17 نوفمبر، 2019
الحوار الجزائرية
مساهمات

مصالي الحاج بين الإنصاف والإجحاف

سليمان قاسم

لعل من بين القضايا الشائكة التي مازالت تؤرق المؤرخين والباحثين في تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية قضية أبو الحركة الوطنية “مصالي الحاج” الذي يعتبره البعض اللبنة الأساسية في تكوين جيل استطاع تفجير الثورة، لأنه أول من دعا للاستقلال فهو من مؤسسي نجم شمال إفريقيا عام 1926 وهو من أسس حزب الشعب الجزائري عام 1937 الذي ناضل من اجل قيم ومبادئ الاستقلال، مما كان سببا في اعتقاله وسجنه طيلة ردح من الزمن كما أن مصالي الحاج يراه البعض بأنه النواة الأولى لتفجير الثورة التحريرية لاسيما بعد تأسيس حركة انتصار الحريات الديمقراطية عام 1946 وتشكيل الجناح العسكري لها وهي “المنظمة الخاصة” عام 1947 والتي شقت طريق نجاحها وذلك بتكوين القاعدة الثورية التي استطاعت فيما بعد تفجير الثورة التحريرية.

 

  • أبناء نوفمبر يحرقون أوراق مصالي الحاج

إن الكلام الذي ذكر سابقا رغم أن التاريخ قد دونه وكتبه بحروف من ذهب إلا أن رياح التغيير بدأت مع خمسينيات القرن والتي عصفت بكل انجازات الرجل خاصة مع انسلاخ الكثير من أبنائه وصراعهم على المسؤولية وتكوين جبهة معادية للمصالية مما أتعب كاهله وارجع مشروعه الاستقلالي إلى الوراء، لكن الأمر الذي عقد المسألة أكثر وهو خروج الثوريين من عباءته لكن بثوب جديد، فلقد كان أبناء المنظمة الخاصة يسارعون الزمن من اجل استلام المشعل الذي كاد أن ينطفئ فكانت غرة نوفمبر 1954 بداية منعطف جديد في تاريخ الجزائر، فالثورة التحريرية المظفرة أوقدت من جديد بدماء الشباب المتعطش للشهادة أمثال مصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي وزيغود يوسف وسويداني بوجمعة الذين استطاعوا أن يحرروا كلمة الثورة من صدور أبناء الوطن، من خلال استقراء التاريخ نرى أن العديد من المؤرخين أكدوا بأن مصالي الحاج حاول هو وأنصاره منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة التحريرية خطفها من أيدي مفجريها الحقيقيين ونسبها إلى نفسه، حيث عمل على إيهام الرأي العام الوطني بعد أربعة أيام فقط من انفجار الثورة على انه صاحب الحركة، فقد قام بإرسال رسول يبلغ أنصاره بفرنسا والجزائر التعليمات التالية “لا تسألوا عمن وراء الثورة واصلوا غمار الكفاح حاولوا أن تسيطروا على الحركة”.

في تلك الفترة أصدرت قيادة جبهة التحرير الوطني قرارا بهجوم مسلح على تلك الجماعات المناهضة للثورة، كما قررت العمل على التوضيح السياسي في المناطق التي توجد فيها تلك الجماعات، وقد كان تصريحهم واضحا في مؤتمر الصومام 20 أوت 1956 ” بأن الوطنية الجزائرية التي يدعي مصالي – بوقاحة – انه بادئها وخالقها، ظاهرة ذات طابع عالمي، ناتجة عن التطور الطبيعي لكل الشعوب التي خرجت من سباتها، إن الشمس تبزغ دون الاحتياج إلى الديك، كما أن الثورة تنتصر دون أن يرجع الفضل في ذلك لمصالي”.

إن موقف مصالي الحاج تجاه الذين فجروا الثورة هو الذي دفع بعضهم إلى معاداته بشكل حاد ومن ابرز هؤلاء محمد بوضياف وعبان رمضان، فحسب المؤرخ محمد عباس فان موقف مصالي الحاج من بوضياف ورفاقه من منشطي الاختيار الثوري يعد خطأ استراتيجيا تولدت عنه سلسلة من الأخطاء الفادحة التي كانت لها عواقب وخيمة على مسار الثورة الجزائرية، وعلى مصير الزعيم المخطئ، فالثوار كانوا يمثلون طليعة جيل بكامله، ويعبرون عن تطلعات أخرى وثيقة الصلة بمرحلة جديدة، وبمستوى أعلى من النضال الوطني التحرري، مرحلة الكفاح المسلح كتتمة طبيعية لمرحلة التوعية الوطنية والاستعداد لاستعادة الاستقلال بجميع الوسائل.

من جانبه يرى الدكتور يحيى بوعزيز أن مصالي الحاج تنعته جل الكتابات بابي الحركة الوطنية الجزائرية الاستقلالية ومنشئها وقائدها، من مطلع عقد العشرينيات إلى عام 1954 والذي يقرأ سيرته في مذكراته التي نشرت مابين ميلاده عام 1898 إلى عام 1938 لا يتردد في إطلاق النعوت والألقاب عليه غير أن مشكلته في سوء الخاتمة التي انتهى إليها للأسف الشديد، لأنه عارض مؤسسي جبهة وجيش التحرير الوطني عام 1954 لأسباب شخصية.

 

  • الجنرال بلونيس من الوفاء لمصالي إلى الموالاة لفرنسا  

المستعمر الفرنسي كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن فهو يعلم أن أحفاد الأمير عبد القادر وبن باديس لن يركنوا ولن يخنعوا للذلة والمهانة، فلهذا كان يحضر رجاله المخلصين له والخائنين لوطنهم منهم امثال “محمد بلونيس” الذي استغل اسم مصالي الحاج فقد كان يثق فيه ثقة عمياء فبعد اندلاع الثورة التحريرية عام 1954 أوكل إليه تأسيس الجناح المسلح له تحت اسم “الحركة الوطنية الجزائرية” بداية الثورة التحريرية، لكن عندما دخل بلونيس في المواجهة العلنية مع كريم بلقاسم في بلاد القبائل حاول الاستنجاد بمن كان يظن أنهم مازالوا على درب مصالي الحاج من أمثال الشيخ زيان عاشور وسي الحواس اللذان طرداه من حدود المنطقة الصحراوية في بداية 1956، لكن هذا الضغط جعله يرتمي في أحضان القوات الفرنسية خاصة مع وقوع مجزرة بني يلمان في ماي 1957 التي نفذها جيش التحرير الوطني بقيادة محمدي السعيد وعبد القادر البريكي ضد أتباع محمد بلونيس الذي قرر في الأخير توقيع الاتفاق مع الفرنسيين لكن رغم ذلك بقي يستعطف الناس باسم مصالي الحاج وهو ما وقع فعلا في “حوش النعاس” فقد دخلها والعلم الجزائري في يده رافعا شعار “مصالي الحاج” فكان يوزع رفقة جيشه مناشيرا تختتم بصفة دائمة بـ “تحيا الحركة الوطنية الجزائرية، يحيا مصالي الحاج” ، غير أن أول ما قام به بلونيس عندما سيطر على منطقة شاسعة تحت الحماية الفرنسية، هو تخليه عن الدعوة لمصالي الحاج وبالتالي خلعه لشعار المصالية كاشفا عن حقيقة تعاونه المباشر مع السلطات العسكرية الفرنسية.

بعد أن عرف مصالي الحاج بهذه الاتصالات بين بلونيس والسلطات العسكرية الفرنسية، قام بإرسال مبعوث عنه في نهاية 1957م، ليحقق في أمر هذه الاتصالات، كأنها تتم في السر، ولقد ظل مصالي الحاج ينتظر نتائج مبعوثه من ديسمبر 1957 إلى ما بعد أفريل 1958م، ولكن بدون جدوى، وأشار مصالي الحاج إلى هذا الانتظار الطويل في التقرير الذي رفعه إلى ندوة إطارات الحركة الوطنية الجزائرية من منفاه في سجن “بايل ايل “( المحيط الاطلسي) في أفريل 1958م، حيث كتب يقول “حتى يومنا هذا يجهل الحزب الوقائع التي كانت سببا في نشوء قضية بلونيس، وإذا اكتفينا بتصريحات الصحافة يلزم علينا أن نعترف بأن بلونيس كان ضحية تلاعب مصالح المكتب العربي (الشؤون الأهلية) للحكومة العامة بالجزائر .

ومن جانب آخر كان المصاليون يتعرضون لنزيف آخر داخل هياكلهم القيادية فبعد أن سيطر بلونيس على رقعة جغرافية كبيرة وتحكمه في جيش قوامه أكثر من 3000 جندي وقع في فخ الزعامة فقد انقلب عليه أهم معاونيه قائد جيش المصاليين مفتاح الذي كان سببا في القضاء عليه بدار الشيوخ باعتبار أن بلونيس قد نقض عهد مصالي وهو ما صرح به قبل الانقلاب بأنه لا يعترف بمصالي الحاج مما كان سببا مباشرا في تصفيته من طرف احد أتباعه جويلية 1958، وهو المصير نفسه الذي لقيه مفتاح فيما بعد باعتبار انه القائد الجديد لجيش المصاليين.

 

  • مصالي الحاج في عيون المؤرخين

لولا مصالي ما كان نوفمبر

كل هذه الأحداث الذي ذكرناها جعلت المؤرخين والباحثين يحتارون بين إنصاف الرجل وتخوينه لاعتبارات كثيرة منها أن مصالي هو أول من دعا إلى الاستقلال، وهو أول من زرع الوطنية في الشعب الجزائري وهذا ما يراه المؤرخ “الدكتور رابح بلعيد” رحمه الله الذي يعد من المدافعين عن أفكار مصالي الحاج فقد صرح لجريدة الجزائر نيوز “بان مصالي الحاج لو أنه تبرأ من ثورة أول نوفمبر لكانت فشلت..فجماعة اللجنة الثورية للوحدة والعمل حينما اندلعت الثورة لم يعلنوا عن هويتهم ومن هم، لمدة حوالي أسبوعين لم يعلنوا عن مفجري الثورة، اتهام مصالي بالخيانة تهمة باطلة، بدليل أنه عندما قامت الثورة تبناها مصالي الحاج، أولا ببيان نشر بجريدة صوت الشعب الجزائري في عددها الأول لديسمبر 1954 تحت عنوان ”الجزائر تكافح من أجل استقلالها”، وأيضا حين بعث مصالي برسالة إلى عبد الخالق حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية في 25 نوفمبر، يقول فيها إنه عين أحمد مزغنة كسفير فوق العادة لدى الجامعة العربية، وطلب منه أن يساعد ممثل الجزائر، لكي يوضح للرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، الوضع في الجزائر وخاصة منذ اندلاع ثورتنا المباركة، ثم قبل هذا وفي 8 نوفمبر، صرح للصحافة سريا، بأن الشعب الجزائري انتفض لاسترجاع استقلاله، وبعث بمبلغ معتبر إلى كريم بلقاسم عبر هنري بوليت، وهو مناضل تروتسكي، وقال حينها مخاطبا هذا الأخير ”يا هنري، هل بإمكانك السفر إلى الجزائر فورا”، ووافق هذا الأخير وحمّله رسالة إلى كريم بلقاسم فحواها ”هناك خلاف حاد بيننا ولكن الآن الثورة اندلعت وعلينا أن ننسى هذا الخلاف ونهتم بالثورة “، بينما يرى المؤرخ محمد حربي أن مؤتمر الملعب البلدي للعاصمة في 2 أوت 1936 هو أول منبر شعبي كبير خطب فيه مصالي الحاج فاحتضنته الجماهير، معتبرا أن من أسباب تمزق حزب الشعب الجزائري هو وجود فارق في الكفاءة التقنية للسياسي والكفاءة الاجتماعية التي تكتسب في الميدان وبملازمة الجماهير، مما ”خلق نزاعا بين تيارين الأول يستند إلى الشعب لممارسة السياسة وكان يمثله مصالي ومن معه، والثاني يستند على أجهزة تنظيمية ومثله غرماء مصالي من مفجري الثورة”.
وأرجع حربي التفاف الشعب حول مصالي بطريقة تقليدية إلى نمطية الأحزاب في المجتمعات العربية والإسلامية وفي دول العالم الثالث، والتي يلتف فيها المناضلون حول شخصية كاريزماتية مثل مصالي الحاج، الذي كان زعيما شعبيا وليس دكتاتورا.
وقد أكد حربي أن مصالي الحاج كان يحضر للمقاومة المسلحة، بتكوين نخب عسكرية، مثلما طرح ذلك في لقاء له بالأمير عبد الكريم الخطابي في المشرق، وكان دائما يطرح التساؤل نعم للثورة ولكن متى وكيف؟ وقال حربي إن الولاية الثالثة التاريخية بقيادة كريم بلقاسم استفادت من مبلغ اثنين مليون فرنك فرنسي بموافقة مصالي الحاج.
ومن الشهادات التي أوردها حربي أن محمد بوضياف وجد صعوبة كبيرة في إقناع كل من بوصوف وبن مهيدي وبن طوبال للانقلاب على مصالي والانضمام إلى اللجنة الثورية للوحدة والعمل، والتي انفرد أعضاؤها بإعلان تفجير الثورة.

المؤرخ بنيامين سطورا يرى أن استمرار الثورة بدون مساندة حركة انتصار الحريات الديمقراطية كان مستحيلا غداة أول نوفمبر 1954 ومع ذلك فان مصالي لم يتخذ موقفا علنيا إلا يوم 8 نوفمبر 1954 وهذا التفسير لمدة أسبوع لا يفسر فقط بتشديد الرقابة عليه في إقامته الجبرية ولكنه كان يرغب بلا شك في ترك الأحداث تتطور حتى يتمكن من تقييم الوضع الجديد كما هو وكان يوجد أمامه حلان اثنان: في إمكانه أن يشجب العمل الذي تم في أول نوفمبر وإما أن يفر من فرنسا ويلتحق بالقاهرة للقيام بعمل مشترك مع بن بلة وخيضر كما أشار عليه رجال اللجنة الثورية للوحدة والعمل واختار حلا ثالثا، فلم يشجب العمل الذي تم في أول نوفمبر واعتبره مرحلة أخيرة منطقية في كفاح الشعب الجزائري وحزبه مع رفض تقييد حريته في التصرف وحرية حركة انتصار الحريات الديمقراطية.

إن ما ذكرناه سابقا من لم يكن حكما نهائيا على الزعيم مصالي الحاج بل كان محاولة منا معرفة وجهات نظر المؤرخين في مسار مصالي الحاج الذي تجمع جل الكتابات بأنه أسس مدرسة لصنع الرجال السياسيين والعسكريين لكن تسابق الزمن جعل الأحداث تتجاوزه قليلا لان فرنسا عطلت آلته النضالية بسبب اعتقاله وسجنه طوال سنين مما جعل القطيعة بينه وبين جيل جديد تربى في أحضان الحركة الوطنية لكنه لم يستلهم العبر من قائدها مصالي الحاج الذي وضع في قفص الاتهام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات متشابهة