2 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

أولويات ومعالم التأسيس الثالث للإخوان المسلمين

عندما ندرس التأسيس الأول لحركة الإخوان المسلمين والمرحلة التي كانت تمر بها الأمة الإسلامية، حيث كانت تفتقر إلى قيادة راشدة تحمي خيراتها وترفع رايتها، في مقابل فهم سقيم للدين والدولة معا، فكانت عملية التجديد التي قام بها عديد العلماء والمفكرين والمجددين كل واحد منهم اختار زاوية نظر ورؤية للعودة بالأمة إلى رشدها، فعرفنا في أقصى الشرق أبو الأعلى المودودي، وفي بلاد العرب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبد ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس، لكن تجميع زوايا النظر كلها في مشروع واحد متكامل لم يتم إلا من خلال الرؤية التي قدمها الإمام حسن البنا رحمه الله، حيث استطاع بعبقرية وذكاء أن يجمع ما افترق عند أغلب هؤلاء الدعاة والعلماء، فكان بحق كبير المجددين في القرن الماضي، وصارت بعد ذلك جماعته تنعت بأنها كبرى الحركات الإسلامية، وراحت تعرف الانتشار طولا وعرضا وعمقا، وأعتقد بأن الأهداف التي تأسست من أجلها حركة الإخوان المسلمين نسخة الإمام حسن البنا تحققت بنسب كبيرة، أثبت ذلك الشيخ يوسف القرضاوي عندما كتب كتابه “الإخوان المسلمون: سبعون عاما في التربية والدعوة والجهاد”، حيث فصّل في الإنجازات التي قامت بها الحركة في مسيرتها في قرن من الزمن.

غير أن الأهداف المتعلقة بالحكومة والأستاذية للعالم لم تتحقق إلى اليوم في مشروع الإمام حسن البنا، وراحت مدرسته تتكيف مع الظروف المحيطة فأنجزت نجاحات قطرية هنا وهناك وإخفاقات أيضا تحدثنا عن بعضها في التجربة المصرية، حيث يمكن القول بأن التأسيس الأول تحققت معه الصحوة واليقظة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وبقي التدافع بشأن الحكومة والأستاذية هو جوهر التجديد اليوم بما يحقق نهضة الأمة وتقدمها.

وبين التأسيس الأول والثاني حدثت تغيرات وتطورات كبيرة على الفكرة الأولى والوسيلة أيضا، رغم بقاء الغاية واحدة وحدثت أيضا انحرافات فكرية أساسية تولدت عنها حالات ثورية وجهادية في بعض التجارب أحالت الأمة على مشهد بائس للأسف الشديد، فظهرت الهجرة والتكفير وجماعة الجهاد ثم القاعدة وداعش في طبعة جديدة، وقلب ظهر المجن للحركات الاسلامية المعتدلة التي مازالت الشعوب تختارها للقيادة كلما كانت الانتخابات حرة ونزيهة، واستمر التدافع اليوم، فمن التأسيس الثاني الذي حافظ فقط على نصاب البقاء والاستمرار وطور بعض المواقف في فكر الجماعة لكنه وصل إلى الحالة التي تمر بها التجربة المصرية اليوم، والحديث عن التأسيس الثالث لحركة الإخوان المسلمين هو حديث يترافق ويتساوق مع الحالة العامة للأمة الاسلامية التي تعيش مرحلة حساسة في تاريخها وتحتاج إلى عملية تجديد حقيقية تنسحب على جميع أقطار العالم الإسلامي، حيث لا يمكننا عندما نتحدث عن عملية التجديد وكأننا نلغي جميع ما تنتجه الأمة ونخبها من إبداعات وتطويرات وفهم للنصوص وتنزيلها أو نشطب الحركة الإسلامية برمتها لصالح عملية تجديد لا تقف على رصيد أو خبرة، فذلك غير صحيح البتة على اعتبار أن عملية التجديد التي تمت في الأمة منذ القرن الأول كانت عبارة عن تراكمات وبناء على ماسبق لكن برؤية جديدة جذابة ولافتة، وأعتقد أن عملية التجديد في القرن 21 بدأت مع مطلعه وهي مستمرة مع كل محاولات التجديد التي يقوم بعا عديد العلماء والدعاة والمفكرين وحتى التنظيمات السياسية في عديد الأقطار، ولكن أعتقد أن العملية بشكل كامل تبدأ بـــــــ:

1.الشعور أولا بالأزمة والحاجة إلى التجديد، ففي عُرف التحليل السياسي، وفي قوانين الاجتماع بشكل عام؛ فإنه من المفترض أن الاعتراف بالأزمة هو البوابة الأولى لعلاجها، إلا أنه قد يكون كذلك علامة موت سريرية، لو طالت الأزمة مكونات داخلية بين فرقاء، على النحو الذي حصل في التجربة المصرية. كما أن عُرف دارسي العلوم السياسية يقول إن وصول أزمات مؤسسة سياسية ما إلى ساحة الإعلام، يعني أمرًا من اثنين؛ الأول انسداد الأطر المؤسسية المرعية لمناقشة المشكلات والخلافات، وبالتالي، صار الإعلام هو المنفذ الوحيد لأصحاب الحق للتعبير عن مظالمهم، أو للتنبيه إلى مشكلات قائمة على مستوى المؤسسة المعنية، سُدَّت من دونها المسارات التنظيمية الصحيحة، أو أن أحد أطراف الأزمة يعاني من رِيَبٍ عديدة في نواياه، أو كلا الأمرَيْن معًا.

  1. أعتقد أن الحركة اليوم ليست في حاجة إلى القائد الملهم – على أهمية وجود قيادات بهذا الوصف والقيمة والأهمية والكاريزما- الذي يجدد للأمة أمر دينها بالمعنى الذي جاء في الحديث، حيث تكاد تقتصر الفهوم اليوم على المجدد الشخص، لكن ظرف القرن 21 ليس هو ظرف القرن 20، على اعتبار أن الأمة اليوم في مرحلة جديدة تحتاج في عملية التجديد إلى مؤسسات تقوم بذلك حتى تكون العملية واسعة ومتكاملة ومستوعبة لرصيد الأمة كلها وتتعاون في تجميع قوى وفكر ورصيد وعبقرية ما يبرز في الأمة من طاقات ومفكرين وأصحاب الذكاء و الإبداع الفكري لتكون عملية التجديد جماعية توفر فرص النجاح، على اعتبار أن فقه الانتظار في الأمة متمكن في العقل الجمعي والنظرة المهدوية تسكن كثيرا من العقول حيث طالت حالة الانتظار للمهدي المخلص، وهي حالة تحتاج إلى دراسة وفهم وصناعة قناعات جديدة بخصوص عملية التجديد.

3.التحرر الفكري من مربعات الإخفاق التقليدية وفتح الآفاق المستقبلية التي تستشرف بطرق وأساليب جديدة صارت التجربة العالمية توفرها اليوم أكثر من أي وقت مضى، بحيث تؤهل الحركة الإسلامية ذاتها لأن يكون نتاج عملية التفكير ذو جدوى على المستوى التنفيذي، وذلك بالتأصيل الذهني والتوعوي، لأن “عملية الفكر” متصلة عضوياً بعملية التنفيذ، وكذلك رسم المسارات التي تؤهل المفكرين حتى يكونوا قريبين من الواقع غير منزاحين عنه، فينتج عنه مفكر يعيش فى المثاليات أكثر منه مفكرا يقدم حلولا واقعية تستند إلى بُعد تجديدي لواقع مفهوم وملموس في ذهن المفكر يراد له تطويره وتجديده. وبرامج هذا المسار تتمثل فى الآتي: برنامج الصلح مع الذات والإقرار بأهمية “دور المفكر” وتأصيل ذلك فى كل مستويات القيادة والقواعد، ثم بدء بناء “معامل التفكير”، وهي تلك المساحات التي يتحرك فيها المفكرون والمبدعون بحرية كاملة، تملك القدرة على اكتشاف من يظهر فيه بوادر ونوابغ الفكر الناشئة، ثم تكون – تلك المساحات – جاذبة لهم وتلتقطهم من مساحات العمل الحركي والتنفيذي إليها، وبدء تشكيل الجسور بينها وبين نطاقات وطبقات العمل الحركي والتنفيذين، وتبدأ الحركة الإسلامية في تخليق دوائر عمل لا تخضع لأي رقابة تنظيمية أو توجيه تنفيذي، وهذه الدوائر تتلمس في كل الدوائر الفاعلة من لهم ميول فكرية وإبداعية وأصحاب الأطروحات المستقبلية، وتبدأ بإنفاذ برامج “تبني” لهؤلاء بحيث تكون هذه البرامج بها الحرية المطلقة التي ينتج معها الإبداع والإنتاج الفكري الرصين، ثم تبدأ عملية تحديد التوجيه الفكري السليم، وهي مرحلة إعداد الأسئلة الكبرى، وإعادة تعريف القيم الحاكمة، وتعريف المطلوب من المفكرين فى هذه اللحظة التاريخية الراهنة، التي لا يستطيع المسلم المعاصر أن يحقق نجاحا فى هذا المعترك الفكري والحضاري بمعزل عن هموم وقضايا المعترك الإنساني، فهو لا يتحرك فى فراغ ولا يتجه إلى فراغ، ثم تبدأ عملية غاية في الأهمية وهي إعادة ضبط العلاقات الفكرية، ومن أهم وأخطر الأسئلة على الإطلاق التي يجب على عملية التفكير والتنظير فى الحركة الإسلامية أن تتناولها، ويعتبر من الأسئلة التأسيسية الرئيسة، مثلا إعادة تعريف العلاقة بين الحركة والفكر، وكذلك إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسية والتنظيم والفكرة والرسالة، حتى لا يطغى دور اللوائح والقوانين على روح الفكرة ومغزى الرسالة للحركة الإسلامية، وكذلك العلاقة بين المحلية والعالمية، حتى تكون الخطوط الفاصلة بين المفهوم الأممي والقطري واضحة جلية، وكذلك إعادة تعريف العلاقة بين التاريخ والعصر، وذلك لضبط دور التجديد دون التفلت من الأصل، وفى الوقت نفسه لا يقتل الموروث سمة الإبداع، وغير ذلك من العلاقات الفكرية الحيوية واللازمة للانطلاق الفكري.

 

مقالات متشابهة