22 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

جدليات الصراع ومعادلة الأرقام الخاطئة

د. فهمي شراب

في جدليات الصراع ومعادلات التحرر قد لا ينطبق تماما مبدأ الاعتماد على مقترب الأرقام والحسابات والمقارنات الدقيقة، أو ربط ذلك بمردودية آنية، فهناك تضحيات معلومة، ومهما بلغت، دوما تبذل من قبل الشعب المحتل في سبيل الانعتاق من شرنقة الاحتلال والتحرر التام.

فقد وقعت الحركة الصهيونية في خطأ تاريخي إستراتيجي عام 1897، في بازل بسويسرا، في مؤتمرهم الأول، يوم وقع اختيارها على فلسطين لتكون وطنا قوميا ليهود “الديسابورا”، حيث زرعت دولتها في غفلة من المجتمع العربي، الذي لا يزال واقعا بين مطرقة عدم توفر القدرة اللازمة للتغيير الحقيقي لدى شعوبه، وسندان أنظمته التي يحكمها قادة بعقلية متكلسة، مسكونة بزمن الانتكاسات والهزائم والتبعية لإسرائيل والغرب، ويخطئ أولائك الإسرائيليون اليوم بتحديهم المؤسس على منطلقات تتعارض مع حقائق التاريخ ومنطقه السليم، حيث وجه التعارض يكمن في فهم الحياة وهدفها عند طرفي الصراع، يؤمن اليهود بالمذهب الأبيقوري – نسبة للفيلسوف اليوناني أبيقور- حيث خير ما في الحياة، التمتع بالحياة، بينما الفلسطينيون ومن منطلقهم الديني يتشوفون إلى الشهادة تشوف الظمآن لماء الفرات، في سبيل الله والذود عن أهلهم ووطنهم.

وفي عدوانهم الأخير عام 2014، فإن أول دلالة التراجع في إستراتيجيتهم القتالية هو استبدال فكرة ” بنك الأهداف” الفاشلة، بعدما تعاملت المقاومة في السابق بحزم ونجاح واقتدار في ملف العملاء، إلى فكرة “خارطة الألم”، لكي يوّقعوا أعدادا كبيرة من الشهداء والمصابين معظمهم أطفال ونساء وكبار السن، ويعترف الصحفي الإسرائيلي “جدعون ليفي”، “أنه ليس للحرب هدف واضح لإسرائيل سوى قتل العرب”، ويهدفون من وراء ذلك إلى خلق طبقة في المجتمع الفلسطيني تعارض المقاومة بسبب ما ألم بهم، ولا يعرفون بأن (إسرائيل) أمام عقلية وتركيبة نفسية وعقائدية تختلف تماما عن العقلية اليهودية، حيث تبعا لهذه السياسة تتأكد الحقائق التالية:

  • عوامل داخلية:

1 – تزداد درجة الشعور بالانتقام ورد الفعل لدى الشعب الفلسطيني بجميع مكوناته.

2 – تتضاءل تماما تلك الفئات والأصوات التي كانت تنادي بالحل السلمي والتعايش السلمي مع “إسرائيل”.

3 – تزايد نسبة التلاحم المجتمعي والتنسيق المتبادل بين فصائله وذوبان الفوارق الحزبية والفصائلية أمام الهجمات والاعتداءات المستمرة على الشعب الفلسطيني.

4 – الوصول لقناعة تامة بأن المقاومة والكفاح المسلح ضمن أي فصيل هما الأداة الوحيدة أمام الشعب الفلسطيني أمام عجز السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية، واكتشاف تآمر البعض منها على مبدأ مقاومة إسرائيل.

5 – تزايد ثقة المقاومة بقدرتها، حيث هناك تقدم ملحوظ ونوعي عبر مراحل الاعتداءات( 2008-2009/ 2012- 2014) ولن تتوقف هذه المقاومة عن الاستمرار في التقدم.

  • عوامل خارجية:

1 – تآكل في شرعية (إسرائيل) دوليا وإقليميا، حيث هذا المؤشر الخطير بذلت (إسرائيل) مئات ملايين الدولارات من أجل التصدي لحملة القاطعة التي بدأت قبل شهور من أوروبا.

2 – وضع الأنظمة العربية أمام مرآة شعوبها التي ما زالت تعتبر القضية الفلسطينية هي قضيتها، فالقضية الفلسطينية “تيرمومتر” يقيس درجة وطنية الأنظمة، وستمتد ظلال وتوابع هذه الاعتداءات والظلم الذي وقع على الفلسطينيين على المدى المتوسط خارج حدود فلسطين، وقد تكون شرارة ثورات قادمة على بعض الأنظمة التي رهنت إرادتها ودورها الإقليمي لإسرائيل والدول الغربية.

3 – تزايد اتضاح الصورة لدى الرأي العام الأوروبي والغربي بشكل عام، وظهور أصوات مؤثرة تعمل لصالح القضية الفلسطينية.

 

وعن جدلية الأرقام والإحصائيات وإشكالية الخسائر:

– إن الجزائر خسرت في حربها ضد فرنسا أكثر من 6 مليون شهيد على مدار 132 من الاحتلال الفرنسي، وسقط حوالي 1.5 مليون شهيد في فترة (1954-1962)، مقابل 25 ألف قتيل فرنسي.

– إن فيتنام خسرت مليون ومائة ألف قتيل، و ثلاثة ملايين جريح، مقابل فقط حوالي 57 ألف قتيل أمريكي.

وفي جميع الحالات، فإن الجزائر نالت استقلالها، وفيتنام هزمت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوة دولية، وأن مقياس الأرقام هو عملية حسابية صحيحة في معادلة خاطئة، أي مهما بلغت الأرقام في دقتها فإنها خارج سياق الحسبة مع العدو.

وقد فشل العدوان الأخير المسمى إسرائيليا ” الجرف الصامد” عام 2014 على أكثر من صعيد:

1 – فشل سلاح الجو الإسرائيلي في معرفة مناطق منصات الصواريخ.

2 – فشل القبة الحديدية المكلفة بوقف وصول الصواريخ الفلسطينية إلى العمق الإسرائيلي.

3 – فشل الحملة البرية في تدمير الأنفاق.

4 – انهيار مفاجئ للقطاع السياحي والاقتصادي.

5 – انهيار معادلة التوازن الديموغرافي وبداية الهجرة العكسية.

وأخيرا: إن حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله – والتي مر عليها 11 عاما- كانت معركة كسبها حزب الله بكل المقاييس، ولم يتجرأ الاحتلال الإسرائيلي بعدما خرج مهزوما أن يعيد الكرة مرة أخرى، سيكون حال غزة كما حال النموذج اللبناني، بعد هذه المعركة سوف يكون لسان حال الحكومة الإسرائيلية وقادة العسكر ما قاله الخليفة المنصور: ” الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان بحرا”، ويقصد بالشيطان عبد الرحمن الداخل “صقر قريش”، مؤسس الدولة الأندلسية من بني أمية، عندما أفشل عبد الرحمن جميع محاولات الدولة العباسية للسيطرة على دولة الأندلس، ولم يحاول العباسيون بعدها إثارة بني أمية في الأندلس.

ولكن هناك شروط لاستمرار البناء للاستعداد للمواجهة الإسرائيلية، يجب التأكد من وجودها، وهي أن يكون هناك تفاهم كبير بين أفراد المجتمع لمواجهة أي خطر قادم، وأن تكون هناك حاضنة مجتمعية تضمن الصمود، لأن بغير الحاضنة المجتمعية الشعبية لا يكون للمقاومة سندا أو ظهيرا، وهذه نقطة خطيرة يجب على المقاومة الانتباه لها وكسب الرأي العام الشعبي لها، والعمل على تحسين مستويات المعيشة في غزة.

كاتب ومحلل سياسي

فلسطين- غزة

Fahmy_sh@hotmail.com

مقالات متشابهة