19 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

نحو منظور جديد لفهم الحركة الإسلامية المعاصرة وتقييم تجربتها:

الحلقة “10”

وقصد تحرير منظور جديد لتعريف وفهم الحركات الإسلامية يقتضي ذلك من الباحث مسلمات وافتراضات عدة، تبدأ من قبول الوصف الذاتي لهذه الحركات بأنها إسلامية، وتمر عبر رسم الحدود بين إسلامية هذه الحركات ولا إسلامية غيرها، وتحرير المصطلحات المتعلقة بهذا المفهوم، حيث يطلق مصطلح “الحركات الإسلامية (ويفضل بعض الباحثين مصطلح “الأصولية” ترجمة عن المصطلح الإنجليزي Fundamentalism، بينما يجنح آخرون إلى استخدام تعبير “الإسلاموية” ترجمة أيضا عن Islamicist على الحركات التي تنشط في الساحة السياسية وتنادي بتطبيق قيم الإسلام وشرائعه في الحياة العامة والخاصة على حد سواء، وتناوئ في سبيل هذا المطلب الحكومات والحركات السياسية والاجتماعية الأخرى التي ترى أنها قصّرت في امتثال تعاليم الإسلام أو خالفتها.

ويغلب إطلاق هذا المصطلح على الحركات التي تصف نفسها بهذا الوصف وتنشط في مجال السياسة؛ إذ يندر مثلا إطلاق وصف الحركات الإسلامية على الجماعات الصوفية التي لا تنشط في مجال السياسة، ولا يطلق هذا الوصف عادة على الأحزاب التقليدية ذات الخلفية الإسلامية مثل حزب الاستقلال في المغرب، أو حزب الأمة في السودان، أو حزب آمنو في ماليزيا، كما لا يطلق على النظم والحركات التي تحكم بالشريعة الإسلامية تقليديا، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية مثلا، بينما تطلق هذه الصفة على بعض حركات المعارضة لتلك الأنظمة. تعكس هذه الاستخدامات المسلمات النظرية الشائعة أو المستبطنة حول هذه الظاهرة، وطبيعة الفهم السائد إزاءها.

وتتراوح ردود فعل القوى الأخرى تجاه هذا المفهوم بين رفض مضمونه مع قبول أسسه (أي قبول التشخيص بأن المجتمعات لا تفي التدين حقه مع رفض دعوة الحركات الإسلامية في قيادة الصحوة المرجوة) أو رفض الأسس والمضمون معا (القول إن المجتمعات هي إسلامية فعلا ولا تحتاج إلى من يذكرها بدينها)، أو قبولهما معا من منطلق مضاد تماما، شأن بعض المواقف العلمانية التي تقر بأن دور الدين في حياة المجتمعات تراجع كثيرا وأن الحركات الإسلامية تسعى إلى إحيائه، مع تأكيد أنها مهمة مستحيلة أو غير مرغوب فيها أصلا.

غير أن فكر الحركات الإسلامية تطور في بعض التجارب (الجزائر، تونس وتركيا) إلى القول بعدم تسمية تلك الحركات بالإسلامية كونها تمارس العملية السياسية في بلدان إسلامية، وهي رغبة قديمة عند التيارات العلمانية التي تشابكت مع الحركات الإسلامية ردحا من الزمن وتعمقت الأزمة بينهما إلى حد الصراع والفصام النكد، وصل إلى حد الصراع الصفري والاغتيال والسجن والدماء، وهو مايؤشر على منظور جديد في فهم الحركات الإسلامية التي فضّلت التجدد على التبدد متكأة في ذلك على رصيد التاريخ والتقييم والمراجعات الجريئة التي يتطلبها الواقع الجديد، ولا يتعارض ذلك مع ما كان يسمى في زمن من الأزمان ثوابت الحركة الإسلامية، وصارت اليوم عبارة عن مجرد قضايا ثانوية متغيرة لا تخضع لها القرارات الحاسمة في عقل الحركة الإسلامية التي جرّبت الحكم خاصة، وفي المقابل ماتزال بعض من الجماعات المحسوبة على التيار الإسلامي تقاوم عملية التجديد بالسكن في الماضي وتبرير كل إخفاقاتها بنصوص الابتلاء، ولذلك فنحن في حاجة إلى تعريف جديد للحركة الإسلامية، سواء باعتماد مدخل الحركات الاجتماعية السياسية، أو مدخل النخبة والقيادة والصفوة كاقترابات عملية للتفسير والاقتراب من الظاهرة الجديدة، وقد طرح العديد من الباحثين تعريفات مختلفة للحركات الاجتماعية والسياسية، ولكن برغم اختلافها فإنها تجمع بين عدة عناصر رئيسية تميز هذه الحركات، وسعى الباحثون إلى التفرقة بين الحركات وغيرها من المفاهيم مثل جماعات الضغط والمصالح والأحزاب، والأهم من ذلك حرص بعضهم على تمييز الحركات الاجتماعية والسياسية عن غيرها من صور السلوك الجمعي. ففي المعنى الدقيق للحركات الاجتماعية والسياسية هي جهد جمعي ضعيف تنظيميا ولكنه يتسم بالإصرار على دعم هدف اجتماعي، مؤداه إما تحقيق أو منع تغيير ما في بنية المجتمع ونظام القيم السائد.

ولكن دراسة الحركات الإسلامية كحركات اجتماعية وسياسية تركز على كونها قوى سياسية في المجتمع لها أهدافها وخصائصها المميزة وإستراتيجيتها وتتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية السائدة، شأنها في ذلك شأن أي قوى سياسية أخرى هو السبيل الصحيح نحو فهمها، وبالتالي تقييمها ونقد مسارها. وما صفة “الإسلامية” في هذه الحالة سوى تعبير عن الإطار الفكري الذي تنطلق منه هذه الحركات، فهي في حقيقة الأمر حركات اجتماعية وسياسية في مجتمعات إسلامية.

ومن جهة أخرى، فإن إعادة اكتشاف الإسلام وتفسير أسباب انتشار الحركات الإسلامية يتحقق بصورة أكثر موضوعية بتحليل هذه الحركات الإسلامية كحركات اجتماعية وسياسية، لا بتناول ظاهرة الإحياء الإسلامي على إطلاقها، خاصة أن كثيرا من الدراسات الغربية أسقطت أحكامها العامة بالنسبة لظاهرة الإحياء الإسلامي على الحركات الإسلامية دون مراعاة للتباين بين الموضوعين، وللتباين داخل الحركات الإسلامية ذاتها.

ومن متابعة التطورات السياسية التي لحقت بالمجتمع الإسلامي منذ بداية عهد الخلفاء الراشدين وحتى الوقت الراهن، يمكن القول أن مظاهر التعبير عن الأهداف والمصالح لبعض الجماعات اتخذت شكل الحركات الاجتماعية والسياسية، فموجات الإصلاح وحالات الثورات التي عرفتها النظم السياسية الإسلامية ماهي إلا صور لنشاط حركات إسلامية مختلفة. وقد شهد تراث الإسلام ظهور جهود جماعية متنوعة تنشد التغيير، انطلقت بتلقائية في مجتمعاتها واتسمت بالانتشار والتغلغل، بعضها كان منظما والآخر أقل تنظيما أو منعدم التنظيم، سعت هذه الجهود جميعا إلى تحقيق أهداف معينة في التغيير الاجتماعي والسياسي. وكان لهذه الجهود الجماعية رموزها وقياداتها، فيمكن القول بأن بعضها كان ثوريا، والآخر إصلاحيا.

وكانت هذه الجهود هي شكل الاستجابة من جهة جماعات مختلفة لأزمتين حادتين واجهتا المجتمع والنظم الإسلامية منذ القدم، وهما الأزمة الروحية، أو الأزمة الاجتماعية والسياسية، أو بمعنى آخر كيفية الحفاظ على العقيدة الدينية والجوانب الأخلاقية المرتبطة بها، وإقامة دولة إسلامية تنشد العدل والمساواة. ونشأت الأزمتان من تداخل أسباب ثلاثة دفعت جماعات مختلفة لطلب الإصلاح أو الثورة هي: اهتزاز العقيدة، والفساد والجور، والتهديدات الخارجية. وقد نتجت عن هذه الأسباب الثلاثة عوامل مباشرة قادت إلى ظهور حركات بعينها لها خصائصها المميزة عن بعضها بعضا، ومن هذه العوامل اهتزاز القيم والمعايير، وانتشار حالات القلق الاجتماعي، ووقوع الحرمان والسخط والإحباط.

مقالات متشابهة