها، فهي بالنسبة إليهم امتحان للشعوب، ومن وظائف الحرب كما يدعي هؤلاء إزالة الأشكال الاجتماعية والدول والأعراق والحكومات المنهكة المنحلة لتخلي المكان للقوى الغضة والأشكال من التفكير والتنظيمات الجديدة، وهذا يعني في النهاية إعطاء الحرب دورا خارقا يتعدى حدود البشر لحكم التاريخ أو حكم الإله، حسب العبارة الهيجيلية التي اشتهرت في القرون الوسطى».

وإذا كانت الحرب عبارة عن فوضى اجتماعية، فإنّ ذلك في نظر بعض الفلاسفة مرحلة مؤقتة لأنه طبقا للمنطق الجدلي الهيجلي كل أطروحة تؤدي إلى نقيضها، وكل فكرة تحمل في ذاتها بذور فنائها، فالنظام وليد الفوضى والفوضى وليدة النظام، وفي هذا الإطار يقول أحد الفلاسفة « إنّ أكبر تأثير مألوف للثورات التي تعصف بالأمبراطوريات هو ذلك الذي يجعلها تمر من النظام إلى الفوضى ليعود بها فيما بعد إلى النظام، ولم يكتب أبدا لما هو بشري أن يتوقف في نقطة ثابتة عندما يبلغ أقصى كمال ممكن، وعندما يعجز عن الإرتقاء أكثر فإنّه يسقط ولنفس السبب، فهو عندما يسقط في منتهى الفوضى ولا يتأتى له السقوط أكثر من ذلك فإنه يرتقي، وهكذا فإن كل ماهو بشري ينتقل بالتعاقب من الخير إلى الشر ومن الشر إلى الخير، الفضيلة تولد الراحة، والراحة تولد الفراغ والعطالة، والعطالة تولد الفوضى والفوضى تؤدي إلى خراب الدول، ثمّ بعد قليل يولد من رحم خرابها النظام من جديد، والنظام يولد الفضيلة ومن الفضيلة يولد المجد والرخاء، ومهما كان بالإمكان خلق أفضل أشكال الحكم التي يراد تكوينها، فلن يمنعها ذلك من الزوال ذات يوم، إذ أنّ كل شكل يحمل في أعشائه بذرة فنائه».

 

Djellid.kada@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات متشابهة