7 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

مالك.. المغيلي وحماني … ضحايا صالون الجزائر الدولي للكتاب

 في زمن الناس هذا، تستثمر الشعوب ودولها في كل ثرواتها، لتحصل على موقع لها في المستقبل، ولا تغض الطرف عن تلك المواعيد والمناسبات الثقافية الكبرى، لتجعل منها مواقع لتسويق ذاتها، وكسب المزيد من المعجبين بها، وتحصيل مساندين لصورتها، دون إغفال الأرباح المتوقعة، فتسارع النخب الحية إلى انتهاز هذه الفرص فتحقق بها الأهداف الكبرى، وتمهد لجني ذلك بالإستراتيجية الواضحة التي تمنح البلد خطوات جديدة تقرب المجتمع من المستقبل.

وفي عرف ناس هذا الزمن، تم استبدال المعنى الأدنى للنشاط، بمفهوم الفعل والفرصة للمواعيد الثقافية الكبرى، ولم تسجل طبعة من طبعات صالون الجزائر الدولي للكتاب، إدخال وتجسيد المعاني الجديدة المتداولة في عالم الأحياء والأذكياء من البشر، حتى تكون وسيلتها في كسب المزيد من الرفاه الاقتصادي، والجيد من الوعي، والرصيد من التطور، والمأمول من الأمن.

وعند متابعة طبعات صالون الجزائر الدولي للكتاب، التي تأتي في ظل تحولات دولية عميقة، وأوضاع إقليمية متوترة، ورهانات داخلية حرجة، وتهديدات متصاعدة، وموجات خوف متنامية، وحالات قلق متوسعة، نجد أن صالون الجزائر الدولي للكتاب، يقوم بإقصاء وتهميش أهم ركائز مشروع الحماية الفكرية الكبرى، ويصادم الجهود الكبيرة، والتضحيات العالية، التي تبذلها المؤسسات السيادية، الحريصة على أمن واستقرار البلاد.

 

  • الرصيد والتجربة

في العادة، يكثر الحديث عن تلك الدعائم التي يستند إليها الخطاب الرسمي في التمسك بالأسس المشكلة للوعي الديني، الذي يمد الممارسة الاجتماعية بالقيم التي تساند الاستقرار، وتوفر العيش السليم، في مقابل التردد والتشرذم الحاصل في المشهد العام للممارسة الفقهية، إلا أن هدير الخطاب الرسمي تعوزه تلك المساندة الواقعية، فبقليل من الانتباه نجد أن صالون الجزائر الدولي للكتاب يتجنب تلك المرجعية المعلن عنها رسميا، ويتجاهل المذهب المالكي، باعتباره العنوان العريض للهوية المذهبية للمجتمع، وفي صالون الجزائر الدولي للكتاب، يحرم المجتمع من تلك الجهود الحقيقية التي تبرهن عن الإرادة العليا في تبني المرجعية المالكية، ويتم إزالة كل الإشارات الجادة الضرورية، التي تعمل على دعم المالكية، كخيار إستراتيجي تقوم عليه المرجعية الوطنية.

ومما يزيد من وضوح عمليات إقصاء المذهب المالكي وتهميشه في صالون الجزائر الدولي للكتاب، تلك العمليات الممنهجة في التستر على الإبداع الفقهي الجزائري في المذهب المالكي، والتجاهل المستغرب للرصيد التاريخي، لمساهمة النخب الفقهية والثقافية الجزائرية، في إثراء المسيرة التشريعية، التي ساعدت كثيرا في بناء تجربة فقهية اجتماعية، استوعبت الأقطار المغاربية، وتحوّلت إلى نموذج مميز يغري الآخرين، ويجبرهم على إظهار الاحترام والتقدير، وهي التجربة التى كان فيها للجهد الجزائري المساحة الأكبر التي يفترض أن تقابل بكثير من التجويد والتعريف.

إن صالون الجزائر الدولي للكتاب، هو المناسبة الأكثر أهمية في المرافعة على الخيارات الإستراتجية الكبرى للدولة والمجتمع، والسعى إلى تحقيق ذلك الإقناع العميق بأهمية وفوائد رصيد التجربة الفقهية التاريخية، وموقع المساهمة الذاتية فيها، وتوفير الآليات المناسبة لتعزيز طبيعة عملها في السعى اليومي للمجتمع، واستثمار تلك الفرصة في التسويق لصورة النجاح في تطوير التجربة، ودفع الآخرين إلى اعتناق التصور الذي يجعلهم يضعون في الاعتبار أهمية وقيمة تلك المساهمة، وإزالة تلك الأنماط التقليدية في التفكير تجاه ذاتنا، وهي الأنماط التي أتعبتنا كثيرا في ماضي السنوات، وقد حان الوقت لتغييرها من أذهانهم في صالون الجزائر الدولي للكتاب.

الإستراتيجية والعمق

من تقاليد صالون الجزائر الدولي للكتاب، ومنذ سنوات تخصيص زاوية لإفريقيا، وهي الزاوية التي تذبل مع تعاقب الأعوام، ولكن ما يستغربه المصاحب لصالون الجزائر الدولي للكتاب، ينتبه وبأقل جهد، للإقصاء الغريب والتهميش المؤلم لمؤسس التفكير الدبلوماسي الإستراتيجي، في بعده الإفريقي، وهو الذي خرج من تلمسان واستنار بأفكار وإبداعات نبلاء حواظر الجزائر، من كبار المثقفين الذين زوّدوه برقيق الدعم، وسبائك النصح وأمدوه بالمصاهرة، فتحمل الأثقال من التكاليف، ودفع الكثير من التضحيات، وأنجز الجميل من المشاريع (دول)، التي هي أمانة في أعناق القادم من أجيال هذا الوطن.

وقد يجد المتابع لمضمون سير طبعات صالون الجزائر الدولي للكتاب، ذلك التجاوز الغريب والتجاوز المستغرب لإقصاء وتهميش محمد بن عبد الكريم المغيلي، صانع الرؤية الجزائرية للعمق الإفريقي، في وقت يتم فيه استضافة جنوب إفريقيا، ضيفا شرفيا لصالون الجزائر الدولي للكتاب، دون أن يكون للرؤية الإستراتيجية الجزائرية للعمق الإفريقي، موقعا مناسبا لها في هذا الحدث الوطني الكبير، وهو ما يدفع نحو التساؤل المهم المتمثل في سبب تهميش وتجاهل رصيد تفكير سياسي مهم، وإنجاز دبلوماسي عميق في صالون الجزائر الدولي للكتاب، وهو الرصيد الذي يساعد كثيرا في تطوير الرؤية الإفريقية، حسب المعطيات الجديدة، الذي ينتجه النقاش المتوقع والحوار المتصور الذي يفتحه صالون الجزائر الدولي للكتاب.

إن الرؤية الاستراتيجية الجزائرية، للمجال الحيوي الإفريقي اليوم، تجد نفسها مجبرة على فتح تلك الفضاءات من الحوار والمساحات الإعلامية والمجالات التداولية، التي تستفيد من صالون الجزائر الدولي للكتاب، حتى تساهم في مسايرة الجهود الأمنية والتضحيات العسكرية، التي تكابد معاناتها يوميا المؤسسات السيادية، لتوفير دعائم الأمن ومساحات الاستقرار.

 

  • النموذج والهوية

تمر على التوالي الأعوام على طبعات صالون الجزائر الدولي للكتاب، وشيخ الفقهاء وفقيه الشيوخ، أحمد حماني، ينتظر انتباه القائمين على الصالون، وهي الغفلة التي تمر دون أن يظهر للرجل تلك الملامح التي تؤكد على احترام النخب لنفسها، والانتباه لما يمثله الرجل من رمزية مهمة شكّلت الصورة الحقيقية والواقعية لنموذج التدين الجزائري، وهو الذي سعى ليكون المحامي المنافح عن الإبداع الفقهي التاريخي الوطني، الذي طالما كان المنارة التي جلبت إليها الكثير من احترام الآخرين وتقدير المتابعين واستلهام المراقبين.

يثار في توالي الأيام الكثير من النقاش، الذي يجد نفسه في الغالب الأعم، بعيدا عن متطلبات الواقع، وخارج عن سياق التاريخ، والذي تكوّن. تصاب المرجعية الفقهية الوطنية بغائر الجراح ومؤلم الضربات، نتيجة تلك التوجهات الغريبة للنخب الجزائرية، بمختلف توجهاتها وأنواع تمظهراتها، وفي مقدمتها النخب الدينية، التي وجدت نفسها بعيدا عن المسار المنطقي، الذي يمكّنها على الأقل من فهم ما يدور حولها، ويما يجب عليها فعله، فتركت الساحة لغيرها، لتثير العديد من المنتوج الخطابي الفاقد لشرعية المنطق، والمسلوب من قيم الاحترام.

إن أهم ما يلفت الانتباه في الساحة اليوم، تلك الحال التي تعيشها النخب الدينية، في ظل غياب أمثال الشيخ حماني، الذي ترك فراغا كبيرا في المشهد، دون أن تتمكن هذه النخب من الانتباه لقوة حضوره الباهرة، وبريق أنواره التي تساعد على إحداث التوازن المطلوب، وفتح الآفاق المناسبة والسماح بالسير في الطريق، الذي يخفف من وطأة التحولات العميقة التي تمر بها المنطقة، والتي كان بالإمكان، لو تم إنتاج نموذج الاستمرار مع جيل حماني، أن ينير الطريق أمام مهمة إزالة الكثير من المنغصات المتتالية اليوم.

فماذا سيخسر صالون الجزائر الدولي للكتاب، لو تم تخصيص طبعة من طبعاته لشيخ الفقهاء أحمد حماني، أو أحد رموز الإبداع الفقهي الجزائري، ورائد من رواد نموذج التدين الوطني، والأسماء كثيرة لا تعدم، حتى تكون لزوار صالون الجزائر الدولي للكتاب، من الأشقاء والأصدقاء، فرصة الاطلاع على تلك الروعة الإبداعية الفقهية، وأبعادها الثقافية ومساهماتها الإنسانية.

 

  • الجهود والاستدراك

إن محصول المجهود الوطني الكلي، الذي تبذلها المؤسسات السيادية للدولة، من أجل توفير الأمن العميق والاستقرار المستمر، ومواجهة خطير التحديات، وكف أخطار التهديدات، تحتاج اليوم إلى وعاء ثقافي يستوعبها، ويبذل ما يليق بها من الجهود، وما يتناسب من أساليب عمل ترقى إلى مستوى الاندراج في المفهوم الحديث للأمن القومي.

إن فرصة صالون الجزائر الدولي للكتاب، تتطلب القيام وبأسرع وقت ممكن، تنفيذ تلك الواجبات الأخلاقية والفكرية والتنظيمية والإعلامية، التي تندرج في سياق إستراتيجية شاملة، تكون محصلة مساهمة النخب والمساهمين، وإبعاد صالون الجزائر الدولي للكتاب عن الاحتكارية الإدارية و”الفنتازيا” التنظيمية والبهرجة الصحفية، وأن يكون صالون الجزائر الدولي للكتاب فعلا تلك المحطة التي تستعيد فيها الجزائر مكانتها الملائمة، وتبث الطمأنينة في نفوس المواطنين، وتكشف لهم تلك الثقة في بلدهم، ويكون صالون الجزائر الدولي للكتاب قبس من مرآة حمدان خوجة، نعطي من خلاله الصورة المناسبة والجميلة والمبدعة، التي تلملم تراكمات تعاقب أجيال هذا الوطن، وتقنع الآخرين بجدارة الثقافة الجزائرية في المستقبل القادم للمنطقة، كما كان لها الدور المشرف في الماضي.

مقالات متشابهة