19 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

عمل المفكرين والنقد الذاتي مدخل للانتقال الإسلامي من الدعوة إلى الدولة

الحلقة ” 9″

الحركة الإسلامية أولى بكلمة الحق والمراجعة، ولا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فينا إن لم نسمعها، وإسلامنا ما هو إلا النصيحة (الدين النصيحة)، ومرادنا ليس إلا الإصلاح.. هكذا يجب أن نكون (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)، وأولى شيء بالإصلاح هو النفس الفردية والجمعية، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولن يقوم إصلاح إلا على يد صالحين مصلحين: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين)، ثم إن النقد الذاتي ضرورة حياتية إنسانية عمرانية أشبه بعمليات حيوية في الجسم تتعلق بالمسح الوقائي ثم رصد السموم والأخطار ثم مواجهتها وإزالتها والاحتفاظ بالمناعة منها.. إن افتقاد النقد الذاتي يصيب الجسد بمرض الإيدز الاجتماعي، وثمة أصوات كثيرة تطالب الحركة الإسلامية بهذا اللون من النقد ويلحون في ذلك ما بين ناصح أمين ومغرض غير أمين.

فالحركة الاسلامية والمشروع الإسلامي يحتاج إلى نقد على مستواه من السعة والعمق، وأن يكون الناقد واعيًا بتحدياته الذاتية والخارجية وبتنوع استجابات الإسلاميين؛ ومن ثم فلا يعمم الأحكام ويغفل أن بعض المشروع يوازن بعضه، بل أصبح من الضروري اليوم أن تؤسس مراكز دراسات وأبحاث تكون مهمتها الرئيسية متابعة مواقف ومسارات الحركة الإسلامية ونقدها وتوجيهها باستخدام الأدوات العلمية في التقييم والتقويم مؤسسة على قواعد سياسية واجتماعية غاية في الدقة والتمحيص بعيدا عن النزوات الفردية الانتقامية والشهوات البحثية الغارقة في الافتراضات التي لا ترتبط بواقع الناس، هذا هو مسار النقد العملي البناء الذي يصنع النجاح والتقدم والازدهار سواء كانت تقوم به المؤسسات السياسية الحزبية في جلساتها الدورية أو كانت تقوم به الندوات والملتقيات والمنتديات البحثية والدراسية المنظمة في لقاءاتها السنوية، ويؤكد الدكتور سيف عبد الفتاح: إن النقد الذاتي للمشروع الإسلامي والحركة الإسلامية لن يتوقف سواء في حال نجاحه وتقدمه أو في حال تعثره في بعض المسارات، لكن يجب أن يكون نقدًا بناءً ومضيفًا وموضوعيًا وجادًا، سواء من قبل أهله ورواده (فإن الرائد لا يكذب أهله)، أو من قبل المنصفين من غيرهم ومن خارجه مهما كانت شدهتهم أو حدّتهم، وليس هناك نقد للنقد وإن لم نحجر على أحد، وحتى لا يتحول إلى دوامات لا مخرج منها، والأفضل أن يشفع النقد بأطروحات وبدائل تسد الثغرة وتكمل النقص وتعالج الأمراض حتى تكون نصيحة متكاملة وتصحيحات متواصلة.

 

  • الموجة الثالثة للحركة الإسلامية والأبعاد الغائبة

ومن أجل طرح البدائل وسد الثغرات وفتح مساحات المستقبل نحو جيل جديد للحركة الإسلامية، نحاول من خلال هذه السلسلة والمقاربة الإبستمولوجية تقديم رؤية نقدية إصلاحية تبشر بالموجة الثالثة أو الجيل الثالث للحركة الإسلامية، والذي يقتضي كما قال الأستاذ بلال التليدي، في دراسته التجديدية: أن يتجه المشروع الفكري للإسلاميين في صيغة واحدة تنهي حالة الانسداد التي يعيشها مشروعهم الفكري، إذا أتيح له التمدد في أكثر من جهة:

  1. التمدد نحو الدولة، بفتح جسور التعاون معها، وتحقيق التكامل والتناغم بين الإصلاح الفكري والمؤسسي.
  2. التمدد نحو المجتمع، بمزيد من فهم طبيعته وتركيبه وتعدديته.
  3. التمدد نحو بقية المكونات، بفهمها وفهم محددات نظريتها وبناء صيغ التعاون معها.
  4. التمدد نحو الغرب، بإبداع صيغة للعب معه في الميدان نفسه وبالقواعد نفسها، لكن بخلفية قيمية ذات مصداقية.
  5. وأخيراً: الانتظام الواعي في المرجعية الإسلامية، وفي التراث الإسلامي، والانطلاق من القيم الإسلامية للتأسيس لحداثة أمة، تتسم بطابع الانسجام مع المعادلة الثقافية والاجتماعية للأمة من جهة، وبسمة التدرج الفاعلة المتحققة في المشاريع الحداثية الغربية من جهة ثانية، ثم بسمة الشهود الحضاري من جهة ثالثة، ذلك الشهود الذي يسمح لها بتقويم أعطاب الحداثات الأخرى المتجسدة على الأرض.

وعلى اعتبار أن السياق السياسي كان عاملاً مهما في إثارة البعد التجديدي، وأن البعد الأكاديمي والبحثى المتخصص سيساهم فى تحريك البعد الاجتهادي التجديدي. كما أن ضغط الواقع، والمأزق الذي أدت إليه الأدبيات التقليدية يدفع إلى تحريك هذا البعد الاجتهادي التجديدي، وأن الاحتكاك بالتجربة الغربية عن قرب سيساهم -بلا شك- في إبراز تقدم مهم في ثقافته وحضارته وبنية تفكيره، على اعتبار أن حركة التجديد، وإن مست مفردات المنهج وتم تنزيلها على بعض الجزئيات، إلا أنها ما زالت بعيدة عن أن تشكل حالة عامة في الأمة.

ولذلك وجب التنبيه إلى بعض الأبعاد الغائبة في التفكير التجديدي للحركة الإسلامية ذكر بعضها المفكر الإسلامي طه جابر العلواني، حيث قال بأن هذه الأبعاد لا تزال مفتقدة في فكرنا وممارساتنا، وهي “غائبة” نكتشفها من خلال “التقييم النقدي” لتطبيقاتنا الراهنة وممارساتنا قياساً إلى الأهداف المناطة بنا، وليس المهم ألا تكون هناك أبعاد غائبة، بل المهم أن تكون محدودة، وأن نكون قادرين عن الكشف عنها فيما يلي:

  1. ضرورة الوعي الشامل: إن قضية “الإصلاح والتغيير” قضية مركبة وليست بسيطة، وعالمية ولم تعد إقليمية، واتساقية تتطلب وعياً بشرياً مركباً بمستواها، وهذا الوعي المركب لا يكون بالمستوى المركب الفاعل إلاّ منهجيًا، يأخذ بأبعاد الظلمات كلها، الظلمات الحضارية والعلمية -معًا- على مستوى التنظير والتطبيق، بشكل ينفذ عميقًا، إلى فهم خصائص الواقع المتغير، والعوامل الفاعلة في تغيره، والمحدثة لانحرافاته أو أزماته.
  2. عالمية الأزمة تستدعي عالمية الحل: وبما أن العوامل الفاعلة في متغييرات الواقع ليست محصورة بالخصوصية الجغرافية للمجتمعات المسلمة المعاصرة، أي ليست مجرد عوامل محلية ولكنها جزء وانعكاس لأزمة عالمية بحكم التداخل الشامل بين مختلف الأمم والشعوب نتيجة ثورة الاتصالات والمواصلات المعاصرة، لذلك فإن استيعاب هذه العوامل يعتبر من المداخل الضرورية في فهمنا لما يحدث في واقعنا نفسه.
  3. نشأة فكر المقاربات والمقارنات: نتيجة لما تقدم كان من الطبيعي أن تتولد لدينا إحدى قابليتين: قابلية الإنتماء للمنتصر أو المتغلب كما يقول ابن خلدون، أو تتولد لدينا حالات الرفض السلبي، فحالة قابلية الإنتماء للمتغلب تبدأ بفكر”المقاربات”، حيث تنزع الأمة المغلوبة إلى البحث عن صلات قربى مع فكر الغالب لأسباب عديدة، وقد مررنا بهذه الحالة حين أخذنا نقارب الديمقراطية الغربية بالشورى الإسلامية مثلاً، متناسين فوارق النموذج المعرفي والحضاري وآثارها في الفرق بين الديمقراطية ذات الجذر الفردي الليبرالي والقائمة على تقنين الصراع، وبين الشورى الإسلامية القائمة على وحدة الجماعة ونبذ الصراع.

كما أن هناك من لجأ إلى الرفض السلبي للنسق الحضاري القائم عبر الإكتفاء بالمقارنات بين ما لدينا وما لديهم، فبالغ في تجمد ما لدينا على الجملة واعتبره الصورة المثالية بحيث طغى هذا التجمد الذاتي بطريقة دفاعية على تناول ما لدينا من تراث بالنقد والتحليل للكشف عن ضعفه وجوانب قصوره.

  1. الحاجة إلى المنهجية: لابد من الأخذ بمنهجية قادرة على مستوى عالمي، على التحرك في الواقع والتأثير في مناهج العلوم والأنساق، فهذا هو”الغائب الأول” فعلاً.

والبعد المنهجي لابد أن تتجه الجهود إليه، وبه ينبغي أن تقاس الحاجة والإنجاز كذلك لتكتشف جميع الأبعاد الغائبة. أما العقيدة فهي بحمد الله راسخة في القلوب ثابتة في النفوس.

  1. هل يمثل وصول الإسلاميين إلى السلطة حلاً أو منهجًا؟: لا يمكن أن يكون الوثوب إلى السلطة –وحده- حلاً لمشكلات هذه الأمة، ولا يمكن أن يكون هو المنهج المطلوب لإصلاحها، فالعودة وحدها لا يمكن أن تكون مقدمة للإصلاح المنشود، فذلك الإصلاح يجب أن يبدأ بمعالجة أسباب الخلل المختلفة التي أدت إلى الوهن، لتكون المعالجة مقدمة له، وأسباب الخلل ترجع أولاً إلى الفكر والممارسة وفقه التدين، ونقصد بذلك ما لا يتعلق بأصل الوحي من الكتاب والسنة الصحيحة، فالخلل ليس في الدين أو أصوله الموحاة، بل في تنزيله على الواقع وتطبيقه.
  2. ما يصلح به أول الأمة: إن أول هذه الأمة قد صلح بأمور ومحددات منهجية استمدت من خصائص كتاب الله تعالى وتطبيق وتنزيل على واقع نبوي دقيق منها: عالمية الخطاب، وحاكمية كتاب مهيمن، ونبوة خاتمة، وشريعة تخفيف ورحمة، وقلوب مؤلفة.

وليس من بعد ذلك رسالة أخرى ولا نبوة جديدة، ولا تأليف بقدرة الغيبية المباشرة للقلوب، بل لا بد من إيجاد وسائل ودوافع للتأليف، فقد كانت تلك دفعة إلهية لها خصائصها، واستمرت لتملأ زماناً امتد لعدة قرون، ولتملأ مكاناً امتد ما بين المحيطين الأطلسي غرباً والهادي شرقاً.

  1. القياسات الخاطئة: فقياس بعض الحركات والأحزاب أنفسها على تلك المرحلة من دون ملاحظة لتلك الخصائص والفوارق ومحاولة استنزال ذات النتائج التي تحققت للجماعة المؤمنة الأولى يحتاج إلى كثير من المراجعة والتصحيح لتقسيم أمورها، ويتحقق التواصل مع تلك المرحلة بدلاً من محاولة إعادة إنتاج ما حدث فيها من وقائع فذلك محال، لأن التاريخ لا يعيد نفسه، كما قد يتوهم البعض، بل هو صيرورة سائرة باتجاه غايتها التي رسمها العزيز.

 

مقالات متشابهة