29 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
مساهمات

استدعاء مصطلحات الماضي حول الفرق وتوظيفها عصريا لإدانة المخالف

محاولة للفهم (19)

 

رجع ” الحزب السلفي ” تماشيا مع ذهنية الانسجان في ظروف الماضي، إلى بطون الكتب القديمة وتراث الأقدمين، في محاولة منه لاستلال أسلحة كانت فتاكة ضد الفرق الضالة، يجدّدها، ويعيد استعمالها في عصرنا الحديث ضد المخالف، فمعظم القضايا التي يركّز عليها العقل السلفي في عصرنا هي في جوهرها قضايا تاريخية.

وهذه المحاولة في استدعاء واستخدام مصطلحات السلف، في إدانة الفرق الضالة، هي محاولة لكسب الشرعية، والتلاعب بالعقول، وتوظيف التاريخ، في إدانة قضايا عصرية جديدة، للوصول بالمصطلح إلى دلالات متحجّرة ومغلقة ونهائية، وهي جزء من حرب الإرهاب الفكرية التي يقودها ” الحزب السلفي “، حتى يستمرّ الشحن النفسي ضد المخالف، ومنع أيّ تواصل أو تحاور معه، بناء على الشرعية الدينية التاريخية في إدانة أيّ اقتراب مع المبتدعة، فهم شرّ الخلق، وكلاب النار، وأخطر من اليهود والنصارى، وأسوء من الوثنيين والمشركين!.

وبعد أن تبين للناس جميعا جواز الخلاف في الفروع، ولكل مجتهد أجر الاجتهاد والمحاولة، وقد نقل البغوي في شرح السنة: ” أنّ الخلاف في الفروع خلاف رحمة “، وسمّاه بعض السلف “فقه السعة”، وأكّد الإمام أحمد:” أنّ الناس لا يزال يخالف بعضهم بعضا “، وكُتب الفقه بمذاهبها الأربعة وزيادة، نموذج حي لوقوع الخلاف بين الأخيار في مسائل الفروع.

فبعد فشل محاولات إدانة المخالف في الخلاف الفروعي لقيام الحجة النقلية والعقلية والتاريخية بجواز وقوعه، كما وقع في عهد السلف والخلف، عمل ” الحزب السلفي ” على نقل الخلاف إلى دائرة العقائد، حيث لا يجوز التسامح والتهاون مع المخالف، فاستدعوا مصطلح الخوارج والروافض، والمعتزلة والمرجئة، والجهمية والجبرية والقدرية، وألصقوه بكل من خالفهم، حتى ممّن هو منهم، أو ينهل من مناهلهم، فانتقد بعضهم حتى الشيخ الألباني، وأنّ فيه بعض الإرجاء، وانتقد الشيخ أبو بكر جابر الجزائري، وأنّ في كتبه بعض البدع، ومارس هذا الفكر حالة من التعالي، فكتب بعضهم مجلدين، يحصي فيها الكتب الواجب تركها، أو حرقها، والتنبيه إلى عدم جواز اقتنائها أو بيعها، وكان من ضمن قائمتها كتاب ” الشفا ” للقاضي عياض، وكتاب ” هموم داعية ” للشيخ محمد الغزالي، و”السلفية مرحلة مباركة لا مذهب إسلامي” للشيخ البوطي رحمه الله، بل حتى كتب الأدب الجميلة، من مثل ” العقد الفريد “، و” الأغاني “، و” الكامل ” للمبرّد، طالها المنع والتحريم، مع أنّ فقهاء السلف اعتنوا بها، وبمثلها وثبت اطلاعهم عليها والاستفادة منها، وعدم عدّها فقط من مصادر للخبر.

ومع ظهور بدعة فكرة الجرح والتعديل التي حمل رايتها المدخلي، توسّع القوم في إرسال وتوزيع ألقاب البدعة على كل مخالف، من تهمة الحلول والاتحاد، إلى تهمة الجبرية والقدرية، إلى القول بخلق القرآن، إلى تعطيل صفات الله، واستهوتهم الألفاظ القديمة العتيقة، وفتنوا بها، ووجدوا فيها التبرير الشرعي لإدانة المخالف وإعدامه أدبيا تمهيدا لإعدامه حسا.

لم ينج من أحكامهم المجنونة حتى العلماء السابقين، من أمثال الشيخ أبي حامد الغزالي، وابن حجر العسقلاني والنووي، وابن الجوزي، وغيرهم كثير، فاتّهموا بالأشعرية وعدم الأخذ بمنهج السلف، بل حتى البخاري صاحب الصحيح لم ينج من تهمهم المفتوحة والمرسلة.

ورفضوا كمنهجية مقصودة التذكير بأيّ خير في المخالف؛ واعتبروا أنّ ذكر بعض حسناته قد تغري بمطالعة كتبه، فرفضوا التذكير وبدّعوا من يذكّر بالفضائل، مع أنّ الشيخ ابن تيمية يذكر الفرق المخالفة بالإنصاف والعدل، وهو عمدتهم كما يزعمون، فقد ثبت عنه وهو يتحدّث عن الأشاعرة قوله: ” ثم إنّه ما من هؤلاء إلا وله في الإسلام مساع مشكورة؛ وحسنات مبرورة، وله في الردّ على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلّم فيهم بعلم وصدق، وعدل وإنصاف “- (درء التعارض 2/102 و 103). ويقول كذلك: ” والمعتزلة والشيعة الذين يوجبون الإسلام، ويحرّمون ما وراءه، خير من الفلاسفة الذين يسوّغون التّديّن بدين المسلمين واليهود والنصارى “، فلماذا غاب مثل هذا الإنصاف في كتب ” الحزب السلفي “؟.

فإذا عرفنا أنّ ” الحزب السلفي ” ظهر بعد حرب الخليج الثانية، واستقدام القوات الأمريكية الصليبية إلى شبه جزيرة العرب، وهو ما يعدّ في فكر الشيخين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، من نواقض الإيمان، ونوعا واضحا من أنواع الولاء للكفار المحاربين للإسلام، فهمنا سبب ثقافة ” الحزب السلفي ” المشحونة ضد المخالف والذي ترفض معه أيّ حوار أو تعاون، وقد وجدت في تهمة البدعة مثل تهمة الإرهاب العالمية التي تروجها وتشرف عليها أمريكا، فرصة لنزع مصداقية العالم، فقال المدخلي : ” كل مبتدع ليس بعالم ” (سبل النجاة 37) ، وبالطبع تهمة البدعة اختصاص حصري لهم.

هم مع العلماء والفقهاء المخالفين يشتدّدون ولا يتساهلون؛ ويتهمونهم بالكفر أو البدعة بسهولة ويسر، ولن يجدوا لهم عذرا مطلقا، أما مع الحكام فهم مهرة في التبرير، يقول المدخلي: ” الحاكم إذا كان يعتقد أن الله هو الوحيد الذي يحكم، في العقائد والعبادات، والتشريعات والأحكام، إذا كان عنده هذه العقيدة فما نستطيع أن نكفّره، ولو حكم بالقوانين، إذا كانوا يسمّون هذا تبديلا تشريعا، فإنّكم أنتم بدّلتم وشرعتم في دين الله “، فعقيدتهم هي عقيدة ولي الأمر، إن أمر بالخروج على الحاكم في اليمن يصبح القتال في اليمن جهادا شرعيا؛ كما حدث في 1994 في الجنوب، أثناء الحرب الأهلية، وإن جاء بالقوات الكافرة الصليبية لتقنبل طائراتها البلد المسلم، وتقتل الأطفال والنساء، فهي استعانة بالكفار، وكتب المدخلي مبررا: ” صد عدوان الملحدين وجواز قتالهم بالاستعانة بالمشركين “، وإن رقص مع السفاح المشرك، وأهداه الأموال، فهي رقصة جائزة، ومن باب جواز التهادي بين المسلم والكافر لمصلحة، واخترعوا لمنع نقد الحاكم المفضوحة تصرفاته، قواعد باطلة، كوجوب نصح الحاكم سرا، وأن الحاكم هو أدرى بفقه الواقع، وأن نقد الحاكم يجرّيء عليه الناس، ويفتح باب الشرور، وأن نقد الحاكم من خطط اليهود والنصارى لإفساد حال بلاد المسلمين.

ومع استدعائهم لمصطلحات الماضي في إدانة الخصوم، لم يستعملوا مصطلح الجاهلية، رغم وروده في القرآن والسنة، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد كتب كتابا سماه :” مسائل الجاهلية “، وكل ذلك خوفا مما كتبه سيد قطب حول الجاهلية، وخوفا من انسحابها على الحاكم أو ولي الأمر، فكل مصطلح قديم يتضرر منه خصومهم يستدعى، إلا المصطلحات التي يخشى توظيفها ضد ولي الأمر يتم التلاعب بها، والأصل أن يعودوا إلى قاعدة شيخهم ابن تيمية كما يزعمون : ” إنّ السنة مبناها على العلم والعدل “، لكن ما داموا مكلفين بمهمة باسم العلم، فلا يرجى منهم غير ذلك، فقد كشفت الأحداث المستور من أفكارهم وآرائهم، والمؤكّد أنّ الأحداث كلما تصاعدت ستعرّيهم عريا لا ستر بعده.

مقالات متشابهة