25 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

الإنسانية والتمرّد في فلسفة ” ألبير كامي”

إعداد الأستاذ : محمد بومدين جامعة أبي بكر بلقايد“- تلمسان

الجزء 3

الملخّص:

إن فعل التفلسف في الحياة هو أن نكون محبين لها، باحثين عن سبيل تحقيق السعادة فيها، كوننا بشر نحيا حياة مليئة بالفوضى وعدم التراتبية، مليئة بالعنف والتسلط لا إيمان فيها إلا بقانون “الغاب “القوي يأكل الضعيف “، وفي  ظل هذا التزاحم وهذ الصراع  نبحث مع المفكر الفرنسي جزائري “ألبير كامي”  albert camu، كيف نحقق إنسانيتنا، كيف نعي  ذواتنا، كيف نعيش من أجل الحياة السعيدة التي تحمل شعار ” نعم للإنسانية “، نعم للطبيعة البشرية، نعم للحرية و الوعي “، والتي تنادي في المقابل وتقول ” لا للإضطهاد، لا للاستعباد، لا لقهر الإنسانية وحجب العقل عن التفكير وتغييبه عن الوعي، وهي الرؤية التي أعلنها “ألبير كامي” صارخا في وجه الآخرين من خلال “فعل المتمرّد” revolte لتحقيق “الإنسانية”humanismel “، متجاوزين العبث الأنطولوجي بفضل هذه الروح الثائرة أو التمرّد le renegatou un esprit confus، والذي كان الشغل الشاغل لتفكير و عقل “ألبير كامي”، متتبعين رؤيتهم خلال مقولته الشهيرة ” أنا أتمرّد إذن أنا موجود ” وأهم أعماله، التي تضمنت جملة الأطروحات الفكرية الفلسفية حول القضايا الإنسانية وكذا البرهنة على هذه الرؤية بما يراه ” ألبير كامي ” حلا لذلك وسبيلا لتحقيق سعادة الإنسان وتحقيق إنسانيته.

***** ***** ***** ***** *****

  • من تمرّد الإنسان إلى إنسانية المتمرّد:

لقد كان همّ ” البيركامي ” في أعماله المبكرّة أن يصوّر جانبي ” الّظل والّنور” في الوجود الإنساني، وأن يبرز محليته على المستوى الفردي، وكانت كرامة الإنسان وعزّته في احتمال هذه المحلية، ومواجهتها في تحد وأمانة وشجاعة. إنّ فكرة الّتمرّد كما يطبقها” كامي ” في بداية مؤلّفه الفلسفي الكبير” الإنسان المتمرّد “، ليست إلا فردًا يُحاول به أن يفسر اتجاه عصرنا تفسيرًا جزئيًا، كما يحاول أن يفسّر به انفلاته من كل الحدود تفسيرًا وجوديًا كما يحاول جعله أن يكون شاملا.

فما الإنسان المتمرّد؟، إنّه إنسان يقول لا، و لئن رفض، فإنه لا يتخلّى، فهو أيضا إنسان يقول نعم منذ أوّل بادرة تصدر منه، إن العبد الذي ألف تلقي الأوامر طيلة حياته يرى فجأة أنّ الأمر الجديد الّصادر إليه غير مقبول فماهو فحوى ” اللا “؟ يُجيبنا ” كامي ” بقوله ” إنّها تعني مثلاً ” أن الأمور استمرت أكثر ممّا يجب”، وأنّها مقبولة حتى هذا الحد، و مرفوضة فيما بعد و أنّك غاليت في تصرّفك، و تعني أيضًا أنّ هناك حد لا يجب أن نتخطاه “، والإنسان المتمرّد على حد ما نتوّصل إليه من أفكار جليّة هو ” الإنسان دائم الّسعي إلى  تغيير واقعه و العلو عليه “، و بهذا المعنى يمكن القول بأنّ الّتمرّد موجود في كل تجربة إنسانية، لأنّ كل تجربة إنسانية جديرة بهذا الاسم تحتوي على هذا الّنوع من الّرفض للواقع  كما هو عليه، فهو كقول العبد لسيّده، ومضطهده ” لقد تجاوزت حدّك “، أو يقول له ” لا تذهب إلى أبعد من هذا “،  إنّه يقول لا لمن يدوس حقوقي بقدميه، و لكنه في الوقت نفسه يقول ” نعم ” لهذه الحقوق نفسها، و يتجاوز الّنفي الخالص نحو الّتوكيد الخالص، فالعبد الذي تسلّل شعاع الحرية لأوّل مرّة إلى زنزانة وجوده المعتمة، المظلمة، الحالكة، لا يحتج فحسب، بل يؤكّد كذلك و يوافق، إنه يكشف لمضطهده جزءًا عن نفسه ” يريد له أن يُحترم و يرفض له أن يُهان، وحسب قراءتنا لفلسفة كامي، يتبيّن لنا أن ” الّنقض و الّرفض ” هي قيّم أخلاقية ولا إيمان إلا إيمان واحد هو ” الإعلان الصارخ عن رفض المألوف ” وقطع الّصفوف نحو تأسيس براديغم جديد “، إنّي أصرُخ قائلاً ” أنّي لا أؤمن بشيء و أنّ كل شيء محال، و لكنني لا أستطيع أن أشك في صرختي، و لابد لي على الأقل أن أؤمن باحتجاجي “، وهذا الإحتجاج الفردي يحيي الّذات، فالّتمرّد المُحال قد انشب كالوحش الجريح أنيابه في جسده ولم يستطيع الخروج عن ذاته ، فهو ديالكتيك إما ” الكل أو لا شيء على الإطلاق “، و هذا الذي يقوله الّضحية في وجه الجلّاد، إمّا أن تحترم ما أنا عليه وإمّا أن لا أكون على الإطلاق، و الاحترام حسب كامي يتمثل في ” الوعي والحرية “، فالّتمرّد جوهره هذين العنصرين لتحقيق قيمة عالية سامية يكون المتمرّد على استعداد للموت من أجلها إنّها ” الّطبيعة الإنسانية “، إنها ” إنسانية الإنسان “. و الّتمرّد كما رأينا سلفا أنّه توتر دائم يقوم على ديالكتيك بين ” الّنعم ” و” الّلا “، بين التأكيد والرفض، بين الوجود والعدم  و في الآن نفسه كرم و شهامة، همة و كبرياء ، والّتمرّد لا يبقى حبيس الثورة على المألوف من القيم أو الصرخة الرافضة لاضطهاد السيد على عبده، بل تتجاوزها إلى ” التمرّد الميتافيزيقي “، و هذا معناه أنّ الإنسان يتمرّد على الموت والفناء الذي قدر عليه بما هو إنسان، و على  الخليقة كلها وعلى تلك القوّة الّتي يحملّها مسؤولية الموت والّتعاسة و فضيحة المصير الإنساني الذي كُتب عليه أن يلقاه ” .

و لهذا يمكن القول بأنّه يفترض وجود الله في نفس اللّحظة الّتي يُنكره فيها، أي أنّه ينتزع هذا الكائن العلي من ديمومته الأبدية و يُدخله في وجوده الذي هو مُحال، و يلقي به في دوّامة الّتاريخ، بذلك “يريد المتمرّد أن يؤكد أن كل موجود متعال، فهو على الأقل في مستواها متناقض مع نفسه”، فالمتمرّد أقصى ما نقوله عنه أنّه مناهض للرّبوبية في صالح الإنسانية الّدنيوية، إنّه يثور ضدّ المطلق لا لكي يصبح هو” إلاهًا ” بل يبقى إنسانا لا يتحدّى وهمًا و لا عدمًا ” فلطالما كان يضع المتمرّد نفسه بين إله قادر لكنّه شرّير، أو بين إله طيّب لكنّه عقيم “، فإننا لا نستطيع أن نقول عنه أنّه ملحد ولكنّه يطمح إلى أن يكون قدسيًا بغير إله و لا دين له، وهو ما نقرأه في شخصية ” تارو” في رواية “الوباء”.

مقالات متشابهة